العدد الخامس والعشرون - آب

الإسلام والمسيحية نحو مجتمع أكثر اخوة ومحبة وتسامح

الأب سهيل قاشا
السبت 18 آب (أغسطس) 2007.
 

الله أخوة ومحبة وتسامح

"أحبوا بعضكم بعضاً... احبوا اعداءكم، باركوا ولا تلعنوا... صلوا من اجل الذين يضطهدونكم... ما من حب اعظم من هذا ان يبذل الانسان نفسه عن احبائه."

بهذا الدفق من الشعاع فاه السيد المسيح في سمع الدهر، وردد صدى لنجواه الرسول محمد (ص) بقوله: الخلق كلهم عيال الله، احبهم اليه انفعهم لعياله" لتفيض من بينهما ينابيع "على الأرض السلام وفي الناس المسرّة".

والدين العقيدة في مكنون الله يعني العقد والالتزام. أرادت الديانات ان توحدنا في الله، فاختلفنا عليه، وطفق كل فريق على ان يدخله جاهداً في ملكه. ولكن، رويدكم يا هؤلاء، ان الله لأقدس واجلّ وأكبر من ان تتناولوه بعقلية الثروة والسلعة، والمتاع.

سمت نفس ابن عربي الصوفي الأشهر يوماً الى المطلق الأسمن، فقال يصوّر لنا سريرة قلبه بين حالتين بقوله:

لقد كنت قبل اليوم انكر صاحبي اذا لم يكن، ديني الى دينه داني

فقد صار قلبي قابلاً كل صورة فمرعى لغزلان ودير لرهبان

وبيت لأوهام وكعبة طائف والواح توراة ومصحف قرآن

ادين بدين الحب اني توجهت ركائبه، فالحب ديني وايماني

 

الحوار والعيش المشترك

 

فكرت طويلاً قبل البدء بكتابة هذه الكلمة في المنهج الأصلح لمعالجة هذا الموضوع الشائك الصعب، لكثرة المسلّمات المتناقضة لدى الأطراف المختلفة، فيما يتصل به. ذلك ان عيش المسلمين مع ابناء الديانات والثقافات الأخرى تجربة تاريخية عريقة ضمن النطاقين العربي والاسلامي. هذه التجربة التي انتهت جوانبها القانونية بسقوط الدولة العثمانية، والتي كانت تجربة غير ناجحة للعيش المشترك لارتباطها بالصغار والتمييز في القيمة الانسانية، وفي حقوق الفرد والجماعة، وهي الحرية بمعناها الانساني العميق.

وعليه، لا بد من الحوار والعيش المشترك اللذين يرتبطان عضوياً، فالحوار من شأنه ان يؤكد نقاط التلاقي بين الديانات. والعيش المشترك يبرهن على الأخوة والمحبة والتسامح بخلق مجتمع جديد يصبو نحو تحقيق عيش افضل وارقى.

ان البحث في تعديل النصوص واصلاحها والتي نعيش في ظلها، وتطبيق شرعة حقوق الانسان والمواطن والحفاظ على تقاليد القيم الروحية والأخلاقية، كل ذلك هو أمر له قيمته، انما ما هو اهم من النصوص، واكثر فعالية، هو فهمها وتطبيقها المشترك...

من البديهي ان العيش المشترك الذي نسعى اليه، لن تكتب له الحياة ويرجى له البقاء ان لم يرتكز وينطلق من الحوار الحر الذي يعتمد تبادلاً صريحاً ورصيناً للحجج والآراء المُوصل حتماً الى معرفة بعضنا بعضاً بعمق وشمول. لقد قيل قديماً وبحق "الانسان عدو ما يجهل" فهل استطيع ان اعيش مع جاري اذا لم اتعرّف عليه وازوره، واحاوره واتحسس مشاعره واشاطره الأحزان والأفراح؟ هيا اذن الى حوار الصدمة والمحبة. الذي يبدأ بين الأفراد ثم يمتد الى الأحياء والقرى والمدن، ليشمل بعافيته وروحانيته سائر المواطنين جميعاً.

