العدد الخامس والعشرون - آب

"تحولات" على أرض الجنوب في ذكرى الانتصار:

حكايا المقاومين وقصص الصمود الأسطوري
السبت 18 آب (أغسطس) 2007.
 

هي أرض تملك وجدانك، تتعطش الى رائحتها، تكون دائما" على موعد مع الحرية فيها...هي أرض الجنوب.

منذ أن فتحت عينيك، تنظر اليها من البعيد، لكنك اليوم تنظر بايمان أكبر وبقوة وقناعة أكثر.

وانت واقف في مارون الراس يصبح المشهد اكثر وضوحاً ها هنا حدث يوماً، أن انهزم العدو. هنا قتل العشرات وعلى هذه الطريق سمعنا صراخهم، على بعد امتار تفجرت دباباتهم وسقطت طائراتهم. هنا في ذاك البيت مجاهد بطل يرفض الاستسلام قاوم واستشهد.

في هذه الأرض أناس تملأ القضية كيانهم ووجوههم. أم شهيد لديها ثلاثة بعد، وأب شهيد يريد أن يفجر نفسه بمن تبقى من جنود، وابنة شهيد تشمخ الى السماء بعينيها الواسعتين لتحدث أباها وتقول له كم تحبه وكم رفع رأسها وأعز بلادها.

تلتقي برجل يحدثك ببساطة جنوبية، دون ان يدعي.. يروي لك عن احد قاوم في هذا المكان...

ربما يكون هو ذاك المقاوم... لكنه يتابع بتواضع دون ان يدعى لنفسه فعل البطولة العظيمة...

تحاول ان تأخذ كلاماً منه عما فعل، عن دور بطولة لعبه...يقول لك: رووا لي، سمعت ان بطولة قد حدثت هنا... وجوههم حكاية مع الشمس، يستفزك هدوؤهم. تبحث في عيونهم عن بطولة قد وقعت، تجدها بين نظراتهم وعلى أكفهم السمراء، لكنهم لا يحكونها كلاما".

هنا تراهم يزرعون ويشربون الشاي. وينقلون المياه...ويبنون منازل العودة.

انهم دائماً على موعد مع الحصار، والانتصار.

تحاول ان تكتشف من منهم، مقاوم، مقاتل..من منهم أطلق رصاصة، أو كان شاهدا" على ما حدث.

 

في عودتك الى بيروت، وانت تستعيد كلماتهم وتستحضر وجوههم، وتميز تصرفاتهم، وتغرق في نظراتهم... تكتشف انك كنت معهم... انهم جميعهم مقاومون، انهم عزتنا وفخرنا ومجدنا... انهم هؤلاء الناس الطيبين الهادئين، انهم ابطال معارك سمعنا عنها...في شرايينهم دماء نزفت وعزفت ملاحم النصر وسطرت بطولات الجنوب.

تستدرك... انك كنت تحادثهم وتسألهم...

لم يروي لهم احد، لم يسمعوا من احد... هم من فعلوا... انها روايتهم كما حدثت، رواية مقاومة.

كل صخرة وشجرة وزهرة وحائط وجبل هنا، يستفز مخيلتك ووجدانك، فتسرد على نفسك بنفسك قصصهم، كيف كانوا هنا، كيف قاتلوا وناضلوا ونزفوا وتألموا وصرخوا وفرحوا وانتصروا.

أرض الجنوب أرض ملأى بالحكايات. تتمتم وحدك وأنت تتنقل بين ثناياها: هنا فرحوا، هنا جرحوا، هنا وقفوا هنا قصفوا...وتمر في خاطرك وجوههم وأجسادهم وبنادقهم وضحكاتهم.

 

هنا في الجنوب، لا تترك قرية لتدخل الى أخرى، بل تخرج من حكاية عز الى أخرى، ومن نصر الى نصر آخر.

 

مارون الراس... الطلقة الأولى

 

تقع قرى الجنوب على الحدود مع فلسطين المحتلة، بنت جبيل، مارون الراس، عيتا الشعب، عيناتا، عيترون، مركبا، رب الثلاثين. كلها كانت صفا" واحدا"، تقاتل العدو كتفا" بكتف لتدحره عن ربوع الوطن. من تراب أرضها المبللة بالدم الطاهر، انطلقت صواريخ الثأر لتطال قلب المستعمرات الغاصبة، ولم تمنعها كل الطائرات والخطط والتكتيكات فاستمرت تهز كيانهم حتى أخر يوم من الحرب. خط من النار والحمم شكلته هذه القرى وشقيقاتها في الانتصار، فسطر مقاوموها ملاحم نصر تاريخي مجيد، بدمهم ولحمهم وتراب أرضهم.

