العدد السادس والعشرون - أيلول

لبنان والرسالة المؤجلة...

زهير فياض
الخميس 20 أيلول (سبتمبر) 2007.
 
New Page 1

منذ إعلان نشوء دولة لبنان الكبير في بدايات القرن العشرين، مروراً بقيام دولة لبنان -الميثاق عام 1943؛ وصولاً إلى دولة الطائف، واللبنانيون يطربون لسماع "أنشودة جميلة" ما فتئت تتردد على ألسنة النخب "المسيَسة" و"المثقفة" أي أنشودة لبنان-الرسالة، ومقولة أن لبنان هو "الدور الحضاري" الذي يتعدى بأشواط "الدور السياسي". 

كلامُ جميل يتردد تلقائياً، وأحياناً -بشكل ببغائي- للإيحاء بعمق هذا الدور الحضاري المنوط بهذا الـ "لبنان".

بيد أن الأجدى هو أن نقرن يوماً الأقوال بالأفعال، وأن نخطو كلبنانيين خطوات جدية تقربنا أكثر إلى هذا المثال أي "لبنان-الرسالة"، و"لبنان الدور الحضاري"، و"لبنان-الأنموذج" الإنساني الراقي في هذا المشرق العربي الكبير...

ما من مواطن لبناني مخلص إلا ويريد أن يرى لبنان على صورة هذا الأنموذج الماثل في عقول وقلوب الكثيرين...

ولكن، ثمة تساؤلات كبيرة وعلامات استفهام كثيرة حول درجة مطابقة الواقع لما هو مأمول...

بلا شك، إن واقع "التنوع" المؤطّر في شكل "الوحدة" يؤهل لبنان فعلاً وحقاً لأن يؤدي رسالة وطنية وقومية وعربية وعالمية عنوانها "الوحدة"...

خلاصة هذه الرسالة أن التنوع "الديني" هو مصدر غنى أنساني كبير، وهو لا يتناقض بشكل من الأشكال مع شروط قيام دولة ذات هوية وطنية وقومية وإنسانية...

وخلاصة هذه الرسالة أيضاً تأكيد حقيقة "أن الدين لله والوطن للجميع". هذا المبدأ، الذي يعني وبشكل مباشر "فصل الدين عن الدولة"، هو المخرج الوحيد من إشكالية "المأزق" المتمثل في الربط بين المستوين الديني والزمني داخل الدولة والسلطة، خاصة في مجتمع يحتوي هذا الكم من التنوع الطائفي والمذهبي. 

والخلاصة الأهم هي في نقل هذا الأنموذج وتعميمه في الشرق والغرب، وجعله إطاراً حقيقياً للوحدة الوطنية داخل المجتمعات، وإطاراً واقعياً لا افتراضياً لـ "حوار الحضارات" على مستوى العالم...

ولكن، الممارسة -مع الأسف- تسير على خط معاكس لخط "المأمول"، فالتجربة اللبنانية لم تؤسس بعد لقيام هذا الأنموذج. وبرغم أن "العقل الإنساني" ينمو بالتجربة والخبرة والمقاربة الذهنية للأحداث والوقائع، إلا أن قصوراً كبيراً يحول دون خروج "العقل اللبناني" أو بعضه -على الأقل- من دائرة الصدأ الذهني والتخلف الفكري في الاهتداء إلى الطريق القويم ضمن مسيرة بناء الوطن، فتراه يجتر ذاته ويدفن رأسه في رمال الجهل والانقسام والفرضيات  المدمّرة ويمارس خطيئة "الزنا" -ولو على المستوى النظري- في فهمه لعلاقة مكونات المجتمع الواحد في ما بينها...

المفارقة، أن دورة الحياة الواحدة، والمصير الوطني الواحد، ووحدة المجتمع  هي حقائق صنعتها الحياة نفسها، فهذه الوحدة في حياة اللبنانيين، وعيشهم وتواصلهم الحياتي مع محيطهم الطبيعي، ترسخت قبل ومع وبعد قيام لبنان-الكيان بحدوده الحاضرة، وهذه الحقائق هي الأقوى، وهي عنوان الرسالة الحقيقية للبنان-الأنموذج ...

الفرصة الآن أصبحت مؤاتية، لأن نصنع الغد المشرق عبر تفعيل "الرسالة المؤجلة" للبنان...