العدد الخامس والعشرون - آب

بيار دكاش لـ "تحولات":

الديمقراطية في لبنان تقوم على "قبول الآخر"
السبت 18 آب (أغسطس) 2007.
 

في اطار متابعة "الملف اللبناني" وتعقيداته وتشعباته، وفي ظل الأزمة السياسية الحادة التي تمر بها البلاد، وفي محاولة لاستكشاف أبعاد المرحلة القادمة بما تحمل من تحديات ومخاطر واستحقاقات كبيرة، كان لـ "تحولات" هذا الحوار مع النائب د. بيار دكاش.

 

1. يمر لبنان اليوم في مرحلة صعبة نشهد فيها تأزماً سياسياً حاداً، وانقساماً سياسياً غير مسبوق، وخطاباً سياسياً عالي النبرة على مستوى الأطراف السياسية الداخلية. هل ما يحصل هو أزمة سياسية عابرة أم أزمة وطنية كبرى؟ أي هل هي أزمة سياسية عادية أم أزمة بنيوية عميقة حول خيارات وطنية كبرى؟

لقد طرحت جملة تساؤلات في آن. هل هي أزمة سياسية؟ هل هي أزمة هوية؟ هل هي أزمة نظام؟ الحق أن الأزمة تشتمل على كل هذه الأبعاد مجتمعة. والمؤسف في هذا المجال، أن أغلب القوى السياسية والفئات اللبنانية لم تفهم بعد لماذا لبنان، لم تفهم حقيقة لبنان. فلو أنها أدركت معنى هذا الوجود، لما استمرت تتخبط في صراعات عبثية لن تؤدي الى أي نتيجة سوى تدمير لبنان الرسالة وتهديم الكيان.

ما هو معنى وجود لبنان في هذا الشرق العربي؟ يتميز لبنان عن غيره من باقي الدول العربية بنظامه ودوره وتفكيره. اضافة الى ما سبق، تعتبر المنطقة العربية العمق الطبيعي للبنان، ونحن لا ننكر أبداً أن لبنان هو جزء من هذا العالم العربي، فالعمق اللبناني يمتد الى أقاصي البلاد العربية وهذا ما يجعلنا أمة واحدة، انما في كيانات أو دول مختلفة. ولكن، لم تجد هذه الكيانات سبيلاً بعد لتوحيد موقفها أو رؤياها، ولا الى وحدتها الجغرافية، أو الاجتماعية، أو الاقتصادية، أو السياسية. أنها تتخبط -منذ ولادتها حتى الآن- في صراع أليم بين ما تنتظره شعوبها وبين ما يقدمه رؤساؤها وحكامها.

أما سؤالك لماذا لبنان، فلأنه الواحة الوحيدة في هذا المشرق العربي الذي التي يلجأ اليها الانسان ليجد فيها مكاناً لحريته وانسانيته ووجوده واستمراره. ماذا يعني ذلك؟ هنا، يمارس كل شخص -لبنانياً كان أم غير لبناني- حريته ومعتقداته وقناعاته دون تدخُّل من أحد. أن حريات المعتقد، والتعبير، والكلمة، والنشر موجودة في لبنان، بعكس كثير من الدول العربية. كل هذه المزايا التي يتمتع بها لبنان يعززها وجود نظام ديمقراطي حر يفسح في المجال أمام نمو هذه الحرية واتساع رقعتها. إن الديمقراطية في لبنان مختلفة عن الديمقراطيات الموجودة في بقية دول العالم، فهي لا تقوم على أساس العدد، بل على "التوافق"، أي ديمقراطية القبول بالأخر.

