دراما التلفزيون على شاشة رمضان

العدد 4 - تشرين أول 2005 : نجيب نصير
الاربعاء 19 تشرين الأول (أكتوبر) 2005.
 
يتسارع العد العكسي للوصول بأمان إلى شهر رمضان الكريم، حيث يلهث المخرجون والمنتجون والفنيون، ( لتلحيق ) أعمالهم كي تعرض في هذا الشهر الفضيل والذي تعتبر أوقات العرض فيه من أهم الأوقات على مدار السنة نظرا لمكوث اكبر شريحة ممكنة من الجمهور في بيوتها ما يجعلها دريئة للإعلانات التجارية الكثيفة بحيث تسمح للمحطات تمويل وشراء هذا الكم الضخم من الأعمال والمسلسلات الدرامية بأسعار خاصة تفيدها في ترميم ذاتها الإنتاجية وتعيد كرة الإنتاج إيمانا من صانعيها بالفن أو التجارة أو بالاثنين معا، أو ربما بأشياء أخرى اقلها البرستيج الناتج عن المشاركة في صنع الثقافة في احدث وسيلة لها أي الصورة.

مرة أخرى يعج برنامج انتاجات الدراما التلفزيونية السورية بالمنتجات التاريخية، وكأن ما ينقص شهر رمضان الكريم هو استذكار التاريخ وتمجيده،ما يصنع فارقا ثقافيا بين عصر الصورة والصورة ذاتها كمفهومين معرفيين يتعاكسان من حيث الغاية منهما من جهة، ومن حيث الإرادة الأخلاقية التي توظفهما في العمل الفني من جهة ثانية، ومن حيث القيمة العلمية والعملية التي تشارك أي عمل معاصر فني كان أم حرفي من جهة ثالثة، وكأن بهذه الأعمال تريد إقناعنا أن تاريخنا جيد وممتاز ومجيد، مع أن هذا السؤال لم يعد مطروحا في تحديات العصر الإبداعية والثقافية، فالتاريخ برمته عبارة عن أمثولة لعدم تكرارها وليس لاستعادتها حيث من المستحيل إعادة الماضي مهما كان مجيدا وهو ليس كذلك بالمعنى العملي للكلمة، فلا متنبي سوف يكون لدينا حتى ولو صنعنا ألفي مسلسل عنه لأسباب لا تصعب على عقل دجاجة، ناهيك عن شخصية المتنبي المجيدة التي ما هي الا بشر تحدها النذالة والفضيلة من كل أطرافها،.

لقد اعد لنا ريدلي سكوت في فيلمه ( مملكة السماء ) أمثولة في النظر النقدي للتاريخ حتى من خلال الفن، حيث يحول عصر الصورة من معلومات يتناولها ويتداولها الجميع إلى معرفة ممارسة من خلال مقاطعة المعلومات التاريخية للوصول إلى اقرب مكان من الحقيقة دون أي وهم في استعادتها، حيث يمكن اعتبار جهد ريدلي سكوت وطاقمه، محاولة لصناعة صورة من عصر الصور ومن ثقافة الصورة، على عكس المشاريع الأندلسية، ومشاريع تمجيد الشخصيات والحقب التاريخية، التي تريد إقناعنا بأن التراث كان حديثا وأجمل من عصرنا والاهم انه كان على حق فقط لكونه تاريخ، مع أن محاولة الإقناع هذه خارج السؤال والعقل والثقافة وكل ما يمت إلى أدوات التعبير وأهدافه بصلة، فنحن لم نفتح الأندلس ولسنا مسؤولين عن فتحها، ومن غير المهم الآن لو بقي فيها من شاء أو خرج منها من أراد، لأن المقياس الأخلاقي والسياسي والمعرفي قد تغير، وإذا لم نستطع تغيير مقاييسنا، فسوف تصبح الدراما التلفزيونية تحاول إقناعنا انه يمكن تشغيل الميكرو ويف على الحطب .... لأن أجدادنا هم من اخترع الميكرو ويف والشطرنج والبارود والورق قبل أن يخترع العالم الكهرباء.