العدد الخامس والعشرون - آب

صنّاع الموت في لبنان

علوان امين الدين
السبت 18 آب (أغسطس) 2007.
 

"الموت لا يتوقف لحظة واحدة". عبارة اعتدنا على سماعها منذ الصغر. تلك حقيقة اذا ما قمنا بقياسها على العالم ككل، ولكن في لبنان لا نعرف متى تتحقق هذه اللحظة. فبعد انتهاء الحرب الاهلية، تبين ان عدد القتلى في حوادث السير يقارب او حتى يفوق عدد القتلى خلال الاحداث في كل عام، ناهيك عن الامراض المعضلة التي تفتك باللبناني والناتجة عن المواد الكيماوية السامة، والقنابل الممتلئة بالمواد الملوثة والمشعة -الملقاة من قبل "اسرائيل"- التي تسبب ارتفاعاً في نسبة الوفيات.

لكننا اليوم نشهد وسيلة آخرى من وسائل الموت، وهي العبوات الناسفة التي تستهدف الشخصيات والأفراد والمحال والاسواق التجارية. ان وضع تلك العبوات لا يظهر سوى جبن الفاعل من جهة اولى، واثارة الفوضى وارهاب الناس من جهة ثانية، وشل الاقتصاد وتعميق الازمة المعيشية من جهة ثالثة. ولقد نتج عن هذه الظاهرة تبعات متعددة ابرزها انتشار ظاهرة الأمن الذاتي التي تقود الى فوضى توزيع السلاح، والذي اصبح استعماله عادة في الاشكالات الفردية البسيطة.

 من هنا، قررنا معالجة امور ثلاث وهي: التسلح، والأمن الذاتي، ودور الاجهزة الأمنية في الدولة.

 

1. التسلُّح:

 

 بدأت ظاهرة التسلح بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، حيث يذكر عدد من القادة "الأمنيين" في بعض الاحزاب انه تم البدء بتوزيع السلاح ومتعلقاته قبل الانتخابات النيابية الاخيرة عام 2005. ومن الجدير ذكره هنا، ما تداوله اهالي بعض القرى بأن احد اهالي الضحايا، الذي استشهد مع احدى الشخصيات، يقوم بشراء الاسلحة -حتى غير الصالحة منها- لحساب جهته سياسية، وهو يقوم بتوزيعها على افراد المذهب الذي ينتمي اليه.

ويستطيع اي شخص مشاهدة السلاح بشكل واضح مع العناصر "الأمنيين" -سنتكلم عنهم لاحقاً- التابعين للأحزاب، والمتواجدين في النقاط "الاستراتيجية". ليس هذا فحسب، بل تشير بعض المصادر الى هناك محالاً تقوم ببيع بعض الاعتدة العسكرية -مثل السترات المخصص لوضع مخازن البنادق- دون رخصة، خاصة وان نشاطها التجاري لا يتناسب مع مهنة بيع المستلزمات العسكرية، لكن من الواضح انها تستفيد من حماية النافذين وعناصر الاحزاب المتواجدة في المنطقة، او حتى العناصر الأمنية الرسمية.

من الملاحظ أيضاً ان اسعار الاسلحة تضاعفت مرة او حتى مرتين عن سعرها الطبيعي -بحسب ما يتم تداوله بين الناس- بسبب الطلب المتزايد على شرائها. هذا ويتخلف سعر "القطعة" نفسها بحسب "نظافتها"، واذا ما كانت عادية او "سوبر". وما يتم تداوله ايضاً، ازدياد الطلب على السلاح المتوسط، اذ انه وبالرغم من ارتفاع سعره، الا ان الطلب عليه مرتفع جداً. ولقد ذكرت مصادر صحفية الى ان هناك بعض الاسلحة، التي تأتي من تركيا وتستعمل في الاعمال التمثيلية، تم تعديلها واصبحت لتستخدم كسلاح قاتل، وهي تباع في الاسواق بأسعار مقبولة.

اما مصدر الاسلحة، فمن المرجّح انها تأتي من دول اقليمية وبعيدة مثل روسيا وبلغاريا. هذا وتشير مصادر معلوماتية الى ان بعض المنظمات الفلسطينية قامت ببيع السلاح الموجود لديها. بالاضافة الى ما سبق، تتقاطع الاقاويل حول قيام بعض النافذين ببيع الاسلحة التي يحصلون عليها او التي تأتيهم كهدايا. وهذا لم توافر لدينا معطيات عن ما اذا كان السلاح يصنّع في لبنان ام لا، اما الذخائر فمن المتوقع انها تصنّع محلياً، وذلك اذا ما تم القياس على ذخائر بنادق الصيد.

