العدد الخامس والعشرون - آب

عندما يصبح الفنّ سلاحاً والوطن حكاية مع الخشب والنحاس

أنجلو البعيني
السبت 18 آب (أغسطس) 2007.
 

محمد صوّان: "ذنبي أنّي فلسطيني وديني فنّ ومطرقة"

للبعض فلسطين أرض الويلات والمصائب، وللبعض الآخر بقعة ضوء من رحمها يولد كلّ ما هو جميل وإنسانيّ، يولد المعنى فيندثر العدم في وجه حقٍ لا حقّ يعلو عليه. من هذه الأرض الطيّبة، أرض الزيتون، من ضيعة "بيريا" قضاء "صفد"، خرج "أمين صوّان" جدّ محمد، إثر نكبة 48، إلى الحمّارة (ضيعة لبنانيّة في البقاع) التي كانت تربطه بها أواصر عائليّة من ناحية أمّه.

يفتخر محمد صوّان عند ذكر اسم جدّه أمين، فهو المقاول الكبير الذي ساهم في بناء وزارة الدفاع وسدّ الليطاني ومحطة كهرباء الجمهور... "الفلسطيني هوّي لي بعمّر مش لي بدمّر".

ولد محمد في لبنان عام 1978 وترعرع في كنف عائلة طبعت بالأجواء الفنيّة. فكان لوالد محمد، الفنان التشكيلي نجيب صوّان، علاقات مع فنّانين كبار كـ "محمد هجرس" الفنّان الإشتراكي المصري، وآخرين... وفي خضم هذه الروح العائليّة الفنيّة وبتشجيع الوالدين، آثر محمد على ممارسة الفنون التشكيليّة منذ أن بلغ الثانية عشر من عمره، فكان إنتاجه الأوّل منحوتة تجريديّة.

لم يتلقّ محمد مبادئ الفنون التشكيليّة في الصروح الأكاديميّة، بل اقتاته خبزاً يوميّاً في منزله الذي حوّله متحفاً وصومعة لأعماله؛ ويعترض قائلاً: "الفنّ لا يعلّم في الجامعات! إن النظريّات الفنيّة ولو كانت قاعدة انطلاق لطالب الفنون فهي تحدّ من موهبته وابداعه وتشجّع على التقليد". لذلك، استهوى المدرسة السرياليّة، بعد قراءات فرديّة، لما فيها من "عمق فلسفيّ عملانيّ تبعد الإنتاج الفنيّ عن المألوف المبتذل وتفتح آفاق الخلق على النحاس والخشب"، المواد الأولى التي يعمل عليها.

مع الإنتفاضة الفلسطينيّة عام 2000، لم يشأ محمد إلا وأن يطبع سرّياليته بألم الواقع الفلسطيني الذي يتخطى كلّ معاني الواقعيّة، فأقام معرضه الأوّل تكريماً لـ "ناجي العلي" الذي قدّم فيه أعمالاً كاريكاتورية لهذا الفنان المناضل الفلسطيني الكبير مطبوعة على صفائح نحاسيّة.

ويؤكّد محمد أن "المهم هو قلب الصورة! فالمتعارف عليه أن الفلسطيني هو باعث للفوضى، وقليلون هم الذين يتعاطفون مع القضيّة الفلسطينيّة لما للإعلام دورٌ في تقديم صورة الفلسطيني المشاغب وترسيخها في عقول العالم"، ويضيف "الفن هو السبيل الوحيد الذي من خلاله ندخل قلوب الناس التي سوّدتها الصهيونيّة بأكاذيبها؛ وعندما يصبح الفنّ سلاحاً والوطن حكاية مع الخشب والنحاس ربما، وأقول ربما، تتفتح آفاق أخرى لغدٍ ممكن".

"ذنبي أنّي فلسطيني وديني فنّ ومطرقة"، هكذا يشكو إلينا الفنان الشاب عندما نطلب منه إخبارنا عن المشاكل التي تواجهه أثناء إقامته أو مشاركته في بعض المعارض. ولا يخلو الحديث من بعض القصص الطريفة حول نفور بعض زائري المعارض منه والتراجع عن قرار شراء أعماله مستهزئين: "فلسطيني ومسلم كمان!" 

على الرغم من كلّ ذلك وكل التهديدات بـ "قطع أصابعه" من قبل جهّات سياسيّة (لم يشأ ذكر اسمها)، كان لمحمد صوّان أن شارك في أربعة معارض في الأونسكو من العام 2003 حتى 2005، و"مهرجان دمشق الثقافي" في قصر النعسان-سوريا عام 2002، كما شارك في "مهرجان عجائب صيف قطر" ممثلاً الحرفيّين الفلسطينيّين عام 2003، ومعرض من تنظيم وزارة السياحة اللبنانيّة في الصالة الزجاجيّة في الحمرا-لبنان عام 2004.

ورضوخاً لمتطلّبات الحياة، لا يرى محمد صوّان سوءاً بعرض بعض أعماله بطريقة تسويقيّة فـ "على الفنان أن يؤمّن قوته خصوصاً إذا امتهن حرفة فنيّة ما، لأن العمل التجاري يساعده على توفير مواده الأوليّة وبالتالي يفسح مجالاً أكبر للإبداع". ولكن يعود ليؤكّد أن الأهداف التسويقيّة لا أثر لها على موهبته الفنيّة لأن قدرة منافسته في السوق التجاريّة تكمن أساساً في "القيمة المضافة" التي يقدمها في عمله الحرفي.

محمد صوّان، أو "المناضل الصامت" كما يحب أن يطلق على نفسه، وجه آخر لما نراه اليوم في مخيّم نهر البارد، لا بل قلّ الوجه الحقيقي للأرض الفلسطينيّة الطيّبة التي لا تعطي العالم إلا أجود ما عندها، كل يوم، من الفنّانين والمفكرين والعلماء العظام... "قلب الصورة. هذه هي القضيّة!" سلاحه إزميل ومطرقة، ووطنه حكاية مع الخشب والنحاس.

 

أنجلو البعيني