العدد الخامس والعشرون - آب

سيناريو سياسي عسكري لضربة إسرائيلية لسوريه ولبنان

سالم موسى
السبت 18 آب (أغسطس) 2007.
 

في وقت غابت فيه مبادرات السلام العربية-الإسرائيلية الجدية خصوصاً بعد أحداث أيلول 2001، ومع رفع واشنطن لشعار محاربة الإرهاب، يبدو ان الولايات المتحدة تسعى في اواخر عهد الرئيس بوش ومنظريه المحافظين الجدد الى الاستمرار في شن الحروب اعتقاداً منها انها تستطيع القضاء على الارهاب، فارضة شروطها على المجتمع الدولي والأمم المتحدة.

تأتي علاقة الولايات المتحدة مع كل من إيران وسوريه من خلال المنظار الذي يؤمن مصالحها، وليس الرؤية المؤثرة في القرارات الدولية الأساسية في النـزاع العربي-الإسرائيلي.

وفي هذا السياق، أصدر الرئيس بوش مبادرته الأخيرة لحل النـزاع في الشرق الأوسط بالدعوة إلى مؤتمر دولي للسلام مستثنياً سوريه الطرف الاساسي في عملية السلام. ولأول وهلة، لا يبدو ان هدف هذا المؤتمر هو احلال السلام وإستعادة الحقوق العربية، بل من أجل تشكيل جبهة عربية-إسرائيلية ضد قوى الممانعة في إيران وسوريه والمقاومة العربية في كل من لبنان وفلسطين والعراق. وهذا الإصطفاف الذي تسعى إليه الولايات المتحدة يهدف في الغالب منع أي تأييد أو تعاطف عربي في حال قيام إسرائيل بضربة ضد سوريه أو قيامها بضرب إيران بإعتبار أن هذه الضربات إنما توجه إلى محور الإرهاب المعادي.

يترافق هذا النشاط السياسي مع تحضيرات عسكرية إسرائيلية، تسربها بعض وسائل الإعلام، تؤشر إلى إحتمال كبير بقيام إسرائيل بعملية عسكرية واسعة ضد سوريه. من هذه التحضيرات، ما نشر عن تدريبات قتالية داخل قرى وبلدات تشبه تلك اللبنانية بنيت في صحراء النقب خصيصاً لهذه الغاية. والتسريب الآخر هو المناورات الواسعة التي أجرتها وحدات إسرائيلية مشتركة في هضبة الجولان، والتي من المفترض أنها تتضمن تمارين على عمليات دفاعية تحسباً لهجوم سوري، أو تحضيراً لعملية هجومية ضد سوريه على محور القنيطرة، سعسع، دمشق.

إن هذه التدريبات التي سربتها القيادة العسكرية الإسرائيلية في هذه الفترة، لا تدخل ضمن خطط التدريب السنوية ولا في مجال التدريب التقليدي للقوات، إذ إن لها طابعاً خاصاً وتوقيتاً مشبوهاً.

هناك بعض الاسئلة التي تطرح نفسها. هل ينجح سلاح الجو الاسرائيلي في سوريه، بعد ان فشل في لبنان، مع وجود تقييدات لحركته في الأجواء السورية ناتجة عن شبكة صواريخ متطورة مضادة للطائرات، إضافة إلى الطائرات المقاتلة الاعتراضية التي قد تكون حصلت عليها سوريه؟

والسؤال الآخر، هل تملك سوريه ترسانة صاروخية مماثلة لترسانة حزب الله أو أكثر؟ وإلى أين يصل مداها؟ وما هي التوقعات عن الأضرار التي ستسببها داخل إسرائيل؟

من الواضح أنه يجري العمل على قدم وساق على تثبيت الجهات العربية أو تحييدها من أجل التحضير لهذه الحرب، ويشمل هذا التحييد ضخاً مذهبياً ضد أنظمة الحكم في سوريه وإيران والمقاومة اللبنانية. أما المقاومة الفلسطينية، فهي تتعرض من أهل بيتها لشتى أنواع النعوت التي يؤدي الى عدم التعاطف معها حيال أية ضربة قد توجهها لها إسرائيل. هذه التحضيرات السياسية تقودنا إلى تحديد مسرح عمليات يشمل هضبة الجولان وخط القنيطرة-دمشق، ووادي البقاع اللبناني والذي قد يشمل غزة في حال إطلاق صواريخ المقاومة الفلسطينية من القطاع لإرباك إسرائيل في الداخل.

هذا المسرح قد يتوسع إلى حرب شاملة في حال تدخل إيران والولايات المتحدة بحيث يشمل دول الخليج والعراق، وقد يبقى على ما هو عليه في حال صمد السوريون واللبنانيون تماماً حصل في حرب تموز.

بالاضافة الى ما سبق، قد تكون للضربات الجوية دوراً كبيراً وليس حاسماً، ومن المفترض أن تشمل هذه الضربات المراكز الأساسية ومراكز القيادات المفترضة ومراكز الإتصالات والمراكز الحيوية والعسكرية. هنا، تجدر الإشارة إلى أن إسرائيل حاذرت، عام 2006 قصف مراكز الإتصالات اللبنانية، وغالب الظن أنها كانت تستفيد منها، لكنها في هذه الحرب الحاسمة سوف تلجأ حكماً لضرب هذه المراكز من أجل شل عمل القيادات العسكرية والسياسية.