2. يحكى عن "ديمقراطية توافقية" في لبنان، ولكن بفعل الممارسة السياسية خلال فترات زمنية طويلة نسبياً لم تؤدِ الى تفعيل هذه "الحرية" وتعزيز العمل الديمقراطي، لا بل بالعكس يخال المواطن، وخاصةً الذي لا يؤمن بالعصبية الطائفية أو المذهبية ويريد الانتماء الى وطن، أن هذه الديمقراطية التوافقية تم استنساخها في "ديكتاتورية طوائف مقنَّعة" يقبض على مفاصل السلطة فيها من يتحكم بمقدرات هذه الطوائف، وهناك شعور لدى شرائح لبنانية كبيرة أننا نعيش في ظل "فدرالية طوائف" غير معلنة. ما رأيك بذلك؟

قلت في البداية أن السؤال الأساسي هو "لماذا لبنان". لبنان ليس لطائفة أو لمجموعة طوائف في مواجهة مجموعة أخرى، وليس لإثنية تختلف مع باقي الإثنيات. إنه وطن المحبة والتسامح والقبول بالأخر، هو وطن التوافق. صحيح أن هناك من يستغل بعض نقاط الضعف ليمارس هيمنة أو ما شابه، ولكن هذا يتعارض مع مفهوم التوافق والقبول بالأخر وهو الجوهر في الموضوع.

إن التوافق يعني اجماعاً على المبادئ والقيم التي يؤمن بها لبنان، وعلى الرؤيا التي يجسّدها في هذا الشرق. هذا هو المقصود بالتوافق وليس "الحرتقات" وتعطيل البلاد عند كل مفترق أو خلاف سواء أكان سياسياً أو غير سياسي.

الهدف هو أن يشارك الجميع في الحكم وفي القرارات الوطنية الكبرى. في ظل هذا النظام، لا يمكن لأحد أن يستقوي على الأخر مهما بلغ حجمه وكثرت موارده، فمنطق الاستقواء والهيمنة يناقض مبدأ التوافق. لذلك، يُمنع على أي فريق أن يستأثر بالسلطة أو في جزء منها لتحقيق مآرب فردية وذاتية. عندما نعرف لماذا هذا الكيان، ندرك أهميته وميزته الحقيقية ورمزيته في صون حريات وحقوق الأفراد والجماعات.

في الماضي، كان الموارنة هم الطرف الأقوى أو "المهيمن"، وكان "السنة" يعتبرون أنفسهم "مغبونين"، والشيعة "محرومين"، وكانت الحروب على أرض لبنان. أنا شخصياً أتفق مع غسان تويني على توصيفه لتلك الحروب بأنها "حروب الأخرين على أرض لبنان".

3. ألآ يعفي شعار "حروب الأخرين" اللبنانيين من مسؤولياتهم التاريخية في حفظ وصون بلدهم، خاصة وأن اللبناني ميال الى الهروب من المسؤولية والى القاء تبعات ما يفعله على الأخرين، أي أن "الحق دائماً على الطليان" وهذا منطق "الهروب من تحمل المسؤوليات" في المسائل الوطنية الكبرى؟

بالطبع هناك مسؤولية لبنانية في كل ما يجري، ولكن لا يمكن اغفال العوامل الخارجية ودورها في اثارة هذه الحروب.

4. هل لك أن تحدثنا عن "المركز المدني للمبادرة الوطنية" خاصةً وأنك أحد المؤسسين والمشاركين فيه؟

نحن أطلقنا هذا المركز بعد أن لمسنا آلام المواطن ومعاناته من الواقع السيئ الذي تمر به البلاد، وتوقه لحل اشكالية هذا الواقع المأزوم عبر تفعيل الانتماء الوطني، وتقوية الشعور الوطني في مواجهة العصبيات الجزئية الطائفية والمذهبية التي تؤدي الى صراعات لا طائل منها. هذا المركز يهدف الى تعزيز المجتمع المدني والتشريعات المدنية التي يتساوى فيها جميع المواطنون في الحقوق والواجبات خارج اطار الهيمنة والاستئثار والغبن والحرمان والتهميش.

إن كلمة "المركز المدني" تعني أنها تشمل كل المدنيين أي كل أعضاء المجتمع المدني، فكل الناس موجودين في هذه المبادرة. نحن نريد أن نبني وطناً واحداً لكل أبنائه.