ومن المحتمل ايضاً ان تكون قد دخلت الى لبنان شحنات لبعض الاسلحة المتطورة والتي تعمل على الاشعة، خاصة وانه يحكى عن امتلاك عناصر فتح الاسلام لمثل هذه الاسلحة الحديثة جداً.

 

2. الأمن الذاتي:

 

أ-عناصر المليشيات:

مع فقدان الدولة لدورها، تفشت هذه الظاهرة في مختلف المناطق، حيث تقوم كل جهة بتخصيص بعض العناصر للمراقبة والحماية، هذا بالاضافة الى مهام اخرى متعددة.

ان الاغتيالات والتفجيرات التي تقع، دفعت ببعض القوى الى فرز عناصر امنيين من محازبيها او عناصرها، بعضهم بأجر شهري وآخرين متطوعين. ويلاحظ تواجد هذه العناصر بشكل خاص بعد الساعة العاشرة ليلاً، حيث يمكن لأي شخص كان رؤية التجمعات بصورة واضحة. ليس هذا فحسب، بل قامت بعض من هذه المجموعات بإقامة جواجز ثابتة ليلاً في بعض الاماكن النائية، مما ادى الى حدوث العديد من الصدامات مع المواطنين والمارين.

ولقد لعبت هذه المجموعات دوراً في أزمتي 23 كانون الثاني الماضي (اضراب المعارضة) و 25 منه (أحداث الجامعة العربية) إذ قامت ببعض التدابير والاجراءات الواقعة اساساً ضمن نطاق عمل وصلاحيات القوى الأمنية، وعلى مرمى نظرها دون ان تتدخل هذه الاخيرة وتقوم بدورها.

من اللافت ذكره هنا، انتشار ظاهرة التسلح بين سني المراهقة والشباب، حيث تلعب بعض المنظمات الشبابية التابعة للأحزاب، او حتى الاحزاب نفسها، دوراً في اقامة الدورات العسكرية -في فترة سابقة- في الليل ضمن مناطق نائية، ويتم فرز عناصر متقدمة للابلاغ عن أي حركة يشتبه بها. هذا الامر، دفع بالعديد من الاهالي في المناطق الى اصدار البيانات الاستنكارية وعقد الجلسات الخاصة لبحث ومناقشة الامر، ولكن في كثير من الاحيان تذهي الجهود دون جدوى.

ب- شركات الحماية الخاصة:

هذا المناخ السائد، شجع شركات الحماية الخاصة على توسيع رقعة عملها ونشاطها بسبب "ضعف الاجهزة الأمنية الرسمية... وقصورها، وازدياد حالة عدم الاستقرار الأمني في آن واحد. وبالتالي فلا حاجة ولا وجود للشركات الأمنية الخاصّة عندما تكون الاجهزة الرسمية مسيطرة تماماً على الوضع الأمني في البلاد. ولا يمكن تجاهل الحسابات التجارية والمالية لأنّ احدى الوظائف الاساسية للشركات الأمنية هي المنفعة المالية والتوسّع الاستثماري. والقصد من اثارة هذا الجانب من وظيفة الشركات الأمنية ليس البحث في نظريات المؤامرة بل اجتناب التحليلات الساذجة المبنية على فرضيات "المدينة الفاضلة"... لكن لا بدّ من التسليم بأن الشركات الأمنية يزيد ربحها مع ارتفاع نسبة غياب الاستقرار الأمني."

وأثبتت الشركات الكبيرة العالمية نجاحها، إذ تم الاعتماد عليها من قبل الولايات المتحدة الاميركية في كل من افغانستان والعراق. ولا يقتصر دور العناصر على حماية الشخصيات، بل يتعدى ذلك احياناً الى المشاركة في القتال والعمليات العسكرية. ولقد تعاونت بعض الشركات اللبنانية في هذه المجال، وأرسلت موظفيها الى العراق بمعاشات مغرية جداً.

 

جـ- السيارات المصفحة:

اضافة الى شركات الأمن، نشطت شركات اخرى تهتم بتصفيح السيارات ضد طلقات الرصاص والقذائف الصاروخية، إذ يقوم بعض اصحاب البنوك والشخصيات، الذين يخشون على حياتهم، بتصفيح سياراتهم ضمن علاقة سرية يؤمنها الوكلاء لعملائهم حفاظاً على سلامتهم.

وتصفيح السيارات يتطلب مبالغ طائلة جداً لا يستطيع غير المتمولين دفعها، إذ تقوم على اضافة العديد من المعادن، وتغيرر الزجاج بآخر مضغوط، اضافة الى الاطارات الخاصة. ولقد افاد مسؤول أمني لبناني بأن بعض الشركات زادت من استيراد السيارات المصفحة، في الوقت الذي بدأت فيه بعض معارض تأجير السيارات بعرضها في الاسواق لقاء مبلغ 1500$ يومياً.