ولكن من المحال ان نتحاور بمحبة ونعيش بسلام، اذا لم نؤمن بالأخوة في الوطن الواحد وبما لسوانا من حق عندنا وعلينا مرددين قول الشاعر:

ما دمت محترماً حقي فأنت أخي آمنت بالله ام آمنت بالحجر

وقبل البدء بتحديد الموقف من العلاقات بين المسلمين والمسيحيين، اريد ان ابين ابعاد العبء الثقيل الرازح على اكتافنا من جراء تاريخنا وحاضرنا، ثم اعرض مبادىء النظرة السليمة للحوار الاسلامي-المسيحي قبل ان انتقل في مرحلة أخيرة الى استخلاص النتائج بالنسبة للعمل المشترك الواجب انجازه في مستقبل مشترك تسود فيه القيم الانسانية.

الأعباء الصعبة

1 - عبء التاريخ

من الأعباء المضنية التي تقف حاجزاً دون القيام حوار اسلامي-مسيحي مثمر هو عبء التاريخ. فتاريخ العلاقات بين المسيحيين والمسلمين في القرون الماضية، لم يكن في الواقع تاريخ اخوة تربطهم بعضهم ببعض اواصر القربى والمودة. ان هذا التاريخ كان قبل كل شيء تاريخ نزاع طويل وصراع يشتد عنفاً من وقت الى آخر، على الرغم من تكييف العلاقات الثقافية بين الطرفين بما فيها تبادل العلم ومقوّمات الحضارة، وتوثيق العلاقات الاقتصادية. (اذكر منها هنا على سبيل المثال نشاط دار الحكمة في بغداد وجلب مخطوطات الفلسفة اليونانية والعلم الهليني من القسطنطينية وحركة الترجمة، ثم حمل الحضارة الاسلامية الى اوروبا من طريق ايطاليا والأندلس).

اما النزاع السياسي، فكان له، وفي بعض المراحل، اثره السلبي على النقاش العلمي والجدال الديني، محولا هذا الجدال ميداناً للتهجم على الخصم ودفع عقائده ومقومات ايمانه، والحكم عليها بالضلال البعيد والعبث الفكري.

وكان هناك انزلاق من السماحة الى الطغيان الباغي، ومن البحث عن الفهم والتفاهم الى القضاء والحكم والإدانة، كما كان هناك ايضاً تحول من البحث عن العناصر الفكرية والعقائد الدينية والقيم الأخلاقية والشرائع المسلكية المشتركة بين المسيحية والإسلام، الى التركيز على نقاط التناقض بين الدينين والاختلاف بين انظمتهما الإجتماعية.

2- عبء الحاضر

ان عبء الحاضر الذي يأثر على المحاولات الرامية الى تنشيط الحوار الاسلامي-المسيحي والعيش المشترك، يتعلّق بغموض المواقف المختلفة في العلاقات الدولية ومغيبات المستقبل، ما لا يشجع على اكتساب السكينة العاطفية والصفاء الفكري اللذين لا بد منهما لمن يشتغل بقضية الحوار الاسلامي-المسيحي.

فهناك ظواهر تسيئ الى العلاقات الاجتماعية بين العالمين السلامي والغربي. هذه الظواهر مؤداها ان العالم الاسلامي في اطار تحرك ناشط للأصوليين، حيث تنشر صورة عنه في الغرب وكأنه هو الخطر الأول على السلام وعلى مستقبل البشرية.

في المقابل، هناك صورة قاتمة تنشر عن الغرب مفادها أنه مجتمع منحط منهار، معدوم الأخلاق، ويشكل خطراً على العالم الاسلامي. االكثير من المسليمن هو المساواة بين الغرب والمسيحية، وينسبون سلوك الغرب الى الدين المسيحي، من دون ان يدركوا انه تم فصل الدين والدولة في الغرب من زمن بعيد. فالغرب ليس فيه من المسيحية نظام سياسي مسيحي، غير ان جذور القيم الأخلاقية التي ما لبث الوجدان الغربي يحترمها هي متأصلة في التراث المسيحي.