العدد الخامس والعشرون - آب

على ضفاف "الهافل"

معمر عطوي
السبت 18 آب (أغسطس) 2007.
 

تتألق برلين بثوبها الثقافي البرّاق. هنا في العاصمة الألمانية نمط آخر من الحياة، "سستام" مختلف ينطبق على كل التفاصيل، بدءاً من الالتزام التام بمواعيد تحرك وسائل النقل وصولاً الى العقلية العلمية التي أصبحت إحدى ميزات الحياة الاو روبية، مروراً بصورة البنيان "العلائقي" بين الدولة والمواطن.

الوصول الى برلين من بوابة أثينا يعفيك من المرور على حواجز التفتيش والأمن العام مرة أخرى، ذلك انه بمجرد الدخول الى إحدى الدول الاو روبية، يصبح التحرك بين الدول الأخرى الأعضاء في هذه المنظومة الحديثة العهد، عبارة عن رحلات داخلية.

هذا الشعور الجارح انتابني لحظة وضعت قدمي على الرصيف الخارجي لمطار "تيغل" في برلين. عرفت أن عليّ التعايش مع مناخ جديد، يبدأ المرء بالتعاطي معه بحذر وترقب يتلازمان مع علامات التعجب والانبهار. بعدها، يتحول الى نمط هو أحد شروط امكان الانتقال من مرحلة الفوضى الفكرية غير "المُسَستمة" الى مرحلة المنهجة التي لا تطال الجانب الفكري والثقافي فحسب، بل تنسحب على الكثير من ميادين الحياة. ان معروف عن الألمان، انضباطهم والتزامهم المواعيد وإتمام العمل المطلوب منهم. ويصفهم الآخرون بأنهم صارمون في تطبيقهم القوانين والنظام.

أزعم أن هذه المنهجية، هي خارج إطار التفكير والمبتغى لكثير من العرب الذين هاجروا الى أو روبا بهدف العيش أو الدراسة. ولعل صعوبات الاندماج، التي يتحدث عنها المسؤولون عن الجاليات وبعض القيمين على صنع القرار في هذه البلدان، هي احد تجليات البعد عن هذا "السستام"، الذي يشكل للأسف في نظر البعض مناخاً للرهاب الاجتماعي بذريعة تهديد أخلاقي أو تخلٍ عن تقاليد وقيم تتخذ صفة المقدس عند هؤلاء المهاجرين.

في برلين يحتار المرء من أين يبدأ، هل من المعالم التاريخية التي تحكي تاريخ ألمانيا بدءاً من بسمارك مروراً بهتلر وصولاً الى الألمانيتين وجدار برلين، أم من كانط وغوته وفيختة مروراً بهيغل وماركس ونيتشه وصولاً الى غونتر غراس وهابرماس وكليبرغ. قائمة لا تنتهي، تعج بأسماء كبيرة في ميادين عديدة لا تقتصر على الفكر والثقافة، بل تنسحب على العلوم والابتكارات التقنية التي حولت ألمانيا الى دولة صناعية كبرى لها حضورها الكوسموبوليتي.

يصح وصف العاصمة الألمانية بالقلب النابض لكثافة الأنشطة الثقافية فيها، إضافة الى المظاهر الفنية العابرة التي يشهدها الزائر في الأماكن العامة.

النشاط الاول الذي تتألق به برلين كل سنة، هو المهرجان السينمائي العالمي "برليناري" الذي يقام في ساحة الممثلة مارلين ديتريش. كما تتواصل الأنشطة على مدار العام في بيت الثقافات، بما ينطبق على عنوانه. ففي هذا المكان الواقع على ضفاف نهر "شبري" وسط المدينة بين بوابة براندنبورغ وساحة عمود النصر (التي تجري فيها كل سنة فعاليات مهرجان الحب "لاف بارادي")، تقام انشطة ثقافية من جميع أنحاء العالم، تشتمل على عروض أفلام ومسرحيات، لوحات فنية وصور وكتب مترجمة، إضافة الى أعمال تجهيز وحفلات فنية وندوات ومحاضرات وقراءات تقام على الهامش. أما المتاحف، فتحتاج الى مساحة أخرى للكتابة عنها، لكثرة ما في برلين من متاحف، إذ يصح تسميتها بـ "مدينة المتاحف".

