الشعر.. والمقاومة

العدد 4 - تشرين أول 2005 : شوفي بزيع
الاربعاء 19 تشرين الأول (أكتوبر) 2005.
 
إن ظاهرة شعراء الجنوب اللبناني التي أطلقها الإعلام في السبعينيات، تعود في نشأتها إلى أسباب سياسية وإعلامية، والمعني بها كوكبة من الشعراء اللبنانيين ينتمون من حيث مسقط الرأس إلى الجنوب تحديداً، ظهروا في وقت واحد، فبدوا وكأنهم يمثلون ظاهرة شعرية متكاملة، يمكن أن نسمي من بينهم: حسن عبد الله، الياس لحود، محمد علي شمس الدين، جودت بحر الدين، ومحمد فرحات وأحمد فرحات..

إن الذين يأخذون على شعراء الجنوب هذه التسمية، يغفلون أن الشعراء أنفسهم لم يكونوا مسؤولين عنها، بل إن الإعلام هو الذي أطلقها.

لقد ظهر في تاريخ الجنوب، حتّى في عصر الانحطاط، عدد هائل من الشعراء كانوا ينمون في كنف المدارس الدينية التي نشأت هناك في ذلك الوقت، وكانت تتجاوز بعدها الديني لتتحول إلى حواضر أدبية لها علاقة باللغة والأدب، وهذا ما سهّل على الجنوبيين اتقان الشعر والتمرّس به.. لكن الجنوب كان مغيباً باستمرار وهو من مناطق الظل والهامش بالنسبة للكيان اللبناني، حيث ألحق بلبنان عام 1920 لذلك يجب أن ننظر إلى الظاهرة ليس بوصفها سياسية بل بمعيار أنتربولوجي اجتماعي له علاقة بتاريخ الجنوب المتصل بكربلاء بالمعنى الوجداني العميق، لما تمثل كربلاء من رمزية، مما يشكل تدفقاً من الحزن والفجيعة، ومن الغضب والبسالة في الوقت ذاته، أيضاً معاناة الجنوب في وجه العدو الإسرائيلي، وهي معاناة مزمنة ومعمدة بأنهار من الدماء والدموع.. والفقر الذي يعاني منه الجنوبيون أكثر من سواهم، والحرمان باعتباره من مناطق الظل والهامش..

ربما هذه العوامل مضافاً إليها جغرافيا الجنوب التي هي هضاب متوسطة الارتفاع ليس فيها عزلة الجبال العالية وشراسة مناخها والتي عادة يمكن أن تؤثر على النشاط العقلي للإنسان بشكل سلبي، وليست فيها أيضاً رخاوة السواحل والطبيعة التجارية للمدن.. فيها تلك الكثبان الجبلية المحدودبة التي تهب عليها رياح متعددة من جهة جبل الشيخ شرقاً ومن جهة البحر غرباً.. وأيضاً تلك الوديان والينابيع المتصلة بفلسطين.. كل ذلك خلق نوعاً من الحساسية المرهفة تجاه الشعر، فنرى أن الجنوب يشكل بقعة شعرية بامتياز، وطبعاً هذا لا يعني أن تظل هذه الكوكبة من الشعراء تعمل كمجموعة أو كجوقة زجلية، لأن الشعر يختلف عن الزجل، مع احترامي لبعض النماذج من الشعر المحكي أو الزجل، فكان لا بد لهؤلاء الشعراء حين كبروا أو نضجوا أن يذهب كلّ في اتجاه، ولذلك نرى أن هناك تبايناً بين شعراء الجنوب، فالذي يقرأ أشعارهم لا يرى أنهم نسخاً عن بعضهم البعض، ويرى أن ما يجمع شاعراً من الجنوب مع شاعر من سوريا أو المغرب، ربما يكون أكثر مما يجمعه مع زميله من الجنوب..

مثلاً هناك بوناً شاسعاً بين قصيدة حسن عبد الله، وقصيدة محمد شمس الدين أو بين قصيدتي وقصيدة احمد فرحات.. هذا شيء متروك للنقاد، ولكن يمكن ملاحظته من خلال النصوص التي تشعبت وتنوعت وذهبت في اتجاهات متغايرة..

هناك بعض الخبثاء زعموا في الثمانينيات بأن من مصلحة شعراء الجنوب أن يبقى الاحتلال الإسرائيلي قائماً، لأنهم حين تنسحب إسرائيل من الجنوب، يصبحون عاطلين عن العمل.. بمعنى أن موضوعة المقاومة ستنحسر وستسحب البساط من تحت هذه القصائد التي تتحدث عن المقاومة..!! ولكن حتى ولو توقفت المقاومة بسبب الانسحاب الإسرائيلي.. هذا لا يعني توقف الشعر، فمن يتوقف هو الشاعر الأيديولوجي المرتبط شعره بشكل ضيق وإطار معين.. أو الذي يتكئ على المقاومة كشعار، ولكن الشاعر الحقيقي هو الذي ينظر إلى المقاومة ليس بوصفها حدثاً منقطعاً، وإنما بوصفها ذات بعد إنساني..

كل شعر حقيقي هو شعر مقاومة.. لأنه يقاوم الموت والبؤس والإحباط والشعور بالهزيمة.. وينتصر للحياة والحلم.. ومن ناحية ثانية، على كلّ شعر أن يقاوم موته بالذات، فلا أستطيع أن أؤمن بأن هناك قصيدة مقاومة لا تستطيع أن تحيا أكثر من أسبوع أو شهر، فكيف يكون الشعر مقاوماً إذا لم يستطع هو نفسه أن يقاوم موته.. ولن يستطيع أن يقاوم الموت إلا إذا كان شعراً حقيقياً وملتصقاً من جهة بالهمم الإنساني، ومن جهة ثانية يمتلك أدوات تعبير متقدمة وقدرات تخيلية عالية، وبهذا المعنى يصبح شعر امرئ القيس شعراً مقاوماً، وشعر المتنبي مقاوماً، وإلا لما كان صمد لمئات السنين.. إذن لا يمكن للقصيدة الرديئة، ولقصيدة الشعار، أن تكون قصيدة مقاومة، وهنا يجب أن نصوّب البوصلة قليلاً، لأن البعض، للأسف، يتكؤون على المقاومة لتسويغ الرداءة والهشاشة في كتاباتهم!!.