العدد الخامس والعشرون - آب

عمانوئيل كانط وفلسفته النقدية

وفيق غريزي
السبت 18 آب (أغسطس) 2007.
 

كانط هو واحد من اولئك المفكرين الذين ترتدّ اليهم الانسانية - بين الحين والآخر، واثقة من أنها لا بدّ واجدة عندهم شهادة فكرية حية تجعل منهم دائماً أبداً مفكرين أحياء في كل عصر من العصور. وعلى الرغم من أن الفلسفة الكانطية قد استهدفت للكثير من الحملات، إلا أن خصوبة هذه الفلسفة قد عملت على تجمع المفكرين المتأخرين حول”كانط”وكأنما هو مركز إشعاع فكري تتلاقى عنده عقول الفلاسفة المختلفين، ويتحقق عن طريقه ضرب من الوصال بين الأذهان في الماضي والحاضر معاً.

-حياته-

ولد عمانوئيل كانط في 22 نيسان 1724 في مدينة كونغبرغ، الواقعة على الحدود الشمالية الشرقية لألمانيا، من أبوين فقيرين، إذ كان أبوه يعمل سرّاجاً، بينما كانت أمه من أسرة متواضعة. ينتمي الوالدان الى شيعة بروتستانتية تدعى الشيعت التقوية وتستمسك بالعقيدة اللوثرية الأساسية القائلة أن الإيمان يبرّر المؤمن، وترى أن الدين محاه الإرادة لا العقل، وتعلّي من شأن القلب والحياة الباطنية.

في الثامنة من عمره دخل إحدى المدارس التابعة للشيعة التقويّة، وأتم برامجها في السادسة عشرة. وكان أظهر ما أفاده فيها شيئين: إعجاباً باللغة اللاتينية، وبالرواقية الرومانية وما تتحلى به من نبل وشجاعة. وبعد المدرسة اتجه الى كلية الفلسفة بجامعة مدينته يقصد الى دراسة اللاهوت ليصير قسيساً ولكنه عدل عن هذا القصد فيما بعد.تتلمذ بالكلية للرياضيات والفلسفة من أتباع التقوية ومن أتباع فولف.

عام 1746 تقدم برسالة جامعية حاول فيها التوفيق بين ديكارت وليبنتز في مسألة قياس قوّة الجسم المتحرك. توفي والده، فرأى أن يكسب رزقه بالتعليم في أسرة غنية، وزاول هذا العمل في ثلاث أسر على التوالي عند أهل منطقته، قضى في ذلك تسع سنين لم ينقطع خلالها عن التحصيل والتفكير.بعد ذلك حصل على درجتين جامعيتين. حتى ذلك الوقت كان تحت تأثير فولف ونيوتن ميتافيزيقياً وعالماً طبيعياً.

ثم جاءت المرحلة الثانية من 1760 إلى 1770 شرع كانط فيها ينقد الفلسفة العقلية في النظريات والخلقيات قبل أن يستبين مذهبه. وأبرز الكتب التي كتبها كانط هي”نقد العقل الخالص” و”نقد العقل العمل”و”ميتافيزيقيا الأخلاق". ولقد توفي هذا الفيلسوف العام 1804، عازباً.

 

-المعرفة عند كانط-

 

المعرفة تتألف من عنصرين: مادة وصورة، بحيث لا توجد المادة في الفكر بدون صورة، وبحيث لا يكون للصورة في نفسها أي معنى لأن وظيفتها الإتحاد بالمادة. المادة موضوع الحدس الحسي، وليس لنا من الحدس سواه ؛ والصورة رابطة في الفكر تسمح بتركيب حكم كلي ضروري لإنها هي أولية. هناك إذاً مادة للفكر ووجود خارجي، وكانط لا يتابع التصورية المطلقة في إنكار هذا الوجود أو التشككفيه، وإن يكن مذهبه يمنع من القول به. هنا نجد كانط يذهب الى ما ذهب اليه أرسطو، بأن الكون هو الهيولى والصورة. ويحصر المعرفة في ما يأخذه من الخارج وما يضيف اليه الفكر، بمعنى آخر ان المعرفة هي تركيب ما تراه وتحسبه الحواس مع ما يتخيله الفكر.