الفن في برلين ينساب مع الهواء، فلا يبقى زائر لهذه المدينة إلا ويستنشق عبيره. في الساحات العامة مثل ساحة "ألكسندر" أو "الكودام"، قد تصادفك فرقة موسيقية من أميركا اللاتينية تعزف أعمالاً من تراث الهنود الحمر، أو واحدة افريقية تعتمد على قرع الطبول، أو قد تشاهد فرقة دينية لجماعة كريشنا التي تحظى بمريدين كثر في ألمانيا يرتدون الزي الخاص بهم، ويصلوّن عند قارعة الطريق على أنغام آلة موسيقية قديمة من أعمال شبه القارة الهندية.

وفي محطات القطار، يكثر عازفو البيانو والغيتار وربما الناي والبزق وغيرها من آلات لا يبتغي أصحابها من المارة سوى بعض السنتات يشترون بها زجاجة بيرة وبعض الطعام. "تسوّل بشرف" كما قال لي صديقي المغربي.

وأحيانا يختلط الفعل السياسي الاحتجاجي بالفن كما في اعتصامات الأكراد التي تنتهي بحلقة دبكة، أو احتجاجات المعارضة الصينية التي يمارس أعضاؤها رياضة اليوغا في الساحات العامة الى جانب لافتات الاعتراض. وهناك أنصار البيئة الذين يرتدون في مسيراتهم وجوه حيوانات معرضة للانقراض. أما مهرجان الحب السنوي، فيحتاج الى مساحة أخرى للكتابة، حيث يتحرك مئات الآلاف على أنغام موسيقى التكنو وعروض التعري.

فنون في الهواء الطلق

هناك معارض فنية في الهواء الطلق قد يشارك بها كبار الفنانين، وهي تقام احياناً في ساحة "بوتسدامر"، الحديثة بأبنيتها الشاهقة ومنها مبنى "سوني سنتر"، وهي قريبة من مبنى كونسرتو برلين للموسيقى "الفيلارموني" المواجه للمعهد الفني ولمكتبة المدينة الضخمة.

المكتبات العامة جزء من المشهد البرليني، فهي تنتشر في جميع المناطق والأحياء. أما "بسطات" الكتب والأشرطة الموسيقية الكلاسيكية التي تباع بأسعار زهيدة، فهي منتشرة بكثافة أمام المراكز التجارية الكبرى والساحات العامة، وكذلك في أسواق يوم الأحد التي تحتوي على كل ما هو رخيص.

الى جانب ذلك، تأسرك الألعاب البهلوانية سواء على عجلات "المزلاج" أو على الدراجات الهوائية، بتناغمها مع الموسيقى التي يحضرها هؤلاء الشباب معهم الى الساحات العامة لكسب بعض المال لقاء ما يقدمونه من عروض مميزة للمارة. ومن اللافت أيضا أن لكل شارع في برلين عيداً خاصاً في السنة. في هذا اليوم، تعرض البضائع والمأكولات والألعاب الخاصة بالأطفال الى جانب ما يسمى "حدائق البيرة" حيث يمكن للزائر أن يحتسي البيرة الأصلية من مصنعها مباشرة. وللنبيذ "البلدي" مساحات أخرى من هذه الاحتفالات.