 

هنا في مارون الراس كانت المواجهات البرية الأولى داخل الأراضي اللبنانية على بعد أمتار من أراضي فلسطين المحتلة التي تضيف الى حنين المكان حنينا" مقدسيا".

مارون الراس التي ترتفع 917 مترا" فوق سطح البحر تشكل موقعا" استراتيجيا" يطل على الجليل الفلسطيني وعلى عدد من القرى اللبنانية : بنت الجبيل وعيترون ويارون، وهي تمتد على الخط الأزرق الموازي للأراضي الفلسطينية المحتلة.

في 19 تموز بدأت المعارك في مارون الراس، حيث حاول جنود النخبة من لواء غولاني الدخول الى البلدة بعد أن أمطروها بقذائفهم الجوية والميركافية. وهنا الرواية بكلمات مقاوم كان هناك، قاتل وعرف ما حدث:

 

نهار الأربعاء 19 تموز بدأ التقدم الاسرائيلي (لواء غولاني) على هذا المحور الذي نسميه "جل الدير" في غابة مارون الراس. وصلوا الى بيت ظنوا أنه موقعا" لحزب الله. كان في الأرض باب بئر حديدي، فتحه احد الجنود ورمى قنبلة ظنا" منه أنها ستقتل المقاومين المتحصنين، فارتدت عليه وقتلته. هذه احدى الخدع، تركيب شباك مطاطي لترتد القنبلة على راميها. اعترف العدو بمقتل 2 هنا وجرح 9، لكننا نتوقع أن يكون عدد القتلى أكثر.

كان هناك قوة من 18 فردا" أمام هذا المنزل، وكان هناك أحد الشباب المقاومين، فاتصل برفاقه وطلب منهم أن يقصفوا عليه ليصيبوا القوة الصهيونية ، أي أنه حدد موقعه كاحداثية. لكن قبل أن يقصف الشباب، فتح هذا المقاوم باب منزل قريب فوجد أحد الجنود الصهاينة فقتله، ثم فتح بابا" آخر فوجد ثلاثة يعدون أسلحتهم فقتلهم أيضا". في هذه المعركة اعترفوا بأربعة قتلى و9 جرحى، لكن تقديرنا هو 6 قتلى و12 جريحا". أما المقاوم فتمكن من الانسحاب وهو حي يرزق.

عندها انسحب الاسرائيليون وأمطروا المنطقة بالقصف الجوي والمدفعي طيلة اليوم واليوم التالي كي يسحبوا قتلاهم من أرض المعركة ثم أدخلوا 5 دبابات تحت النار لهذا الغرض. لم نتمكن من سحب أية جثث لأننا كنا مفرقين، وعملية كهذه تتطلب وجود أكثر من عنصر لحماية بعضهم بعضا".

ليلة الخميس، اخترقوا بآلياتهم مجددا" ودخلوا الى أطراف مارون فكنا في الساحة بانتظارهم وكانت أول دبابتين تصابان في الحرب بصواريخ المقاومة في مارون الراس بسلاح مخصص لتدمير الميركافا استخدم لأول مرة (صاروخ ذو رأسين أحدهما يخترق الدرع والثاني يفجرالدبابة)، رغم أن منطقتنا كانت ساقطة عسكريا" بسبب عدم وجود أية حماية كأشجار أو جبال أو ما شابه، حيث كان بامكان الاسرائيليين فرض حصار علينا بالقصف المدفعي والجوي. كذلك تم تدمير طوافتين في اليوم الأخير للحرب باستخدام سلاح متخصص بضرب الطوافات.

حاول العدو الدخول الى مارون وذلك بعد القصف المركز على المنازل (5 منازل تدمير كلي) وعامود ارسال اذاعة النور ونجح في التقدم ليلا" حيث كانوا يستخدمون النواظير الليلية ويعمدون في النهار الى القصف المركز بسبب فشل محاولاتهم للتقدم نهارا". هنا بات هدف رجال المقاومة قصف دبابات الميركافا بفضل فاعلية السلاح المستخدم وقوته، حتى أخذ الاسرائيليون يلجؤون الى تغطية الدبابات بالرمال لاخفائها لادراكهم أن صواريخنا ستصيبها حتما" اذا ما كانت مكشوفة.