رأينا أن هناك مصدرين للمعرفة البشرية في رأي كانط ألا وهما الحساسية والفهم ؛ والمصدر الأول هو الذي يمدنا بالموضوعات، في حين أن المصدر الثاني هو الذي يسمح لنا بتعقل تلك الموضوعات. ولكن كانط حتى حين يتحدث عن الحساسية، فإنه يفرّق بين صورة الحدوث الحسّية ومادّتها، على إعتبار أن المادة هي موضوع الإدراك الحسي، أو هي ما يقابل”الإحساس”في صميم الظاهرة، في حين أن”الصورة”هي ألمبدأ الباطن في الذات العارفة، والذي يسمح لها بتنظيم مضمون الظاهرة، وفقاً لبعض المعلومات الخاصة، ومعنى هذا أن المادة تمثل كل ما يصدر عن الموضوع، وما هو بطبيعته متغير حادث، في حين أن الصورة تمثل كل ما يصدر عن الذات، وما هو بطبيعته كلي ضروري... فالمعطيات الحسّية هي إمدادات حقيقية ترد الينا من العالم الواقعي، وليست مجرد أوهام ذاتية من نسج العقل، كما وقع في ظن أصحاب المثالية الذاتية. ولكن ليست مهمة نقد المعرفة سوى العمل على تبين ما يرد إلينا من الخارج، وما نضفيه نحن على المعطيات الحسية، عن طريق ما لدينا من صور أولية سابقة على التجربة. وبالنسبة الى المكان والزمان باعتبار هما صورتي الحساسية، فإن كانط يرى أن المكان والزمان هما صورتان أوليتان تخلعهما الحساسية على شتى المعطيات الحية التي ترد إليها من الخارج، دون أن يكون لهما أدنى وجود واقعي في العالم الخارجي، باعتبارهما موضوعين قائمين بذاتهما.

إن الزمان ليس شيئاً موضوعياً واقعياً، كما أنه ليس جوهراً أو عرضاً أو رابطة، بل هو الشرط الذاتي الذي يجعل في وسع العقل البشري أن يحقق ضرباً من التآزر بين جميع الموضوعات الحسية، وفقاً لقانون محدد ؟ فالزمان إذاً حدث صرف. وهكذا الحال أيضاً بالنسبة الى المكان، إنما هو صورة تخطيطية ذاتية تصورية، تنبع وفقاً لقانون ثابت، من طبيعة الذهن، وتجعل في الإمكان تحقيق الترابط أو التآزر بين جميع الموضوعات الحسية الخارجية. ولكن كانط لا يقتصر على القول مع ليبنتز، بأن المكان والزمان مفهومان مجردان للإمتداد والديمومة الحسيين، بل هو يذهب الى أن المكان والزمان هما حدسان أوليان أو صورتان خالصتان للحساسية، تنطبقان على مادة الخبرة، فتولدان تمثل الإمتداد والديمومة الحسّيين.

 

-من المعرفة الى الوجود-

 

 

يذهب مؤرخو الفلسفة الى أنه إذا كانت مشكلة الوجود هي الموضوع الرئيسي الذي أثار اهتمام الفلاسفة القدماء، فإن مشكلة المعرفة هي المحور الأساسي الذي دار حوله تفكير الفلاسفة المحدثين. وعلى حين كان الأقدمون ينتقلون من الوجود الى المعرفة، أصبح المحدثون ينتقلون من المعرفة الى الوجود. ولكن، هل يمكن أن يكون ثمة انتقال من المعرفة الى الوجود عند كانط، بعد أن أعلن بصراحة إستحالة تجاوز العقل لعالم الظواهر ؟ ليست الميتافيزيقيا في عرف أصحابها، إنما هي إدراك موضوعات خارجة عن نطاق التجربة ؟ فكيف يمكن أن نسلم بإمكان قيام علم يكون موضوعه هو”الوجود من حيث هو موجود”، في حين أن كل هدف النقد الكانطي قد إنحصر في بيان إستحالة الإنتقال من عالم”الظواهر”الى عالم”الأشياء في ذاتها”.

إن كانط صاحب الفلسفة النقدية قد سلم منذ البداية بأنه ليس لدينا أي”حدس عقلي”نستطيع عن طريقه أن نرقى الى مستوى تأمل”الموضوعات المطلقة”أو الحقيقة اللا مشروطة، أو الجوهر بالذات، ومن هنا فإنه لا موضع للشك في أن كانط قد”أراد أن يهدم الميتافيزيقيا افيقانية التي ظهرت منذ عهد أفلاطون وأرسطو حتى عهد ليبنتز وفولف، فأثارت بين أصحاب المدارس المختلفة خلافات عقيمة ومناقشات غير مجدية... نجد أن عجز الميتافيزيقيا عن انتزاع إجماع المفكرين شاهد على قصور العقل البشري عن معرفة ”الشيء في ذاته” أو ”المطلق” أو ”اللامتناهي”.