 

د- كاميرات المراقبة:

ومن الاجراءات التي تم اتخاذها أيضاً نشر كاميرات مراقبة في الاماكن المهمة كالتي توجد فيها البنوك والمتاجر المهمة والاسواق التجارية المزدحمة. وتتعدد أنواع هذه الكاميرات، لكن يبقى من اهمها:

- المزودة بمنظار رؤية ليلية؛

- التي تنقل الصورة وقتياً دون تخزينها؛

- التي تخزن الصورة لوقت محدد أو طويل، وهي الأهم في حال وقوع أي حدث أمني.

 

هـ- دور البلديات:

حالياً، تسعى البلديات الى أخذ زمام المبادرة في تأمين الحماية الليلية -بشكل خاص- من خلال زيادة عناصر الشرطة لديها بتوظيف عناصر جديدة -يرتدون لباساً خاصاً، الامر الذي يخفف من النفور بين ساكني القرى المختلفين سياسياً، ويمنع الاحتكاكات بين المحازبين كون المهمة قد أسندت الى جهة رسمية.

ولقد قامت بالفعل العديد من البلديات بهذا الاجراء، الا ان أخريات لم تستطع بسبب نقص الأموال اللازمة وعدم توفره، خاصة وأن هناك أموالاً للبلديات "محجور" عليها في الصندوق البلدي المستقل لم يفرج عنها حتى اليوم، وهذا أمر مستغرب ومستهجن.

 

3. دور الأجهزة الأمنية:

ان الطائفية هي سبب جميع العلل الاجتماعية التي تواجه مستقبل لبنان، فالأجهزة الأمنية تتقاسمها الطوائف لا الكفاءة، كلٌّ بحسب حاجته. ومن الجدير ذكره هنا أنه وبعد انتهاء الحرب الاهلية، تم استحداث بعض الاجهزة الأمنية لإرضاء بعض الطوائف ذات "الحصص الناقصة في أمن البلد"، او التي لم يكن لها حصة في الاساس.

اضافة الى ما سبق، تم استحداث وفصل وفرز بعض الوحدات الأمنية من أجهزة موجودة بعد اغتيال الرئيس الحريري، مما ادى الى تشابك وتداخل في الصلاحيات. وليس أدل من ذلك سوى مراجعة بدء أحداث نهر البارد وكيف أدى عدم او سوء التنسيق بين الاجهزة -باعتراف مسؤولي بعضها- الى فقدان الجيش لعدد كبير من الشهداء في اليوم الاول من الاعتداءات.

ان العمل الأحادي للأجهزة أثبت، وفي أماكن عديدة من العالم، انكشاف الساحات الداخلية للدول امام الارهابيين -خصوصاً- للقيام بالتفجيرات او الاعتداءات التخريبية. وأبرز مثال على ذلك أحداث 11/9 الشهيرة في الولايات المتحدة، حيث أن تتعدد الأجهزة الأمنية فيها (المباحث الفدرالي، المخابرات المركزية، الأمن القومي، ...الخ) وقلة التنسيق بينها، سمحا باحداث ثغرات استفاد منها الارهابيون. لذلك، كانت الخطة الاولى التي اتخذها الرئيس جورج دبلو بوش هي انشاء وزارة للداخلية يكون دورها الاساسي التنسيق بين الاجهزة المختلفة وتكوين قاعدة معلومات مشتركة وموحدة.

نعود الى لبنان. في بعض القرى والبلدات، يؤتى عادة بمسؤول امني يتناسب مع جو المنطقة سواء لناحية الطائفة او المذهب، او لناحية الانتماء السياسي. وقد يكون هذا التعيين خطوة مقصودة من قبل السلطة -او مجبرة عليها- بهدف تخفيف التوتر بين المواطنين والسلطة وكسر النفور، الا انها سلاح ذو حدين. فقد يساهم هذا المسؤول في طغيان فئة على أخرى، او وقوع فوضى امنية، او انحسار دور الجهات الرسمية المختصة لصالح حزب أو جهات متنفذة.

 

في الختام، يبقى المواطن العادي آخر إهتمامات السياسيين والأمنيين لجهة ضعف الحماية والتدابير التي يجب اتخاذها لحمايته، فهو وحده من يدفع ثمن التوترات والمشاحنات كونه ليس أكثر من "فرق عملة سياسية" تتجاذبها المصالح والاهواء على حساب حياته وسلامته ومستقبله.