بعد القصف المركزعلى مارون الراس، اعتبر العدو أن دخوله سيكون سهلا" جدا" نظرا" لكون مارون ذات أهمية استراتيجية تكشف بنت جبيل وعيناثا وعيترون، لكن رجال المقاومة فاجؤوه بمواجهتهم الشرسة وكانت هذه احدى المفاجآت التي وعد بها سيد المقاومة.

احدى الأساليب كانت استدراج جنود العدو ومحاصرتهم بين المنازل لأسر عدد منهم لكن بسبب حماسة المقاومين الكبيرة حيث كانوا يتلهفون للالتحام معهم وقتلهم ، لم نوفق بأسر أي جندي.

بعد سنة، يمكننا أن نقول وبفخر أن أول جندي اسرائيلي قتل، برصاص مقاوم من مارون الراس قبل أن يجهز على رفاقه الثلاثة الباقين. كانت المعارك تصل الى حد الالتحام المباشر بالسلاح الأبيض، وقد قام أحد المقاومين بالدخول بين جنود كانوا متجمعين على مثلث مارون وفجر نفسه بهم فأرداهم أشلاء.

 

 

بنت جبيل..."المدينة الملعونة"

تلك هي مارون الراس التي شيبت جنود النخبة وكسرت أسطورتهم. أما بنت جبيل، فلها قصة أخرى، قصة عز ككل قصص الجنوب، تلك المدينة التي أسماها العدو "ألمدينة الملعونة" شدة ما لقي فيها من مواجهة شرسة وخسائر فادحة جعلته يخرج جارا" أذيال الخيبة مؤكدا" ما قاله السيد نصر الله "اسرائيل أوهن من بيت العنكبوت". رواية بنت جبيل بلسان مقاوم صمد فيها حتى الانتصار:

 

كان استدراج جنود غولاني يتم الى هذه النقطة التي تشرف على بنت جبيل على حدود مارون الراس، هنا قتلنا حوالي 50 جنديا" ودمرنا 5 دبابات. في البداية حاولوا الدخول الى مثلث التحرير بدبابات مدرعة لكن ما ان أطلت اول دبابة حتى حولتها عبوات المقاومة الى أشلاء وقطع ففقدوا الأمل بفاعلية الدروع. حاولوا عدة مرات الدخول فكان المقاومون يكمنون لهم حتى اذا ما وصلوا الى مكان باتوا فيه مطوقين، أطلق المقاومون النار عليهم وأفشلوا تقدمهم وقهقروهم الى الوراء. لم يتمكنوا من زرع ولو علم اسرائيلي واحد هنا في مثلث التحرير مارون الراس - عيناثا - عيترون (يبعد 500 متر عن فلسطين المحتلة).

بالنسبة لعدد المقاومين، لا يمكنك معرفته حتى وان كنت واحدا" منهم. فقد كنا مقسمين الى مجموعات صغيرة حيث لكل فرد وظيفة معينة.

خلال المعارك لم نكن نتصور ان هذا الجيش سيكون مصيره هكذا، أو أنه سيترك آلياته المحترقة في أرضها دون أن يحاول أخذها خوفا" من المقاومين. معنوياتنا كانت عالية جدا" على الجبهة، لم يعرف الاحباط طريقا" الى قلوبنا، وكلما صددناهم ورددناهم ازددنا عزيمة". كنا على ثقة اننا كما نحمي هذا المحور، فان اخواننا على باقي المحاور يحمونها كذلك وينزلون الهزيمة بالعدو.

جربوا القصف الجوي والمدفعي والانزالات والمشاة والدبابات وفشلوا، صدهم الشباب ومنعوهم من التقدم وأنزلوا بهم خسائر كبيرة. على هذه الطريق الترابية استدرج المقاومون المشاة الصهاينة ودارت معارك وجها" لوجه كما كنا نشتهي، أما الدبابات فلم تصل الى هذا الطريق، فقد كان يتم تدميرها وهي لا تزال على رأس الجبل.

استخدمت في المعركة كل أنواع السلاح، الخفيف والصواريخ والعبوات والبنادق وحتى السلاح الأبيض. عندما تصبح في مواجهة مباشرة مع عدوك، تستعمل كل الأسلحة المتاحة حتى الحجارة واليدين.

