العدد الخامس والعشرون - آب

التحية الأخيرة "حقاً قام"

منصور عازار
السبت 18 آب (أغسطس) 2007.
 

 

طفلاً تتكون. تلميذاً تنمو. جامعياً تعقل. في طفولتي، ترسخ حب القرية وحكاياتها ونضالات أهلها. في التلمذة، نمت معارفي وتكاثرت حواراتي مع نفسي ومع غيري. وفي الجامعة، تبلورت شخصيتي من خلال وعيي لإنتمائي وضرورة إلتزامي به. وكان ذلك في الخمسينات من القرن الفائت. 

إني إذ أتذكر تلك المرحلة، لإنها كانت مرحلة تأسيسية في حياتي. وأستمر بنائي على حجر الزاوية، الذي وجدته من خلال حواراتي وقراراتي ونضال من حولي، ومن سبقني. يومذاك، ارتسمت أمامنا صورة متشابكة: طائفية تفتك بالنفوس وبالنصوص. تقسيم لأمة حاربت من أجل حريتها وقوتها، فكوفئت بالتجزئة واقتسام بعض أجزائها، وإهداء القسم الأكبر، فلسطين، الى اليهود المشتتين في العالم، وانتداب فرنسي-بريطاني بدعوى تأهيلنا لأن نحكم انفسنا بأنفسنا في المستقبل. فاستعانوا بالإقطاع والطائفيين والأزلام وطبقة من التجار والمرابين، ليسلموهم الحكم فيما بعد، ويعيثوا في البلاد تقسيماً ونهباً واستغلالاً وحوباً، يغذونها بفتن طائفية ومذهبية.

وتعقدت الصورة أكثر عندما أدركنا أن المسألة ليست سياسية، بل هي ضاربة في عمق الثقافة السائدة آنذاك: ثقافة التعصب، وثقافة الإلغاء، وثقافة الإتكال، وثقافة الخصوصيات الذاتية، واستسهال الربح وسرعة التخلي. ثقافة تعتمد العجز، وتبشر بالموروث الطائفي والمذهبي والديني والأقلوي، وتقف عند حدود الفتح العربي، متجاهلة حضارات وثقافات ما سبق وما لحق.  ثقافة لا تعرف كيف تحدد الأنا والنحن والمصالح. أو ثقافة تتعمد عدم التحديد. نشأنا في قلب هذه المعاناة، وفي صميم هذه المحنة. وكانت الأسئلة التي تهزنا حتى اليوم: من أنا؟ من نحن؟ ما شعبي؟ ما أمتي؟ أين هي؟ ما وراءها؟ أين حريتها؟ متى استقلالها؟ متى سيادتها؟ هل تتقدم أم تتأخر؟ هل تنعزل أم تتفتح؟ هل تنمو أم تتقلص؟ هل تحيا أم تنتحر؟

كنا يومذاك، في الجامعة الأميركية، في حوار حار وشاق حول هذه القضايا في محاولة لإيجاد الإجابة السليمة لأن شرط الحركة الوعي والمعرفة. كل حركة ناتجة عن قصور في المعرفة والوعي، تقود الى الفشل. وضع سعاده في كتاب التعاليم، والمحاضرات العشر، شرحاً لمبادئه التي رأيناها اساساً، لنشوء نهضة قومية توحد ما تجزأ، تحدّث ما تخلف، تحرر الإنسان في موروثاته المتهالكة، واتكاليته المتخاذلة، وتعيد اليه الثقة بنفسه. 

وهنا، لا بد أن أذكر لكم الفارق الذي تميز به سعاده والطريق الذي اختطه للإنقاذ. وقبل أن أشير الى هذا التميز، أعود الى محاولات الفكر البشري في إنقاذ المجتمعات مما اصابه من أمراض مزمنة. ولعل أفلاطون، الذي فشل في إصلاح السياسة بالسياسة، والفارابي الذي عاين الأمبراطورية العربية وهي تتفتت وتتجزأ، كانا دليلين لسواهما. فأفلاطون قرر أن إصلاح السياسة يتم بالفلسفة، فكانت "الجمهورية" مؤلفه الخالد. أما الفارابي، المعاين لكوارث قومه، فقد كتب "المدينة الفاضلة"، الفلسفة والثقافة والفكر، مرجعية النهضة. وبهذا تميز سعاده عن السياسيين الذين سبقوه وعاصروه، وجاؤوا بعده، حيث وضع المبادىء، وجعلها قواعد لإنطلاق الفكر. 

