العدد الخامس والعشرون - آب

الارهاب: اجتثاث الأسباب قبل النتائج

سركيس ابو زيد
السبت 18 آب (أغسطس) 2007.
 

 

مع تصاعد المواجهات العسكرية في مخيم نهر البارد بين الجيش اللبناني و"فتح الاسلام"، طرحت بعض الأطراف شعار "اجتثاث الارهاب من المخيم". حول هذه المقولة اسجل الملاحظات التالية:

1- ابعد من حيثيات هذا المطلب، وضرورة خروج المؤسسة العسكرية منتصرة من هذه المعركة حفاظاً على معنوياتها ووحدتها ودورها المفصلي في وحدة البلاد وحماية اي حل سياسي، على الطبقة السياسية ان تفكر في هذا الحدث وان تستخلص العبر والدروس وتعي المرحلة ومخاطرها وطرق معالجتها، مما يتطلب قبل كل شيء التفكير ملياً بأسباب هذا الارهاب وطرق اجتثاثه.

إن الخطيئة الأصلية للارهاب في العالم العربي هي الظلم الناتج عن المأساة الفلسطينية، وفقدان الحقوق القومية في فلسطين، وغياب اي حل عادل وشامل لهذه القضية. بالتالي، لا يمكن اجتثاث هذا الارهاب طالما ان الحل السياسي للمسألة الفلسطينية غير موجود والحق الفلسطيني مفقود.

تتلازم مع هذا السبب، بشكل عضوي، الظروف الاجتماعية والانسانية التي يعيش فيها الفلسطيني بشكل عام وسكان المخيمات بشكل خاص وهي بيئة اقرب الى البؤس، مما يشجع الاندفاع نحو ظاهرة الارهاب. هذه الظاهرة، المتجذرة اجتماعياً بفعل عوامل الفقر والبطالة والحالة المزرية للسكن والصحة والتعليم، تنميها ظروف القهر واليأس والظلم التي ينتج عنها الانحراف والجريمة والارهاب.

ظاهرة الارهاب ليست محصورة ومقتصرة على الوسط الفلسطيني، بل تتعداه بسبب الظروف والأوضاع التي يمر بها العالم العربي والاسلامي نتيجة استفحال استبدادية مشروع الهيمنة الأميركي-الصهيوني، وعجز الأنظمة العربية والاسلامية عن مواجهته، وحرمان فئات طبقية واسعة من العدالة الاجتماعية والمساواة والتنمية والحرية وحقوق الانسان، مما يؤدي الى تنامي ظاهرة الارهاب كرد فعل طبيعي -مدانٍ- على حالة مرفوضة.

لكل ذلك، اجتثاث الارهاب فعلياً يتم من خلال اجتثاث اسبابه وظروفه ودوافعه بواسطة حلول سياسية اجتماعية انسانية.

2- بعيداً عن الأسباب السياسية والاجتماعية للارهاب. هل يعتبر دخول الجيش اللبناني الى نهر البارد  كافياً لاجتثاث الارهاب من المخيم؟

البعض يبسط المشكلة ويرى ان ضرب منظمة فتح الاسلام يحقق الهدف، مع العلم ان هذه الظاهرة هي جزء من حالة سلفية جهادية اصولية عامة تتوسل الدين والعنف من اجل تحقيق اغراضها. كل الدلائل تشير بأن لبنان دخل مرحلة جديدة هي بداية زمن القاعدة وبداية مشروع قيام لبنانستان في بلاد الأرز. و"زمن القاعدة" لا يقتصر على منظمة او افراد او عصبة، بل هو فكرة وعقيدة لها انصار ومؤيدون وبيئة مستعدة -بسبب الظروف الاجتماعية والسياسية- لتقبل هذا النهج واحتضانه والترويج له.

لذلك، القضاء على تنظيم فتح الاسلام لا يعني بالضرورة اجتثاث الفكرة والبيئة التي ولد منها ونما فيها. الأمر يتطلب حكماً إستئصال النهج والحالة التي يمكن ان تظهر في مخيمات واحياء ومناطق اخرى. من الممكن ان تؤدي المواجهات العسكرية اليوم الى توسيع دائرة هذا النمط من الارهاب، وانتشار عدواه بدلاً من حصره وتقليصه. الوضع الحالي يحتاج الى خطة اشمل واوسع واعمق من عملية عسكرية محدودة.

3- يفترض بعض المسؤولين ان اجتثاث الارهاب يتطلب عملية عسكرية حاسمة في المخيم ضد منظمة موصوفة هي فتح الاسلام، لكن حالة من هذا النوع تفترض، الى جانب العملية العسكرية المحدودة، وضع خطة شاملة تتناول عدة مستويات ابرزها قيام جبهة سياسية وطنية ضد الارهاب تنطلق من تشكيل حكومة وحدة وطنية توحِّد القوى السياسية في مواجهة الارهاب، مما يوفر للجيش سقفاً سياسياً صلباً وقدرة فعالة على الحسم، تحول دون استغلال التناقضات السياسية الداخلية من قبل تنظيمات لها اهداف ورزنامة مختلفة.

بينما والحالة كذلك، يحاول كل فريق توظيف معركة المخيم لحساباته السلطوية مما يضعف الموقف الوطني العام، ويربك المؤسسة العسكرية، ويوفر لقوى الارهاب فرصاً افضل لاستغلال الثغرات والتناقضات والتجاذبات داخل الطبقة السياسية، في نظام مربك وملبّك.

4- الى جانب تحصين الحل السياسي الوطني، يبقى المطلوب وضع برنامج موحد على المستويين السياسي والاجتماعي من اجل معالجة الأسباب العميقة للارهاب وتداعياته، فاجتثاث الارهاب يتطلب ثقافة وتربية وبناء مؤسسات اجتماعية وانسانية تطوِّق هذه الظاهرة وتحول دون نموها بشكل عشوائي وفوضوي.