العدد الخامس والعشرون - آب

جمانة حداد: أنا كائن فردي ولا أسعى لتغيير العالم عبر كتاباتي

أسماء وهبة
السبت 18 آب (أغسطس) 2007.
 

 

هل يستمتع الشاعر بخيوط العنكبوت التي تنسجها أبياته الشعرية فتحيطه بهالة من الغموض؟ لمن يكتب الشاعر؟ لنفسه أو للمجتمع؟

أسئلة جدلية ليست بالجديدة تطرح على الشعراء، فالإلتباس المحيط بهم مستمر... وكيف إذا كان الشاعر هنا أنثى؟! وليست أي أنثى! أنها امراة جميلة قلباً وقالباً... تحدت كل من حاول حصرها في صفة "الجمال". أرادت أن يكون كيانها الإنساني والفكري أساساً... إنها امرأة متحررة، قارئة نهمة... أثبتت أنها قادرة على قيادة الصفحة الثقافية في جريدة "النهار"... حاورت عدداً من أهم الكتاب والشعراء في العالم في كتابها "صحبة لصوص النهار"، أما جديدها فهو كتاب "سيجيء الموت وستكون له عيناك" الذي يتناول سيرة 150 شاعراً انتحروا في القرن العشرين...

ماذا تقول الشاعرة جمانة حداد عن هذا الكتاب وعن مسيرتها الأدبية؟

بعد سنوات من الكتابة، هل تزعجك صفة "المرأة الجميلة"؟

إذا قالوا امرأة جميلة فقط، فهذا يزعجني لأنهم بذلك يختصرونني بجمال الشكل. أما إذا قالوا امرأة جميلة وعددوا أعمالي التي أقوم بها في حياتي، فهذا لا يزعجني.

هل من منافسة بين جمالك وإبداعك الأدبي؟

ليس هناك من منافسة. للأسف، هناك اعتقاد راسخ لدينا أن المرأة المثقفة ليست جميلة، أما المرأة الجميلة فسطحية ولا تهتم إلا بشكلها.

من يقرأ كتب جمانة حداد يشعر بنزعتك التحررية. كيف ترعرت بداخلك؟

لقد نشأت في بيت تقليدي جداً، لكن والدي كان يركز دائماً على الثقافة والتعليم. منذ الصغر كنت قارئة نهمة، ووجدت حريتي في الأدب، فجاءت قصيدتي الأولى بعنوان "حريتي". في إحدى المرات، سُئلت عن "الخطوط الحمراء" التي لا أعترف بها في الكتابة، فقلت: "إذا اعترفت بالخطوط الحمراء، فلا داعي لأن أكتب." أنا لست من الكتّاب الذين يراعون ثالوث الرقابة الرجيم المؤلف من السياسة والجنس والدين، لأن الحرية هي حاجة حيوية في حياتي وأدبي وأفكاري.

كتاب "صحبة لصوص النار" هو مجموعة حوارات مع عدد من الأدباء العالميين. أي الحوارات كانت الأقرب لك؟

أعتبر هذا الكتاب سيرة ذاتية أدبية. لذلك، لا أنتقي حواراً معيناً ليكون الأقرب لي. هنا أتذكر تواصلي مع هؤلاء الأدباء الذين فتنت بهم، وأتذكر كم كانت دهشتي عندما أرسلت لهم رسائل أطلب فيها إجراء مقابلات معهم، فتجاوبوا معي بتواضع رغم عظمتهم الأدبية. من خلال هذه التجربة، اكتسبت أصدقاء جدداً أصبحوا جزءاً من حياتي ونسيجي الإجتماعي.

لماذا حمل الكتاب عنوان "صحبة لصوص النار"؟

لم أخترع هذا التعبير. لقد وصفت الميثولوجيا اليوناني الحكيم بسارق النار، ثم أتى الشاعر رامبو ووصف الشعراء بلصوص النار، فاخترت هذه الصفة واطلاقتها على الأدباء الذين حاورتهم في كتابي لأنهم يسرقون نار حياتنا ويحافظون عليها. على كل حال، يفكر الكاتب كثيراً قبل اختيار عنوان كتابه، فهو يشبه النظرة الأولى التي قد تولع شرارة الحب بين القارىء والكتاب!

يلاحظ أن شعرك يتمحور حول حياتك وذاتك دون أن يكون هناك التفات للواقع اللبناني المعاش اليوم. لماذا؟

أحترم كل الشعراء الذين يكون شعرهم مرآة لمعاناتهم السياسية، ولكني لست كذلك. الشعر بالنسبة لي ينبع من معايشتي للمشكلة ولا يناقش المشكلة بحد ذاتها سواء كانت سياسية أو اجتماعية. لا أحب تحميل الشعر أي ايديولوجيا أو رسالة أو قضية.