ولقد قرر كانط أن لديه، عن طريق التجربة الخارجية ، شعوراً بوجود الأجسام في المكان، كما أن لديه، عن طريق التجربة الباطنية ، شعوراً بوجود نفسه في الزمان، دون أن يكون في وسعه أن يعرفهذه النفس، اللهم الا باعتبارها موضوعاً لإحساس باطني يستند الى بعض الظواهر التي تكون حالة داخلية، بينما تظل ماهية النفس في ذاتها، باعتبارها عامة لكل هذه الظواهر، شيئاً مجهولاً لديه تماماً.

 

-الأخلاق عند كانط-

 

تقوم الأخلاق عند كانط على أساس فكرة الواجب، وعلى فكرة الأمر المطلق. والأمر نوعان: مشروط، ومطلق. أما المشروط فيقوم على أساس المبدأ القائل:”من يتبع الغاية يبتغي الوسيلة”. وهو مبدأ تحليلي إذ يمكن إستنباط الوسيلة من الغاية بطريقة قبلية. وحسب رأي الدكتور عبد الرحمن بدوي، فمن يبتغي المعرفة عليه بالتعلم، ومن يبتغي الثروة عليه بالتجارة والإستثمار. ومن يبتغي السلطة فعليه بالخوض في السياسة. فالتعلم وسيلة الى غاية هي المعرفة، والتجارة والإستثمار وسيلتان الى غاية هي الثروة، والخوض في السياسة وسيلة الى غاية هي السلطة.

أما المطلق فيقوم على الرابط المباشر بين الارادة وبين القانون دون شرط ولا مقدمات ولا نتائج. ونحن هنا أمام مبدأ تركيبي قبلي، إذ من المستحيل استنباطه من أي مبدأ متميز.”الأمر المطلق يقرر أن الفعل يكون خيراً من الناحية الأخلاقية لإنه يجب إيواءه، ولا يقرر أن الفعل يجب ايواءه لإنه خير من الناحية الأخلاقية. ومعنى هذا أن الواجب، مفروضاً على الإرادة الإنسانية، هو قانون العقل المحض، لأنه قبلي وكلي”. وعلينا أن نسلم بفكرة الواجب تسليماً مطلقاً دون أن نحاول استنباطه من مبدأ سابق له. ومن فكرة الواجب هذه يستنبط كانط ما يسميه مصادرات العقل العملي، إنها مصادرات أو فروض لإنها لا تقبل البرهنة العقلية كما قرر ذلك”نقد العقل الخالص”وإنما هي موضوعات للإعتقاد فحسب، أي للإيمان غير العقلي. وهذه المصادرات ثلاث: الحرية وتنبع من ضرورة إطاعة الواجب. ثم خلود النفس ومصدره أن الإخلاص التام للواجب لا يمكن تحقيقه في هذه الدنيا، ولهذا نميل الى الإعتقاد في إمكان تزايد الكمال الى غير نهاية، وهو أمر لا يتصور إلا بافتراض أن النفس خالدة. فخلود النفس أمر يقتضيه العقل العملي، وإن لم يستطع العقل النظري إثباته. والمصدر الثالث وجود الله: والإعتقاد بوجود الله يصدر عن إيقاننا بأن السعادة يجب أن تصحب الفضيلة، وبأن السعادة مصاحبة للأخلاقية.

الأخلاق إذاً صورية محض عند كانط، أي أنها تتوقف على صورة الأفعال، لا على مضمونها، أي على كون هذه الأفعال قد تمت وفقاً للواجب والقانون. ويميز كانط بين حال النفس وبين النية فإن حال النفس تقع في منزلة أعمق من النية، حيث أن النية لا تكون بادىء الأمر إلا تحت تأثير التجربة العابرة التي للشخص عن الحياة، وعلى الأخلاق ان تقبل التطبيق على كل موجود عاقل بوجه عام. وعلينا ان نضع الخير لا من اجل غاية او غرض، بل لذاته، الأن الخير الأخلاقي خير فس ذاته.

 

وفيق غريزي