في أوج الاشتباكات، كنا نسمع صراخ الجنود وتأوهاتهم وصرخات المقاومين "ألله أكبر". كانت الكتيبة المتقدمة من لواء النخبة غولاني، وقد تركوا خلفهم الكثير من العتاد والخوذات وقطع الملابس والجزمات والبطاقات وحبوب المهدئات، وهذه الغنائم هي في حوزة المقاومة الآن، وستقيم لها معرضا" في الضاحية. كانت المواجهات شرسة الى حد كان يفصل فيها بيننا وبين جنود العدو حائط سمكه 20 سنتم.

يوم تحدث السيد حسن نصر الله موجها" كلامه الينا، استمعنا اليه عبر الراديو وبكينا لشدة تأثرنا وتساءلنا لماذا يوجه الينا هذا الكلام فيما نحن لم نقدم شيئا" بعد، بل ما زال بامكاننا تقديم الكثير والمزيد.

على الرغم من اعلان قيادة المقاومة عدم تمسكها بالجغرافيا والأرض، كنا مصرين على عدم اعطاء العدو فرصة زرع علم على أرضنا ليقول في اعلامه انه دخل المثلث فاستبسلوا في القتال ولم يسمحوا له بذلك.

حاولوا استعمال الحرب النفسية فكانوا يشوشون على اذاعة النور ويبثون بلاغات تدعونا كمقاومين للاستسلام لاننا هزمنا، فكنا نضحك لهذه الألاعيب الصبيانية وندرك مدى يأسهم وارتباكهم. فهذا الكلام يوجه لأناس مهزومين وليس لأناس منتصرين مصممين على القتال والاستشهاد والصمود.

بالنسبة للأهالي، كانوا يساعدون بكل ما لديهم ولو بشربة ماء، وكثيرون تركوا محالهم ومنازلهم مفتوحة لنا لنأخذ منها ما نشاء من طعام ومؤن ومياه، لكننا لم نستهلك منها كثيرا" لأننا كنا مجهزين بكل ما نحتاجه.

من جهة أخرى، كان المقاومون يساعدون الأهالي أيضا" بتوزيع حصص تموينية على المحتاجين حتى تحت وطأة القصف والنيران، معرضين أنفسهم للموت بهدف توصيل المؤن.

بالنسبة للأوضاع العامة للمدينة، فقد بقي من الأهالي طوال 33 يوما" حوالي 600 الى 700 شخص، أما أغلبية المغادرين فقد غادروا خلال هدنة اليومين، كما استشهد حوالي 38 شخصا" من بنت جبيل، منهم 16 من المقاومة. أما الخسائر المادية، فهناك 10 مدارس متضررة ومسجد عدا المنازل، ويقوم حزب الله ودولة قطر بالتعويض على الأضرار.

ومن ناحية شخصية، أفخر أن صهري كان مقاوما" معي، وقد ودعته ثلاث مرات خلال الحرب وكنت أقول له انشاء الله يعيدك سالما"، فكان يقول لي ادع لي بالشهادة. في ثالث مرة دعوت له بالشهادة، عاد شهيدا".

 

 

 

عوائل الشهداء...صناع الانتصار

 

هم صناع الانتصار. آباء وأمهات وأخوات واخوان وأطفال، لا يعرف الندم والقهر طريقا" الى قلوبهم المليئة بالفخر والعز والنصر الذي صنعته دماء الغالين عليهم. مستعدون ليقدموا المزيد، هذا ما يجمعون عليه، ومستعدون لمواجهة جديدة وحرب جديدة ونصر جديد.

حكاية من حكايات كثيرة، جاءت على لسان والدي الشهيد "عمار قوصان" ، في منزلهم المتواضع في بنت جبيل، والمزدان بصور السيد حسن نصر الله وشهداء الوعد الصادق.

 

تبسّط عائلة الشهيد عمار فلسفة المقاومة، فتسهل رؤية عوامل الصمود والانتصار في كل ركن من اركان بيتهم الذي تنبعث منه رائحة العز والكرامة.

"هناك شهادة عمار".. يشير ابو نجيب الى الحائط المقابل. "كان عمار طالب مهني في السنة الأخيرة، استلمنا شهادته بعد استشهاده".