حدد شروط النهضة، وشروط المعرفة، ووظيفتها في تكوين حركة دينامية تقود الى النضال، الى أهدافه الإجتماعية. أحزاب السياسة في الأمة، كانت أحزاب اللحظة، أحزاباً غارقة في حيثيات الكسب السريع، في شهوة المناصب، وخدمة الأغراض الخصوصية. أما هو، فقد انطلق من سؤال: "ما الذي جلب على أمتي هذا الويل؟"، ومن بنى هنا عمارة فكره ونهضته؟

رفض الطائفية، ونادى بضرورة تنقية الدين من مخالب السياسة، وضرورة فصل الدين عن الدولة. لذلك، كتب سلسلة مقالات صحفية في ما بعد، في كتاب "الإسلام في رسالتيه، المسيحية والمحمدية"، برهن فيها أن الدولة في الاسلام ليست شرطاً وإنما لإقامة الدين. فإذا كانت ظروف الإسلام الاجتماعية والتاريخية قد فرضت إقامة الدولة في يثرب -المدينة المنورة- لنصرة الدين الجديد، فإنه يمكن بعد ذلك، إقامة الدين من دون اقامة دولته الخاصة به.

رفض الإنعزال، المؤسس على الإنتماء الطائفي، ودعا الى وحدة الحياة، كأساس لوحدة المجتمع، في تعدده وابداعاته وانتاجاته. الإنعزال اداة تدين ذاتية، مبنية على الاختلاف والنظر العدواني الى الآخر المختلف. الإنعزال مبني على الخوف من الآخر، القريب والمقيم والجار. الإنعزال عقيدة سياسية خربت المجتمع، وحولته الى فسيفساء في السلم، ومتاريس في الازمات. 

رفض سعاده التبعية دون الوقوع في الكزينوفوبيا، أو في كره الأجنبي، ودعا الى وعي الشخصية القومية انطلاقاً من ثقافة الامة وواقعها وطموحها ومصالحها. فلا تبعية لغرب ولا استتباع لشرق. الأمم العظيمة تدور حول محورها، لتكون في مصاف المساهمة في التراث الإنساني والحراك الدولي. التبعية، إلغاء للشخصية القومية، ودوران في افلاك المصالح المناوئة والمعادية لمصالح الأمة والناس.

كان استقلالياً في السياسة، والفكر، وفي روحية البحث عن مواهب الأمة والناس.

رفض العروبة الدينية، لإنها تخرج غير المسلمين من دائرتها، لأن التدين في السياسة يعبر عنه في التطيف والتمذهب، وهذا ما آلت اليه أوضاع أمتنا.

رفض العروبة اللغوية، لإنها تخرج جماعات من دائرتها، كالأكراد وسواهم. وهذا ما خلق أزمة كبيرة في عراقنا، وفي مناطق مختلفة من أمتنا، وفي العالم العربي كذلك، كالسودان والجزائر.

قال بالعروبة الحضارية المبنية على اشتراك أمم العالم العربي في نضال واحد، بهدفتحقيق المصالح الاستراتيجية الجامعة للعروبة. قال بعروبة العقل، وليس بعروبة الانتماء للأتباع والتقليد. الأولى تجمع، والثانية تقصي، لأن الانتماء في اساسه اجتماعي، وشرطه الالتقاء والتفاعل. اما الانتماء الديني والمذهبي والمناطقي والقبلي، فهذا نقيض الانتماء الموحد للقوى الانسانية في اطار اجتماعي. 

رفض أن تكون الأولوية لغير العقل، فالعقل هو الشرع الأعلى. العقل يعرف،يناقش، ينظم، ينقد، يتفاعل، يختار. ليس أمام العقل محرمات، فهو العماد الأول لقيام الحرية ونموها. من دون العقل، تفرض عبودية النصوص وعبودية التقليد. العقل، عند سعاده، عصيان على الواقع بعد معرفته، وتطلع الى المستقبل بعد فحصه، ونقد للماضي بعد استكناه روحيته.

