السلطة الرابعة

العدد 4 - تشرين أول 2005 : صبحي
الاربعاء 19 تشرين الأول (أكتوبر) 2005.
 
منذ وقت مبكر سميت الصحافة "مهنة البحث عن المتاعب"، ولعلها في الزمن المعاصر باتت أكثر اقترابا من توصيفها، وقد أوردت الإحصائيات إن عدد القتلى بين الصحفيين في العراق بلغ حدا غير مسبوق، وبداهة إن المتاعب هنا هي العقبات في طريق الحقيقة، فالبحث يقصد الحقيقة في الغاية، وما المتاعب سوى السبيل إليها.

إلى أي مدى يتفق الصحفي العربي مع هذه البديهية..؟ ولو ضيقنا البؤرة، إلى أي مدى تنطبق هذه البديهية على الصحفي السوري..؟ لا شك إن التعميم قتال، وحديثنا لا يشمل الجميع، والكثير من الصحفيين السوريين أثبتوا كفاءة ونزاهة قل نظيرها، لكننا نقصد شريحة نخشى أن تتحول إلى ظاهرة، يمكن وسمها بالخطيرة.

في خلاف فني بين كاتب ومنتج حدث قبل عامين، اصطف (بعض) الصحفيين إلى جانب الكاتب، دون أن يحاولوا الاستفسار أو تقصي الحقيقة، وصفقوا وهللوا واتهموا، وفي خلاف فني جديد، يحتشد الصحفيون إلى جانب دون آخر أيضاً، دون توقف عند حق أو حقيقة، أو قيمة كبرى يجدر تناولها بشيء من احترام وتقدير..

أليس من حقنا أن نسأل هل يمكن أن تصبح آلاف الليرات التي تسفحها جهة ما، كمكافآت، لقاء مواد صحفية مدفوعة الأجر أصلاً، مقياساً للحقيقة، ودافعا لانحياز الصحفي، خاصة وإن بعضهم يوغل في التشدد حتى يبدو ملكيا أكثر من الملك؟ وفي السياق ذاته نقرأ كتابات كثيرة تسيء للبلد والأمة، بحجة انتقاد "النظام" والدفاع عن "المواطن"، وتنشر في صحف لا تدخل سورية، ولا تمر على "المواطن" الذي تعنيه.

أمام خلل صحفي يمكن أن نطالب بدورات تأهيل، وأمام مناخ صحفي غير صحي يمكن أن نطالب بنقابة أو اتحاد، لكن إلى من نلجأ حين يكون العطب في النفوس، وفي الأخلاق المهنية والكرامة الشخصية، أليس من حقنا أن نسأل إن كان خمسة آلاف ليرة قادرة على تحويل الصحفي إلى "بوق" و"مرتزق" لجهة ما، فماذا يمكن أن يفعل لقاء مائة ألف أو مليون ليرة مثلاً..؟

بكل الأحوال "الأبواق" على كثرتها، لا تشكل ظاهرة، ولا تمثل سوى حفنة، يمن أن نجدها في كل مكان، وما تكاثرها هذه الايام سوى تجل من تجليات الحرب الأمريكية على القومية العربية، واقعا ومفهوما، والتي بدأت في غزو العراق، ولم تنته عند محاولة اغتيال الزميلة مي شدياق، مرورا بالحرب على الإرهاب، وما تستدعيه من أكاذيب وأضاليل ومآس..