العدد الخامس والعشرون - آب

مأزق اليسار السوري؟

نظام مارديني
السبت 18 آب (أغسطس) 2007.
 

 

الكتاب: اليسار السوري في واقعه الراهن

الكاتب: سلامة كيلة

الناشر: دار عشتروت (2007)

 

يناقش كتاب "اليسار السوري في واقعه الراهن" للباحث سلامة كيلة، الازمة العميقة التي يعيشها مثقفي اليسار، في ظل تواهنهم بين التفكك والتهميش، لا سيما بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وانهيار النظم الاشتراكية، وهو ما دفع هذا اليسار للبحث عن منظومة قيم جديدة "يختبئ" وراءها... ولم يسعى لأن يكون ذاتاً مستقلة لها رؤيتها ودورها وموقفها من الواقع، ومن كل التيارات، لتقود هي حركة الآخرين.هذا الكتاب، هو، أشبه بحوار بين الباحث كيلة، و"تيارات" اليسار المتعددة في الساحة السورية، مستخدماً لغة نقدية صارمة تناول فيها المستوى النظري للماركسية، وكذلك المستوى السياسي المباشر، انطلاقاً من قراءات لعدد من الباحثين والكتّاب وهم: محمد سيد رصاص، ونذير جزماتي، وياسين حاج صالح، والدكتور برهان غليون، وعبد الرزاق عيد، ولا يستثني تاريخ وماضي الحزب الشيوعي السوري-"اللبناني"، وهؤلاء الذين نقلوا السلاح من كتف (موسكو) الى كتف (واشنطن).

إذن، هو يناقش توجهات وافكار سيد رصاص الذي يعتبر نفسه استمراراً لـ "ماركس" و"المعبر الذكي عن افكاره" ملخصاً (سيد رصاص) تصور ماركس بالإشارة الى نص ورد في "البيان الشيوعي" (عام 1847) الذي يحدد سياسة الحزب الشيوعي في المانيا، ويردفها بنص آخر كتبه ماركس في ستينات القرن التاسع عشر ضد لاسال، الذي يؤكد فيه على ضرورة التحالف مع البرجوازية لرسم أفق ديمقراطي برجوازي ذي ملامح ليبرالية لألمانيا، ليستنتج بأن الماركسي هو من يسير على هذا الخط، وهو بذلك يخرج لينين من "الماركسية القويمة".

وسيد رصاص ينطلق في هذه الرؤيا من الاسس ذاتها التي إنبنت عليها "الماركسية السوفياتية"، ولهذا يصل الى النهايات ذاتها. ويمكن هنا إحالته الى برنامج الحزب الشيوعي السوري في مؤتمره الثاني عام 1944، والى مقابلة لخالد بكداش التي يشرح فيها سياسة الحزب على ضوء نتائج ذاك المؤتمر. فقد أكد على النظام الديمقراطي البرلماني القائم على أساس الملكية الخاصة وفي اطار الصراع مع "الخارج الرأسمالي"، ليتوضح التوافق بين السياسة القويمة للحركة الشيوعية (الستالينية) والسياسة الجديدة التي يطرحها سيد رصاص، وهو هنا يعتبر الابن الشرعي للستالينية وليس النقيض كما يحاول ان يوحي.

اما جزماتي، الذي أطلق "بياناً غير شيوعي"، فيبتدئ من الحسم بأن الاشتراكية لن تبنى في اي بلد من بلدان العالم الثالث قبل أن تبنى في الولايات المتحدة او في مجموعة الدول الصناعية السبعة، مدعماً افكاره بالاشارة الى ماركس، انجلز، ولينين. كما يشير الى قول الى ماركس/ انجلز الى "أن لا سبيل الى الاشتراكية قبل أن يعمّ النظام الرأسمالي كل ارجاء العالم"، كما أشار الى ذلك لينين في كتابه "خطتا الاشتراكية الديمقراطية في الثورة الديمقراطية".