مدينة كئيبة

 للوهلة الاولى عندما وطئت قدماي أرض برلين، بدت لي مدينة كئيبة، ربما لان ذاكرتي استحضرت في تلك الدقائق تاريخ المدينة المجبول بالحروب والدمار والتقسيم، ولعلها تلك الرمزية التي لا زلنا نستعير شعارها لوصف كل فعل عنصري، عنيت الرايخ الثالث وما تركه من آثار مدمرة على ألمانيا الحديثة. لعل أحدى صور هذه الكآبة الكنيسة المحترقة الجاثمة في ساحة "كورفرستن دام"، التي تركها الألمان مثلما هي كشاهد على فظاعة الحرب وأهوالها. لكن الشعور بهذه الكآبة سرعان ما يتلاشى أمام ما تحمله المدينة من مظاهر فرح، وقلب نابض بكل ما هو جميل. حتى الجدار الذي كان يفصل بين شطري العاصمة لم يبق منه إلا قسم صغير لا يتعدى طوله الأمتار قرب منطقة الفارشاوار، وأخرى في ساحة بوتسدامر التي أصبح فيها البرج الذي كان معداً للمراقبة بين الجانبين مقراً لمجموعة من الهبيين الذين يبثون أغاني الراب والروك كدلالات لمعنى ابدال الحرب بالموسيقى.

تستمد المدينة جاذبيتها من سحر نهري "الهافل" و"الشبري"، اللذين ينسابان طولاً وعرضاً، مباشرة أو عبر روافد كثيرة تم حفرها بجهود العمال. لا يقتصر دور هذين النهرين على الملاحة التي تخدم المصانع والتجار فقط، بل يتعدى ذلك الى دور سياحي، حيث تقام رحلات بواسطة الزوارق والسفن الصغيرة، على مدار الساعة للتمتع برؤية المدينة وما فيها من غابات ومعالم وصروح عريقة، إضافة الى جزيرة المتاحف.

 وعلى ضفاف النهرين تنتشر المنتزهات المجانية المكللة بالأشجار والمزدانة بالحشائش والأزهار. وفي الأيام المشمسة، تنتشر في هذه الأمكنة الحمامات الشمسية التي يُقبل عليها الألمان بشغف كحالة تعويض عن الأيام الباردة التي تحتل معظم أيام السنة. ناهيك عن حدائق العراة التي يصبح فيها الجسد مُلكاً للطبيعة.

 تكثر البحيرات التي تزينها ارهاط البط والوز ومالك الحزين. يمكنك قراءة كتاب أو جريدة على ضفة البحيرة، ففي هذه المدينة أضحت القراءة جزءاً من المشهد العام. كما يمكنك الاستمتاع بوجبة غذائية تلقى بقاياها الى هذه الطيور الجميلة التي ألفت البشر حتى غدت متعايشة معهم بلا أدنى خوف. التعايش مع جميع الحيوانات أيضاً جزء من جمال المشهد. حتى الغربان أصبحت أحد عناصر هذا المشهد الجذاب. يقول كبار السن أنها كانت تتغذى خلال الحرب من جثث القتلى، أما الان فهي تعيش على خيرات هذه البلاد من الحبوب والخضرة التي يصعب تحديد آفاق حقولها.

وللأطفال مساحات واسعة يمكنهم فيها ممارسة العديد من الألعاب، ففي كل حي ملاعب رياضية وحدائق خاصة بالأطفال. أما الدراجات الهوائية، فتكاد تكون إحدى صور المدينة الأكثر حيوية.

العمل شيء مقدس عند غالبية الألمان، علماً أن نسبة البطالة في تزايد (11%). ترى معظمهم يهرول مسرعاً في الصباح الى وسيلة النقل، ولا يعود من عمله حتى المساء.

ضرورات العمل تفرض عليهم النوم باكراً، لذلك لا تشعر بوجود أي ضجيج بعد الساعة التاسعة. أما يوما السبت والأحد، فتجد شعباً آخر يعيش العطلة على طريقته. منهم من يختار تناول زجاجة فودكا في القطار مع بعض الأصدقاء. ومنهم من يرتاد المراقص والحفلات الخاصة أو السينما والمسرح والكونسرتو، بالإضافة الى المنتزهات. ويحرص كبار السن على حضور حفلات الاوبرا أو دعوة الأصدقاء الى عشاء متواضع. وهناك من يرغب بارتياد الملاهي الليلية والعلب الحمراء، أو رحلة بواسطة الدراجة الهوائية وسط الغابات الكثيفة.

