العدد الخامس والعشرون - آب

حرب على العقل-اللغة

نعيم تلحوق
السبت 18 آب (أغسطس) 2007.
 

منذ اكثر من عشرة آلاف سنة وقف "نمرود" يتحدى الله "إيل" من أعلى برج بابل بعد قيامه ببناء البرج بجيش كبير موحّد من البابليين. جميعهم هتفوا لعظمة قائدهم، لا على ما صنعت أيديهم بوحدتهم، بعدما استعصى عليهم إقناع "نمرود" بأنه رجل مثلهم، وأن ليس عنده روح إلهية كما أسرّ له أحد رجالاته، فتفتقت بصيرته على استثارة مكامن النزوع الغرائزي لديه، فقام من أعلى البرج يتحدّى الإله "إيل"، فرشقه بسهم من قوسه قائلا له: "تعال وافعل ما فعلت"!! سمع "إيل" الرسالة فاستجمع الغيوم وجعلها ضباباً كثيفاً في هنيهات، ودعا السماء لإقامة عاصفة زلزلت مكامن النزوع عند "نمرود"، فهوى من أعلى البرج، وتفرق جيشه إلى قبائل متنافرة لا تفهم كل مجموعة على أخرى، ممّا حدا بهذا الزلزال العاصف أن يقيم الدعوى على الجهات، فتفرقت الشعوب إلى قبائل متنابذة، وتباعدت مع العاصفة صورة الاجتماع اللساني بين الشعب الواحد...

هذه الأسطورة، تجدد واقعها بعد أكثر من عشرة آلاف سنة، وعلى أرض بابل بالتحديد... كأن وعد الله لـ "لنمرود" الجديد بوش، سيكون هذه المرة القشّة التي ستقصم ظهر البعير، في حين أن معظم الشعوب لم تجد حتى الآن تفسيراً واضحاً لدخول "النمرود" عراق بابل...

في فلسطين، وعد البريطانيون اليهود بإقامة دولة لهم سُميّت -بعد أن نحلوا توراتهم إلى تلمود- "ارض الميعاد"، واستفاق الدم الفلسطيني على كارثة أواخر القرن العشرين التي لم نزل نعد فصولها حتى هذه اللحظة.

أقبل القرن الواحد والعشرين، لم يجد المجتمع النمرودي سبباً، لإقامة هاجس العبور، ما خلا بعض "الإستفاقات الواهية" و "الأساطير الوقائية" التي أدلجها معاونو بوش الصغير قبل خمسة أعوام، لتصير بعد "البترول" و "اليورانيوم" وذريعة "أمن إسرائيل" المشكلة التي لم تجد طريقاً إلى عقول الشعوب مجتمعة، بطرحها فلسفة حماية القوي من الضعيف!!

وأمام كل هذه الاجتهادات التي لم ترس على بر هادئ، يقتنع فيه الضعفاء بجدوى وأهمية التواصل مع الريح. فكان لا بدّ لهم أخيراً من إيجاد فلسفة واحدة في الرؤية والرؤيا معاً.

هذه الفلسفة، تؤكد على أن السر الذي يجتاحهم ما هو سوى حكمة مركزية تأتي من علٍ، لكن هذه المرة من "نمرود" الذي أخذ دور "ايل" ويريد أن يخربط اللغة من جديد...

بالتأكيد، إن الحرب على عراق بابل تستهدف مجمل ما يمكن أن يفكر الإنسان من "سيكسة" للمنطقة بأسرها، أو الدفاع عن حق نمرود في الحياة الأبدية عبر الطاقة والذرّة. لكن من يعتقد معي أن هذه الحرب هي في أهم أفكارها الأميركية (طالما المشكلة مشكلة أفكا ) حرب على العقل واللغة الواحدة...

لا نعني هنا باللغة اللسان العربي، والقواعد، والأصول، واللياقات، والبروتوكول... وإنما طبيعة الحياة -اللغة- لأن مشكلة الانصياع إلى الرغبة، هي الشعور بها وممارستها. ولا يكون ذلك إلا في جوهر البنية، إيقاعها، نبضها، مفهومها، إشكالها، صنوفها، تحديد مداها وأطرها، ولأن اللغة عند العرب، هي تشكيل ذاتي للعقلنة، وعقلنة ضديّة للامألوف، في محاولة لإعادة صياغة الكم من النوع. قامت صورة الفكرة لدى "نمرود" الجديد عبر إعادة صياغة هذه اللغة بتجميع صلة المفهوم اللغوي، بمفهوم لغوي قابل لديه، دون ان يكون هناك ايّ تشكيل ضدي للمعنى والمبنى في آن واحد. ربما لغة العولمة الخاطفة تستعصي على أم اللغات والحضارات... فهدف تخريب العقل العربي لا يقف على عتبة تفريقه فحسب... بل تأطيره مع ما تجمع حواليه وترويضهم في مفهوم واحد...

إنها حرب على اللسان اللغوي بما يحمل من معان إضافية، وترادفات يصعب إيجاد وعاء يحتملها، لأنها ترادفات ضديّة لا تحمل معنى واحد... إنها شجرة مطعّمة بأغصان لغوية غير قابضة على مفهوم نمرود الجديد. ولا يعيها بمطلق الأحوال لأنها مزيج من تآلف ضدي بين اليونانية والفارسية، اللاتنية والمغولية، الهندية والتركية والعربية، لهذا هي لغة عاصية، وهي محور لوعاء لا يحتمل صياغته "نمرود"، لأنه تماثل نوعي لا كمّي فحسب...

إنها حرب على المفاهيم، من حيث هي قيم معرفية تتجانس وتتطابق وفق أهواء حركتها، وهي غير ثابتة في المبنى، لكنها في المعنى، تأكيد على حقيقة الذاكرة التي هي روحه وضميره. فبإلغاء الذاكرة يلغى الرسم البياني لحقيقة الصورة المعرفية التي تبحث في لبّ النوع وأصول الفرع...

إنها حرب على الحياة، من حيث قياسها بالفهم، لا بالمطلق، ومن حيث قراءة الإطار لها... ففي حين تصطلي الشعوب على موقدة الديمقراطية والحرية والحقوق، يزدهي فهم ضدّي للمعرفة المتصلة بهذه العناوين كلٍّ حسب حاجته ولغته، وطالما أن الاختلاف على صورة الموت والولادة أصبح من المقدسات، المحرمات...

انها حرب على الانسان كقضية ذات أبعاد فلسفية تقيم نظرة الفهم نحو الحركة كقيمة ذاتية، تعتصر ذاتها لفهم حقيقتها مع الآخرين...

إنها حرب على لغة الجغرافية، من حيث إعادة تكوين الإنتلجنسيا، والتاريخ، وزرع المعرفة المصلحية أمام الطريق المتنامية.

إنها حرب المياه، قبل النفط، فالمياه أهم طاقة تتحصن بها شريكة "نمرود" إسرائيل كي تنحو منحى صراعها الاقتصادي والبيئي والمعيشي إلى المراحل الدنيا.

إنها حرب على مشاعرنا وأحاسيسنا لا تقبل الهدوء والسلام والإنسانية، وانما تتعظ بالعواصف والأنواء والدم المستباح خدمة لأوكسجين الرياح السامة وزيوت النفط المقدس...

إنها حرب على العقل الحضاري لمن لا يمتلك في تاريخ خمسة قرون حضارة سوى حضارة الإبادة والتوسع وإرادة القتل المصمِّم والمصمَّم على إلغاء إرادة أخرى...

إنها لغة "نمرود" الوحيدة في تحدّيه لإيل الحضارة واللغة والحياة...