العدد الخامس والعشرون - آب

الخطاب السياسي الأميركي

محمود حيدر
السبت 18 آب (أغسطس) 2007.
 

أكثر ما يحمل اللاهوت السياسي الأميركي على الغبطة، حين يجد من مأثورات الحداثة، ما يبرِّر له أفعاله، ويضفي عليها صفة المشروعية. ومع صعود المحافظين الجدد سيأتي من يستعير من موروث الحرب العالمية الثانية، ما يؤدي قسطاً من هذه المهمة. كان على وزير الدفاع السابق دونالد رامسفيلد، وهو ينشئ ذرائعيته لحرب العراق، أن يتذكر هذه الكلمة الشهيرة لونستون تشرشل والتي قالها الأخير في العام 1944: "إن الحقائق الاستراتيجية تحتاج في كثير من الأحيان، لأن تكون محميّة من جانب حرس من الأكاذيب".

 هذه المأثورة، التي ستتحول في الثقافة السياسية للمحافظين الجدد، إلى ما يشبه الأطروحة، ليست بعيدة من فلسفة التبرير الذي هو سمة راسخة في التاريخ الأميركي. وهو ما سيُظهر لنا، بما لا يقبل الغموض، الطريق الذي تمتزج فيه الأكاذيب السياسية بالحقائق الاستراتيجية.

كثيرون ممن يأخذون بهذه الاستعارة الذرائعية، هلّلوا لرامسفيلد في كشفه الجديد، لكن بالنسبة إلى ناقديه، سواء في واشنطن أم في بقية عواصم الغرب، فإن هذه الأطروحة تعيد استثارة تاريخ الفلسفة الحديثة أكثر مما تستثير تاريخ الحرب العالمية الثانية.

 مع ذلك، فإن الأخذ بها من جانب فريق البيت الأبيض، يجري على سبيل دفع الحجة، بعدما بلغ سيل الانتقادات والتّهم حداً غير قابل للتراجع. ففي خلال الأعوام التي تلت سقوط بغداد شاعت عبارة "حرس من الأكاذيب"، للتدليل على دور الأجهزة الاستخباراتية والإعلامية، في إقناع الرأي العام، بدوافع الحرب، وتبرير نتائجها رغم موجات الاستنـزاف والخسائر التي يتعرض لها جيش الاحتلال، سياسياًَ وعسكرياً ومعنوياً.

لقد امتلأت الفضائيات الإعلامية بما لا حصر له من الوثائق، والصور، والمعلومات حول وجود أسلحة الدمار الشامل، وحول علاقة نظام صدام حسين المنهار بتنظيم القاعدة، وبأحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر، لكن سيأتي بعد أسابيع قليلة من داخل مراكز القرار في الولايات المتحدة، من يرى إلى كل ذلك على أنه محض "أكاذيب". وسيمضي المفكر والباحث الفرنسي أوليفييه روا (Olivier Roy) ليلخّص قناعات واسعة في الرأي العام الغربي، بالقول: "إن أهداف الحرب التي أعلنت عنها واشنطن لا يظهر فيها أي تماسك منطقي. أما أفضل الحجج الفكرية الدافعة للحرب فهي كانت على العموم التكتم والنكران"...

سعت إدارة المحافظين الجدد إلى توسيع دوائر التضليل تحت شعار "الاتحاد من أجل السلام". ومؤدّى هذا الشعار الذي يطوي في ثناياه آليات مبتكرة من الديماغوجية السياسية المحكمة، هو إعادة إنتاج قناعات لدى الجمهور الأميركي، تبرِّر الانتقادات الجادة من قبيل "بوش يكذب"، أو "هناك أميركيون يموتون". صحيح أن هذه القضية بمجملها أثارت مسألة أخرى متصلة بسابقتها، إلا أنها قد تكون أكثر إقلاقاً أيضاً، وهي الجذور الفلسفية للإيديولوجيا التي تقف على رأس "الثورة المضادة البوشية". وكما يقول الباحث الكندي جون. ج. ميسون (Jhon.G. Mason)، من أنه صار من المستحيل تجاهل الصلة بين التشويه الإعلامي الاستراتيجي، والحقيقة السياسية، فسيكون عدم القلق أكثر صعوبة حيال الدروس التي لقنها ليو ستراوس (Leo Strauss)، لحلقته الصغيرة البارعة المؤلفة من تلاميذه القدامى الذين يحتلون اليوم مراكز القرار في واشنطن.