مشاهدة السكارى في الشوارع والحدائق ومحطات المترو والقطار أمر شبه اعتيادي. ففي هذه المدينة، ومثل باقي المدن الاوروبية، هناك من اختار طريقة أخرى للعيش. هؤلاء يتقاضون راتباً من الدولة التي تؤمن لهم الماوى أيضاً. وفي الساحات العامة، يوزع عليهم الحساء الساخن، إذ غالباً ما تقوم بذلك هيئات مدنية أو كنسية. وهناك بعض الساحات التي يتم جمعهم فيها ورشّهم بمياه سيارات الإطفاء حتى لا تتفاقم أمراضهم المتكونة من إهمالهم لأنفسهم، والبقاء دائما تحت تأثير الخمرة.

الحوار مع الاسلام

في برلين ثلاث جامعات عريقة هي: الجامعة الحرة، جامعة هومبولدت والجامعة التقنية، إضافة الى معاهد للدراسات العليا التي تختص بالفنون والسينما والمسرح. تلعب هذه الجامعات دوراً رائداً في نشر الأبحاث الفكرية والثقافية والعلمية. وتنظم بشكل متواصل ندوات ومحاضرات يشارك فيها أساتذة ومبدعون من جميع أنحاء العالم. كما أن تعدد الأعراق واللغات التي ينتمي إليها الطلاب وبعض أساتذة الجامعات يعطي مشهد التنوع غنىً فريداً.

أما الحوار الثقافي والحضاري الذي ترعاه وزارة الخارجية، فيشكل مساحة مهمة جداً لتلاقي الثقافات ويصب تلقائياً في مصلحة حوار الحضارات بعيداً عن أية شعارات. ففي ألمانيا، مراكز مهمة لهذا النوع من الحوارات. واذكر على سبيل المثال، نموذج الحوار مع العالم الإسلامي، الذي لم يتراجع مع أحداث 11 أيلول كما في دول غربية كثيرة، إنما تم رفده والسير به الى الأمام. إضافة الى اهتمام المؤسسة الإعلامية "دويتشة فيلله" على هذا الصعيد، تم تأسيس مجلة الكترونية تحت اسم " قنطرة" مهمتها متابعة كل ما يتعلق بفهم الآخر، أي الإسلام كحضارة، بكافة ميادينه السياسية والثقافية والاجتماعية والتربوية. ويدخل في هذا الإطار مشروع حوار الشرق والغرب الذي يشجع التلاقح الثقافي بين الحضارتين.

حرية القول والعمل مضمونة ما دام الأمن في منأى عن الخطر. المصليات والمساجد تنتشر بكثرة وكذلك الجمعيات العربية والإسلامية، حيث تكاد تضاهي بوجودها محلات المواد الغذائية العربية أو المطاعم، إذ يمكنك ان تحظى بصحن كبة وتبوله على الطريقة اللبنانية أو كسكس مغربي أو حلويات شامية. والحرية في ألمانيا مطلقة مع بعض الاستثناءات لعل أهمها الابتعاد عن كل ما يمكن أن يحرض على الكراهية والعنصرية، وكل ما يمكن ان يعيد تحريك عقدة الذنب تجاه اليهود، التي يبدو أن البعض بدأ يتحرر من ضغطها، خلال ما تشهده برلين من نشاطات وتحركات شبابية تصب في مصلحة القضية الفلسطينية أو معارضة الحرب على العراق، التي دفعت البعض لتجاوز موقف الدولة الرافضة لهذه الحرب عبر المطالبة بوقف انطلاق الطائرات الاميركية من قواعدها على الأرض الألمانية... تلك القواعد الجاثمة منذ أيام الحرب الباردة.

معمر عطوي