5. اذاً أنتم تريدون اخراج المواطن من انتمائه للطائفة الى الانتماء للوطن؟

نحن نعمل على نقل المواطن من التقوقع الطائفي أو المذهبي الى المواطنية الرحبة التي تتسع للجميع.

6. ما هي الخطوات العملية لتحقيق ذلك؟

نحن نقول للمواطنين -بكل بساطة- أنتم أخوة في الوطن، وأنتم مواطنون لبنانيون قبل أي انتماء أخر. نحن نعمل على اطلاق ثقافة وطنية تبني المواطنية الحقيقية.

7. هذا الكلام يسلط الضوء إشكالية أساسية وهي "أزمة النظام الطائفي" التي أورثنتا أزمات متلاحقة وحالة من عدم الاستقرار التي مازلنا نعيش تداعياتها حتى اللحظة. ماذا تقول؟

لا شك أن هناك حاجة لتطوير هذا النظام. هذه مسألة بديهية. لذلك أقول أنه آن الآوان للخروج من حالات الطائفية والتقوقع والانعزال الى رحاب المجتمع والى رحاب لبنان الواحد.

أنا أتوجه الى كل القيادات السياسية في لبنان والعالم العربي والعالم بأن نسعى الى تطوير آليات الحوار بين الرسالات والأديان السماوية الكبرى خاصةً المسيحية والاسلامية، ليس في لبنان وحسب بل في العالم العربي وعلى مستوى العالم كله، وأن نؤكد على نقاط الالتقاء بين الحضارات.

8. اذاً أنتم تدعون الى "حوار الحضارات" كبديل عن نظرية "صراع الحضارات"؟

نحن نقول بالحوار ولبنان هو رسالة في هذا المعنى، ونجاح هذه التجربة في لبنان ستترك انعكاساتها على العالم كله. ليكن لبنان مركز "حوار الحضارات"، وليكن الأنموذج الحضاري الفاعل في محيطه والعالم. هذه هي رسالته الحقيقية.

9. لقد مضى على اتفاق الطائف 17 عاماً. أين نحن اليوم من هذا الاتفاق، وهل ما زال هذا "الاتفاق-الدستور" صالحاً لقيادة لبنان نحو المستقبل؟  

في الواقع، كل اتفاق أو دستور يتطور وفق حاجات المجتمع، ولكن المهم أن نكون واقعيين في مقاربة مشكلاتنا. إن الواقع شيء والمرتجى شيء آخر، ولكن علينا أن نضع دائماً مبادئ واضحة نسير عليها في عملية بناء المجتمع.

10. ألآ تعتقد أن جانباً أساسياً في معالجة المشاكل والأزمات التي يعاني منها لبنان هو جانب ثقافي وتربوي بالدرجة الأولى؟ 

هذه مسؤولية الحكم منذ الاستقلال الى اليوم، فنحن لم نعلّم أولادنا على الانتماء الوطني بل على الذاتية والانتماء الى العائلة بالمعنى الضيق للكلمة. وعلى سيبل المثال، هذا ابن العائلة الفلانية وذاك ابن العائلة الأخرى. إنها تربية تميز بين "ابن الزوات" وابن الفقير. لذلك، يجب أن نتخلص من هذا الواقع، وهذا دور مناهج التربية والتعليم بالدرجة الأولى. إنها مسؤولية وطنية كبرى يجب أن يتحملها كل مواطن في أي موقع كان لنصل الى بناء وطن بكل معنى الكلمة. الوطن هو الاطار الذي يحمي كل أبنائه، وهو عنوان الاستقرار الحقيقي في أي مجتمع.

 

كادر:

-  الصراعات العبثية ستؤدي الى تدمير لبنان الرسالة وتهديم الكيان

-  نعمل على اطلاق ثقافة وطنية تبني المواطنية الحقيقية