ماذا يكون هدف الشعر اذن؟

أنا لا أهدف من خلال الشعر إلى تغيير سياسة البلد أو المجتمع. أنا كائن فردي، لا أحب تغيير العالم من خلال ما أكتبه. هذا لا يعني أن هناك اغتراب بين معايشاتي اليومية وكتابتي، فأنا أعيش الأحداث والتجارب لكنني لا اتناولها في موضوعاتي. أكتب ماذا فعلوا بي داخلياً!

لمن تكتبين؟

أكتب لنفسي.

انتقد البعض كتابك الأخير "سيجيء الموت وستكون له عيناك" لمجرد انتقاد جمانة حداد الأديبة الأنثى. كيف تشعرين إزاء ذلك؟

في البداية، كنت أنزعج من هذه الإنتقادات، لكن مع الوقت، بدأت أميّز بين النقد الحقيقي البنَّاء والنقد السلبي اللاذع. لا يحصد احد منا الإجماع على عمله. وبالمناسبة، أنا من الأشخاص الذين يكرهون الإجماع لأنه من علامات الديكتاتورية.

 

تتحدثين في الكتاب عن 150 شاعراً انتحروا في القرن العشرين. ما الذي جذبك إلى عالم الشعراء المنتحرين؟

عندما كنت في الخامسة من عمري، انتحرت جدتي. فكرت كثيراً في الموضوع ليس كخيار أو احتمال وبل كمسألة وجودية. وعندما كنت أحضر سلسلة ترجمات شعرية للملحق الثقافي في جريدة "النهار"، لم يكن لدي أية معلومات عن حياة هؤلاء الشعراء. لكن بعد البحث عن سيرتهم الذاتية، اكتشفت أن معظم الشعراء الذين أحدثوا تغييراً في حياتي انتحروا! لذا، قررت الكتابة عن 33 شاعراً انتحروا في القرن العشرين، ومع البحث أصبحوا 150 شاعراً!

من يقرأ الكتاب يشعر برابط من المحبة والشفقة تجمعك بعالم الشعراء المنتحرين. ما رأيك؟

أوافقك على المحبة، ولكن أرفض الشفقة. لقد اخترت نصوصاً تتحدث عن القدرة التنبؤية والموت، وكأن هؤلاء الشعراء كتبوا قدرهم من خلال أبياتهم الشعرية، مما يخلق عند القارىء إحساساً بالألم والتعاطف والشفقة على الشاعر. في المقابل، لا يجب أن نشفق عليهم. لقد اختاروا أن يعيشوا في عالم أجمل، أما نحن فقررنا الإنتظار.

هل تعد كتابة المعاناة الشخصية فشلاً في مواجهة الذات؟

مواجهة الذات من خلال الكتابة هي من أصعب المواضيع على الإطلاق، فلفظ الأشياء أصعب من التفكير في شياطين الداخل. البوح في حد ذاته علاج إما بالمجاهرة أو الكتابة، ومن خلاله نقرر ردع الشيطان وتعريته على الورق ومواجهته، فإما يقتلنا أو نقتله.

إلى أي حد أنت على استعداد لخلع الأقنعة الإنسانية والتجرد أمام القارىء؟

أطمح إلى التخلص من كل أقنعتي الداخلية بالكتابة. اليوم، أزعم أنني استطعت نزع بعضها، لكني أحب الإحتفاظ بالقليل منها لأنها جميلة حتى لو قمت بخداع القارىء قليلاً.

هل يتمتع الشاعر بشخصيتين، الأولى يعيشها في الواقع والاخرى على الورق؟

أنا أعيش بسبعة شخصيات. مثلاً، لقد أهديت كتابي "عودة ليليت" إلى النساء السبع الموجودات في داخلي.

الشاعر في نظر البعض كائن هش يثير أجواء ضبابية من حوله، لماذا؟

يُنظر إلى الشاعر على أنه كائن قادم من كوكب آخر، وهذا ليس تجنٍ. هو بالفعل كائن غير قابل للفهم ومحاط بإلتباسات كثيرة، لأنه ببساطة... حالة وهوية!

 

 

من كتاب "سيجيء الموت وستكون له عيناك": قصيدة "حدس" للشاعرة الأرجنتيتنية "الفونسينا ستورني":

حدسي يقول لن أعيش طويلاً

رأسي هذا يشبه البوتقة

يطهر ويحرق

لكن بلا شكوى وبلا رعب

ظاهر...

ولكي أنتهي أود لو تولد

في مساء بلا غيوم

تحت شمس صافية

أفعى بيضاء من ياسمينة

كبيرة

وبرّاقة

تلدغ قلبي