ويختصر الوالد قصة الشهادتين، بأن عمار يوم تسلم رقم طلبه لتقديم الامتحانات الرسمية، كتب تحت الرقم "لا اله الا الله". "كان لديه شعور هو ورفاقه بأنهم على درب الشهادة. كانوا يجتمعون دائما هنا.." وهنا عند ابو نجيب تعني البيت والحي والجنوب، كلّ الجنوب، ويتابع:

 " دونما فرق بينهم، استشهد هنا، أمام البيت قرب الجامع في 26 تموز. هؤلاء هم أبناء الأرض، ان لم يدافعوا عنها فمن يفعل".

وفي لحظة عابرة ارتسمت على وجه ابو نجيب علامات الحزن والالم وهو يتذكر جرس الهاتف الذي زف اليه نبأ الاستشهاد: 

"كان لدي ولدان على الجبهة محمد في الجديدة وعمار هنا في بنت جبيل، وابنة تعمل في سلك التمريض. عندما أعلنت هدنة ليومين، كنت أنا وأخ الشهيد خارج البيت حيث رن الهاتف الجوال. راقبت ملامح وجهه حين رد على الهاتف وعرفت أن الصغير عمار قد استشهد.. كل من كانوا في مجموعة عمار استشهدوا".

لكن الوجه لا يلبث ان يستريح حتى يعود وينكمش من جديد، لكن هذه المرة بعلامات تحدي، لا تخلو من ابتسامة الفخر تتقدم رواية الاب عن لحظات الاستشهاد كما نقلها "الشباب" ( اي رجال المقاومة) اليه:

"دخلت قوة من جنود العدو الى هنا وتغلغلت بين المنازل، وقوة أخرى دخلت من الجهة الأخرى الى كروم "سعد" (كروم زيتون)، فأخذ المقاومون يحمون ظهور بعضهم ويقاتلون يميناً ويساراً حتى طردوا القوتين واستشهدوا.. أحد الشباب دخل بين صفوف القوة الصهيونية وأخذ يرمي القنابل عليهم ويطلق النار موقعاً عدداً من الاصابات".

وعن بقية الاولاد يجيبنا:

"بكل أمانة، أقسم بالله اني لست بخائف على بقية اولادي، فهذه أرضنا ومن حقنا أن ندفع الدم من أجلها. والله لو لم ندفع جميعاً الثمن دماءً لما بقينا لحظةً في هذه الأرض. ونحن من قبل وقفنا ودافعنا عن أرضنا لكن لم يحالفنا الحظ في نيل الشهادة. عندما يكون هناك شعب مؤمن بقضيته وقيادة صادقة ومؤمنة، تكون المقاومة أمراً طبيعياً".

لكن الحسرة في قلب الوالد ليست على بيت تهدم او ابن استشهد فدى الوطن، بل على العرب والحكومة اللبنانية:

"أقول للعرب أن يعتبروا من هذه القلة القليلة التي قامت بلحمها أعتى قوة في الشرق الأوسط، لكن أعتقد من الصعب أن يستحوا! وحكومتنا حكومة عملاء، تستفز الناس وتعاقبهم على صمودهم!".

 

اما لأم الشهيد، فحكاية اخرى عن الصمود والتحدي.. ابتسامتها الهادئة قادرة ان تجيب العالم عن سر الانتصار، لانها ابلغ من كل التنظير والتحليل:

"في بدايات انضمامه للمقاومة كان يخرج كل ليلة لمدة أسبوع . كان والده يظن انه يسهر مع رفاقه، لكني كنت أعرف أنه مع المقاومة. في الأسبوع الثاني قلت له أنا لم أكذب يوماً على أبيك، البس بذلتك واحمل سلاحك، فان سمح لك اذهب وتدرب وان لم يسمح لك ابق في البيت.. بالنسبة لي، كنت أشجعه وأدعمه رغم معرفتي انه معرض في أي لحظة للشهادة".

"يوم انتهت الحرب وعاد أبوه وأخوه الى المنزل، وجدا كل المنزل محطم الا صور عمار كانت لا تزال صامدة على الحائط. عندما عرفت بكيت طبعاً، لكنني لم أندم لحظة على تشجيعه لسلوك درب المقاومة، حتى أنني عندما أتيت قلت للشباب: هل ما زال هناك يهود في جبالنا وتلالنا؟ أعطوني سلاحاً... أريد أن أفجر نفسي بهم".

 

 

لين هاشم - زاهر العريضي - نادي قماش

 

جنوب لبنان