 يجمع مؤرخو الممارسة الساسية الأميركية، على وجود شغف لافت لدى قادة الولايات المتحدة، قوامه، صناعة الأكاذيب، وتشكيل حرس من المفكرين والإعلاميين، ومراكز الأبحاث لتسويغها وتسويقها.

 لقد غدت الولايات المتحدة في قلب عولمة متطلبات التبرير -كما يلاحظ آريال كولونوموس، فالدولة الأميركية هي وريثة تاريخ طويل في المجال "الأخلاقي". وطبقاً لتاريخها "الطهراني" الذي أضَفَتْهُ عليها البروتستانتينية الزهدية، حرصت على الاضطلاع بدور "منارة الإنسانية" على حد التعبير الذي استخدمه جون فوستر دالاس في الستينيات. وفي مرحلة متأخرة ستلعب عناصر جديدة في المجتمع المدني دوراً رئيسياً في صعود قوي لتلك النظرة المثالية المتجددة.

ولئن كانت النـزعة التبريرية سمة مميزة للاستثناء الأميركي، فهي ظاهرة دولية عامة، بل هي مطلب دولي تفترضه شروط الهيمنة الجيو-استراتيجية.

 في أثناء الحرب الباردة، كانت مصلحة أعضاء الكتلة الواحدة، تكمن في التغاضي عن أخطاء حلفائها للحفاظ على مصالحها المشتركة، ومنع الكتلة الثانية من استغلال خلافاتها. أما الآن، فإن الظهور البيِّن للمجتمع المدني أرغم الدول والمؤسسات على تقديم حسابات حيال أشكال الرقابة الجديدة هذه، وأصبحت معارضة المجتمع المدني ذات صفة عالمية وميزة للتعددية الليبرالية. فلقد وُضعت بواسطة هذه الرقابة، دول كثيرة في قفص الاتهام بسبب من موقفها تجاه العديد من الجماعات المتضررة، أو التي كانت ضحية لسلوكياتها.

 أما بالنسبة إلى أميركا على وجه الخصوص، فقد اتخذت إيديولوجية التبرير لديها مناحٍ استثنائية، وذلك طبقاً للمنسوب العالي جداً من إيديولوجية الهيمنة. كثيرون من مؤرخي سياسة أميركا الخارجية حلّلوا "المسارات الأخلاقية" لهذه الدولة، فأدرجوها ضمن استمرارية هيمنتها.

 من هؤلاء، المؤرخ تومي سميث، الذي ذهب في طرحه إلى حد اعتبار أن "الويلسونية"، وهي تصور أخلاقي لسياسة تتطلع إلى جعل العالم ديمقراطياً، تشكل الخيط الأحمر في تاريخ أميركا للقرن العشرين. وبحسب سميث، أن الرئيس رونالد ريغان، رغم كونه من المحافظين، في حين كان ويلسون ديمقراطياً، من أنصار القوة والسياسة المتشددة تجاه الاتحاد السوفياتي، كان خير مثال على حداثة هذا الموروث. ثم جاء جورج دبليو بوش، ليؤكد هذه الأطروحة. أما في خلال رئاسة كلينتون فقد استوحى القادة الأميركيون دوراً مباشراً من الأخلاقية الزائفة، ليمنحوا أميركا صفة "القوة المهيمنة الخيِّرة". مع حرس هائل من الأكاذيب، أيضاً، وأيضاً...