يبدو أن إسرائيل أدركت أن أحد الأسباب الأساسية لفشلها في حرب تموز كان نجاح المقاومة في توقع عنصر المفاجأة الاسرائيلي، ومحافظتها على القيادة والسيطرة على عناصرها طوال فترة الحرب. ومن المفترض أن تسعى إسرائيل لحرمان سوريه والمقاومة من هذين العاملين.

على الصعيد البحري، ليس من المستبعد أن تلجأ البحرية الإسرائيلية إلى أعمال عسكرية ضد البحرية السورية أو ضد الساحل السوري من أجل ضعضعة الرأي العام وخلق إرباك لدى القيادات العسكرية والسياسية والإقتصادية، لذلك لا يبدو البحر مستبعداً كمسرح عمليات حربية.

من الملاحظ أيضاً ان اسرائيل تعير اهتماماً بالغاً للاعمال القتالية البرية، كما يظهر من تصريحات القادة العسكريين أو من ما نشر من تقرير فينوغراد. ويبدو ان تكرار سيناريو 2006 مستبعد لأنه سوف يمنى بفشل ذريع مثلما مني به سابقاً. لذلك، من المفترض أن يعمد الإسرائيليون إلى خرق كبير رئيسي يترافق مع انزالات جوية كثيفة بحيث تنتقل المعركة بأسرع وقت إلى داخل الأراضي العربية. ومن المرجح أن يكون الخرق من داخل منطقة مرجعيون، راشيا، البقاع الغربي، لان ذلك يسمح بتطويق دمشق من الغرب أي من المصنع، أو بالتوغل شمالاً حتى البقاع الشمالي وتهديد قلب سوريه وهي خطة قديمة نشر عنها الكثير، وقيل أن الرئيسين الراحلين حافظ الأسد وسليمان فرنجية بحثاها في إجتماعهما في شتورة في كانون الثاني 1975.

بعد ما جرى في حرب تموز، لم يعد التقدم البري الاسرائيلي نزهة كما كان، فإسرائيل ستتوقع مقاومة ضارية. وتجدر الإشارة هنا أن المقاومة البرية ما زالت بنفس الجهوزية التي كانت عليها، بل أكثر لأن لها مهمتان، الأولى وقف أي توغل إسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية، والثانية حماية مراكز الصواريخ التي سيكون لها حتماً دوراً مميزاً في أي نزاع.

ما هو حجم العملية العسكرية؟ ومداها؟ ومدتها؟ أسئلة نعرف جوابها عندما نقدر ما هو الهدف من هذه العملية. فإذا كان الهدف تحريك الوضع في المنطقة برمته من أجل إعادة تشكيل عملية سلام مبنية على وقائع ميدانية جديدة يكون عندها حجم العملية محدوداً ويجري التمسك بالمواقع التي يتم السيطرة عليها والقبول بوقف إطلاق نار من أجل فرض شروط سياسية في عملية سلام جديدة. أما إذا ان الهدف يتعلق بالقضاء على الإرهاب، أي ضرب المقاومة اللبنانية والإطاحة بالنظام القائم في سوريه، فإن الحرب سوف تطول، وكلما طال أمدها تعثر تحقيق الأهداف السياسية، والعكس بالعكس.

إن طول أمد الحرب لا يؤثر فقط على مسرح العمليات، بل قد يزعزع الدول والشعوب التي يجري العمل على تحييدها بشعارات مختلفة، فأي إرباك داخل هذه الدول وتصاعد الدعوات للتدخل لمصلحة الشقيق ضد العدو سوف يقلب الموازين السياسية وويؤدي الى ارتداد السحر على الساحر. إن تحرك الدول والشعوب هذه رهن بمدى صمود ونجاح سوريه والمقاومة اللبنانية في صد الضربة الإسرائيلية واستيعابها والتعامل معها بحزم وتوجيه ضربات مؤلمة لإسرائيل.

لا ريب في أن الدمار الناشئ عن هذه الحرب سوف يكون هائلاً، وإن أي تسوية تلي هذه الحرب سوف تعتبر نهائية لا تسمح بتكرار سيناريو الحروب المدمرة. وإذا ما فكر بذلك صناع القرار في أميركا وإسرائيل، فإننا سوف ننتظر حرباً قاسية لم نشهد لها مثيل في المنطقة من قبل.

في الختام، هل يتكرر سيناريو 2006 ونجد من يتحدث عن مغامرات غير محسوبة، أو محور إيراني سوري أو صفوي أو غيره في أول الحرب، ثم بعد الصمود والتصدي للضربة الإسرائيلية تزول الغشاوة عن أعين الشعوب وترى حقيقة الصراع ناصعة أمامها ويعود الصراع العربي-الاسرائيلي الى الاولويات الوطنية والقومية للشعوب العربية، فتزلزل الأرض تحت القوى المتآمرة على مصالح هذه الشعوب وحقوقها المشروعة؟

الجواب على هذا السؤال رهن بما يحصل والذي لم يعد مستبعداً.

 

سالم موسى