كنا نؤمن، في ذلك الزمن الجميل، أن المبادىء التي وضعها، والتنظيم الذي أنشأه، سوف يسمحان للأمة بأن تنمي قواها، تتحرر من الاستعمارين الفرنسي والبريطاني، وتمنع المشروع الصهيوني من استكمال عدته، وتحقق وحدة المجتمع في نظام، يفصل بين ما لله وما لقيصر، بين الدين والسياسة والدولة، في دولة ديمقراطية علمانية متحررة من إرث التخلف والاستبداد والتبعية والاتكالية. كنا نحلم، أن تلك المبادىء، التي قامت عليها النهضة القومية الاجتماعية، ستدفع الأمة الى مصاف الأمم المتقدمة، القادرة بتنظيم انتاجها واقتصادها على قاعدة الشراكة الإجتماعية، كي تصير أمة تصدّر انتاجها لا أن تستورد الرغيف وحبة الدواء وورق الطباعة وحروف الكتابة، وحقائق العلم.

هل فات الأوان على ذلك ؟

إنني إذ أعود اليوم الى تلك الأيام، ايها الاحفاد والابناء، وأقارن بين ما كنا نؤمن به يومذاك، وما يجب أن نؤمن به اليوم، ما غيرت منها إلا القليل القليل. لم تكن مأساتنا في فكرنا، وفكر النهضة، وقضيتها. لقد اعوزتنا الوسائل الآليات. كنا ضحية الأخطاء التي وفرت العقيدة ولم توفر العقائديين. كان ذلك الزمن الجميل، زمن الايمان بالانتصار. وما نحن بحاجة اليه اليوم، في هذه الهاوية الدموية التي تتخبط بها أمتنا، والتي ينتحر فيها شعبنا، ويسفك الأعداء آماله وطموحاته ويقتل رجاله ويقوّض مقومات وجوده، هو الايمان بالنصر والعمل المنظم لتحقيقه.

"عشت وشفت كثير"، كما يقال بالعامية. وما رأيته في 25 أيار 2000، إلا أعطاني ايماناً قوياً، اشتد بعد عدوان تموز 2006 على لبنان، وهو أن هذه الأمة، قادرة على انتاج عصرها الجديد. عصر الانسان الذي يتعملق بإيمانه وقوته ونظامه ومثابرته وصبره وعلمه وثقافته وقيادته. عصر الانسان العادي، القادر على هزيمة "السوبرمان" الإسرائيلي، المدعوم من الامبراطورية الاميركية العظمى.

إنني مطمئن أن هذه الأمة ستنبت رجالاً يمسكون بقرارها، ليكملوا ما بدأه سعاده منذ ثلاثة ارباع قرن، وما بدأته المقاومة منذ نصف قرن.

إن ايماني اليوم، مستمد من عقيدتي، وأمتي، ورجالها الذين أضاءت عقولهم وسواعدهم ودماؤهم الطريق الى النصر. 

فيا أحفادي... لا تلوموا شيخا مودعاً يعجز عن رفع يده بشكل مستقيم، أن يرفع يده بقوة، ليقول: تحيا سوريا. وفيما أنا أسجل هذه الكلمات، أشعر بنتعة قوة تجعلني أتوهم أنني عدت شاباً، وانني مستعد لبدء المعركة من جديد. 

يا أحفادي. إننا نعيش في لب الصراع. عشته أنا وأبناء جيلي. فإما أن تنتصروا، وهذا إيماني، وإما أن ينتصر غيركم. لا مر من النصر. 

غداً، وفيما أنا أضع رأسي للمرة الأخيرة على وسادتي، سيزورني حلم يعوض علي غيابي. حلم متقدم فيه بيارق وأعلام وزوابع وشعارات تعلن عن فصح الأمة المجيد. حلم أرى فيه شهداء الامة، يلملمون جراحهم، ليحتفلوا بالنصر. لم تذهب دماؤهم سدى. حلم، أرى فيه الامهات، نزعن السواد والحداد. أرى فيه الرجال يسلمون الراية للأبناء، كي يكملوا معركتهم الإنسانية بعقولهم وعلومهم وقيمهم وثقافتهم وحريتهم.

لست يائساً أبداً. لست حزيناً ابداً. لقد عشت وشفت. وما رأيته كان قيامة بعد جلجلة. وإذا كان المسيحيون يصبحون بعضهم يوم الفصح بالقول: "المسيح قام... حقاً قام"، فإنني سأودعكم بالقول: "الشعب قام... حقاً قام".