وما يشرحه هنا الباحث كيلة ان جزماتي، وبما يقدمه، ما زال في "الماركسية السوفياتية" التي كرست هذا التصور للتطور البشري في اتجاه معاكس لمنطق ثورة اكتوبر، حيث أكدت على حتمية المرور بالمرحلة الرأسمالية، وكانت تتجاهل تحليل لينين للوضع العالمي آنذاك.

وكما يبدو، فإن جزماتي فعل ذلك ايضاً، بإشارته الى ماركس/ انجلز، وخصوصاً الى لينين في كتابه "خطتا الاشتراكية". حيث ان ماركس-إنجلز لم يقولا ان الاشتراكية لن تتحقق قبل ان يعمّ النظام الرأسمالي "كل ارجاء العالم"، بل على العكس قالا أنها سوف تتحقق أولاً في البلدان الرأسمالية (بيان الحزب الشيوعي، ص 65)، وان انتصار الاشتراكية في هذه البلدان سوف يسمح لها بمساعدة الامم المتخلفة على التطور والانتقال الى الاشتراكية. لهذا، فإن التعميم الذي اطلقه جزماتي يُحرِّف تصور ماركس/ انجلز، بحسب الباحث كيلة.

ويفنِّد الباحث كيلة وجهة نظر ياسين حاج صالح في رؤيته لمفهوم العلمانية التي يربطها بالظرف السوري، ويخضعها للتكتيك الديمقراطي الهادف الى انهاء سلطة الحزب الواحد. لذلك، إن الدعوة الى العلمانية التي تقود الى فصل الدين عن الدولة ستقود الى خلق انقسام داخل الحركة الديمقراطية ذاتها، والتي ستخدم "تأبيد نظام الحزب الواحد" من وجهة نظر صالح.

ان عملية ربط العلمانية بالظرف السوري قاد صالح الى مبدأ "إما (أن) تكون مع تصورنا حول مسألة الديمقراطية، أو توضع في خانة النظام"، وهو موقف يوضح الى اي مدى تحولت الديمقراطية الى ايديولوجيا بالمعنى الذي يستخدمه صالح. فهو يدخل في جنة "الحركة الديمقراطية"، حتى وإن كان شطب العلمانية، واليسار، ضرورة لا بد منها. ولأن الهدف الوحيد الآن هو انهاء نظام الحزب الواحد، فقد قاد هذا الامر الى القبول بالقوى الرافضة للعلمانية ولمبدأ المواطنية، وايجاد الارضية لتعميق التفكك الطائفي كما تؤكد ذلك توجهات حركة الاخوان المسلمين في سورية، والتي تقوم على رؤية للبشر تسبق عصر الحداثة والتشكيل المدني، والميل لفرض الشريعة كدستور.

إن العلمانية البسيطة التي تقوم على مبدأ الفصل بين الدين والدولة، كما أن الديمقراطية ذاتها التي تبدأ من مبدأ المواطنة، تفرضان ضرورة النظر الى الحركات الاسلامية بكثير من الدقة، لأن هذه الحركات تقوم بالاساس على مبدأ الاقصاء.

في ضوء هذه القراءات، هل يمكن تأسيس "يسار ديمقراطي"؟ او تأسيس يسار مشبع بروح "الاشتراكية الديمقراطية" القائمة في العالم العربي؟ وهل سيكون البحث في ممكنات نشوء اتجاه اشتراكي ديمقراطي محكوماً بظروف جديدة، لم تكن موجودة في اوروبا حينما شُكّلت الحركة الاشتراكية الديمقراطية؟

إن نشوء تيار اشتراكي ديمقراطي هو نتاج ظروف محددة، يجب تلمسها في الواقع، هذا بالاضافة الى أن الدور الذي يمكن أن يلعبه حزب اشتراكي ديمقراطي مرتبط بالواقع المحدد. لهذا، يجب البحث في ممكنات نشوء تيار اشتراكي ديمقراطي ضمن الواقع الراهن، وليس في "الحلم" او في "الادارة الذاتية"، او كنتيجة لردة فعل على تجارب بدت انها فاشلة