هل اللغة السريانية أداة محورية في تفسير القرآن الكريم

العدد 1 - تموز 2005
الثلاثاء 5 تموز (يوليو) 2005.
 
للوهلة الأولى تبدو إشكالية هذا التساؤل من جملة ـ الصرعات الإعلامية ـ التي تتناول هذا الموضوع /الديني ـ الثقافي/ العميق في الوعي الجمعي التاريخي للعالم العربي والإسلامي، ولكن الحقيقة الموضوعية تعلن أننا أمام ـ إشكالية بحثية /نظرية معمقة أكاديمياً ـ وملفتة للنظر، وضعنا أمامها، ووضع العالم كله، وليس الإسلامي عموماً فحسب، المفكر وعالم اللغات السامية القديمة، المستشرق الألماني ـ كريستوفر لوكسنبرج، بإصداره موسوعته العلمية ـ (القراءة السريانية للقرآن)، مدخلاً هذا الموضوع في مجال الجدل الفكري واللغوي الحديث والمعاصر، وواضعاً كل تفاسير القرآن الكريم أمام محك المناقشة العلمية البحثية الرصينة، ومواجهاً في آن معاً كل العلماء الأجلاء، من أهل السند الثقات، وآيات الله العظمى الشيعة، فيما يخص هذه القضية الشديدة الحساسية في مجمل عصور التاريخ العربي ـ الإسلامي.
* من حيث المبدأ، أو البداية، بقي هذا المستشرق لوكسنبرج، محافظاً في بحثه على قدسية البيان الإلهي القرآني، عبر بحثه عن جوانب أكثر موضوعية يستند إليها في الإضاءة على جوانب أعمق قدسية. ونؤكد هنا على عبارتي، محافظاً على قدسية البيان الإلهي، والإضاءة على جوانب أعمق قدسية. * وفي هذا السياق ـ المبدئي والثابت ـ اعتمد هذا المستشرق على التحرر من التراث النقلي، مقدماً مثالاً حياً، وريادياً من الوجهة التاريخية، يمكن الاحتذاء به من قبل مفسري القرآن الكريم لجهة تناوله المنهج العلمي لفقه اللغة، وبراهينه الواقعية ـ علمياً ـ، دافعاً بالاستهداف البحثي الاستراتيجي، لتأسيس قراءة أكثر وضوحاً للقرآن الكريم، وتحريره من كل الغموض الذي وقع فيه مفسرو التاريخ الإسلامي عموماً. * فمن وجهة التاريخ /اللغوية، تغلب لوكسنبرج على الموروث السلفي في القراءة التراثية المتراكمة عبر التاريخ التفسيري في تعاملها مع النص القرآني الكريم، حيث كان اعتمادها، أو استنادها لمنهج التعويل على التراث النقلي، المستند إلى طبيعة النقل الشفهي، في نقل النص القرآني الكريم، علماً أن اللغة المكتوبة الوحيدة في عصر نزول هذا البيان القرآني الإلهي الجليل هي ـ السريانية، التي هي وفق الرأي البحثي للوكسنبرج، الرحم الثقافي المحوري، المؤثر في تحول النهج الشفاهي اللغوي العربي إلى نهج الكتابة العربية، وبالتالي وتأسيساً على هذا الكشف التاريخي ـ اللوكسنبرجي المعاصر ـ يجب قراءة القرآن ـ برأيه ـ عبر اللغة التي ولد في رحمها، اللغة السريانية، الشقيق التوأم للعربية، ليصار، برأيه أيضاً، لفهم كيف تطور الأمر باتجاه ـ العربية المكتوبة ـ، فنزلت الآية القرآنية الكريمة: (إنَّا أنْزَلْناهُ قُرآناً عربيَّاً لعلكم تَعْقِلُون) ـ سورة يوسف 2 ـ وهذا الأمر، هو ما لم يستطع المفسرون الثقات حل معضلته التاريخية. * وفي متابعة لوكسنبرج لبحثه، يعلن، أن للقرآن الكريم جذوراً سريانية، وأن اللغة العربية التي بين أيدينا اليوم لم يكن لها هذا الوجود عند نزول الوحي الإلهي الكريم، ولم تُنحت حروفها النحت الكامل، وهو ما دفع بالنبي العظيم، محمد (ص) إلى أن يحض أتباعه على تعلم السريانية، خاصة شاعره الخاص ـ حسان بن ثابت، فالنبي (ص) كان على معرفة يقينية بعدم اكتمال اللغة العربية (المكتوبة)، فأباح ـ وهذه نقطة مفصلية تاريخياً ـ كل قراءة للقرآن الكريم تبدل فيها النقمة إلى النعمة حسب (تفسير الطبري). وقد ذهب ـ النبي العربي الكريم (ص) ـ إلى أبعد من ذلك، بما امتلك من حكمة نبوية، فأباح لأتباعه اختيار القراءة من سبعة أحرف متعددة..!! وهذه قضية أو مسألة إشكالية تاريخية، لم يقدم ـ يعلن هذا الباحث الجديد ـ أي مفسر إسلامي عبر التاريخ توضيحاً لها ـ لمفهوم الأحرف السبعة ـ فهل هي أحرف أم لهجات قبائل أم لغة اختزالية اختص بها، ناقل الوحي الملاك جبريل. * وفي سياق تحليله النقدي، يرى لوكسنبرج أن كل المفسرين الغربيين والشرقيين الذين اتبعوا التقليد الإسلامي في التعامل مع القرآن الكريم، لم يستخدموا ـ المنهج اللغوي ـ فعجزوا عن تفسير وتبرير المصطلحات الأعجمية والحوادث التي حدثت في دول أجنبية، ورد ذكرها في القرآن الكريم، وهذا برأيه، يكشف لنا السبب المتمحور في قصورهم المعرفي لتصور السياق التاريخي للغة السريانية المكتوبة، الوحيدة القرآن الكريم. * ومن ضمن هذه المتابعة البحثية، تتبع لوكسنبرج المفردات العربية والسريانية، في نهج مقارن بينهما، من خلال الجذور اللغوية الآرامية والسريانية معللاً عودته لهذه الجذور، بغياب الأدوات المعجمية والقواميس اللغوية العربية، إضافة لغياب التدليل بالشعر الجاهلي في التفسير القرآني التقليدي الموجود بين الناس، مما يجعل البحث عن الجذر اللغوي للمفردات من الشؤون الضبابية. فعدم القدرة ـ برأيه ـ على تتبع التطور الدلالي لمفردات اللغة العربية سببه كونها اللغة الوحيدة التي ـ بدون ـ قاموس مفردات، بينما تكثر فيها معاجم المعاني، ناهيك بظاهرة غياب النقاط فوق الأحرف التي أحكمت بعد مصحف الصحابي الجليل ـ عثمان بن عفان ـ بواسطة كتبة القرآن المتقدمين لزمن عثمان ـ عبر تثبيتهم النقاط الذي يجعل بل يؤكد أن هناك فروقاً بين القراءات المختلفة لحرف واحد، وقد نقّحت هذه النقاط باختيار القراءة الأصعب، معتمدين على أن القرآن الكريم المحفوظ لم يكن منقطاً.