فن الكشف

العدد 4 - تشرين أول 2005
الاربعاء 19 تشرين الأول (أكتوبر) 2005.
 
دخلت الثقافة الحديثة (المعاصرة) مصطلحات ومفاهيم متعددة كالثورة البصرية، المشهدية، التشكيل، الإيماء، الأزياء.) هذا ما يدعونا إلى التساؤل: هل هذه المفاهيم والمصطلحات جديدة؟ أم أن اكتشافنا لها جاء متأخراً؟!

وللإجابة على هذا السؤال لا بد لنا من العودة إلى بدايات الحياة الإنسانية التي كان الجسد فيها وسيلة التواصل الوحيدة، هذا بلا شك كان قبل النحت، والرسم، واللغة.

في الوقت الذي بدأ فيه الإنسان مفارقة الطبيعة والعمل على تكييفها وتطويعها، ووعي قوانينها، كان بالتوازي مع هذا كله يخلق المتخيل، والمخيلة بدورها تتفنن حتى تكاد تحرف الأشياء عن مسارها الطبيعي، وعن الغرض الذي وجدت من أجله أصلاً، لتبني عليها حاجات جمالية وفنتازيه.

الثياب الذي وجدت في البداية لتلبية ضرورة، وتلك الضرورة هي حماية الجسد، من عوامل الطبيعة، ومع تقدم الحياة المدنية لم تبقى الثياب تؤدي هذا الدور فقط، وإنما تنوعت وظائفها، إلى وظائف جمالية ذات دلالات اجتماعية ومعانٍ أخلاقية.

وفي هذا كله، لم يكن الجسد مشجباً فقط للتعليق. والحكاية ليست مجرد جسد بيولوجي، وإنما أصبح الجسد مع الثياب الذي يرتديها مشروعاً جمالياً، تم فيه استخدام التكنولوجيا الحديثة وهذه التكنولوجيا بدورها بدلت من هوية الأزياء الواقعية والأساسية وحولتها إلى حالة أكثر جمالاً.

وغدت الثياب لحد ما تعكس نموذج ونمط الشخصية أو لنقل تعطي انطباعاً عاماً عن الشخصية. وهذا يجعلنا نعي ما للحسية وللمشهد البصري من أهمية، والحسية تكون صنو المتعة بالحياة ككل. إنها احتفاء جذري، بدئي بالحياة، تتفجر وتفيض بالتعاطي الحر مع الجسد.

الحرية التي تمنحنا القدرة على إزالة المعوقات والموانع والتخيلات والصورة الباهتة، وتمكننا من إلقاء نظرة صافية ترتبط ببعض الصمت، الذي يسمح وحده بالتأمل والاستمتاع.

مع اجتياح المدنية للعالم وسيادة البرجوازية، التي اعتنت بشكل واضح بالجسد، وبمظهره بشكل خاص، هذا أدى إلى ثورة الجسد، التي بدأت في بداية القرن العشرين، والتي أولت الحياة الخاصة والفردية أهمية بالغة.

هذا المتاح سمح للجسد بظهوره العلني، وأتاح له ممارسة بعض الطقوس مثل الرياضة، والأزياء وابتكار صناعة العطور، وتنوع في الصناعات التي وجدت خصيصاً للاحتفاء بالجسد.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل ظهرت حركات ذات خلفيات ثقافية تشجع على العري، والتعامل الحر مع الجسد، (كالهبية) واصبح العري امتيازاً وعلامة فارقة لبعض النخب الثقافية وبقدر ما يكون الجسد العاري صادماً وموحياً بآن معاً وجذاباً يكون الاحتشام مثيراً إثارة ايروتيكية، فالميني جيب ليس مثيراً إلا بمقدار ما هو محرم عري الفخذين، وفي حالات معينة نرى انه كلما ازدادت الأشياء، ازدادت الغواية للعضو المحجوب، ويتم التعاطي معه بعيداً عن وظيفته الحقيقية.

ومنذ انتقال الجسد من الحرية البدائية إلى الحرية الواعية، حورب العري، ونشأت محرمات دينية وثقافية جعلت من إبراز الجسد عارياً سواء أمام الذات أو أمام المرآة من عمل الشيطان (لعن الله الناظر والمنظور) وهكذا اختفت الحالة الطوطمية التي كانت تمثلها الأعضاء الجنسية بما هي رمز للخصب والاستمرار.

وفن العري كان لجسد المرأة منه النصيب الأكبر، نشطت دور الأزياء. وأصبح هناك تنوع هائل في الملابس لكل فصل من فصول السنة ثيابه الخاصة ولكل وقت من أوقات النهار والليل أيضاً الخاصة، وللمناسبات من أحزان وأفراح ثياب خاصة.

وكل من هذه الثياب يكشف أجزاء من الجسد الإنساني ويحجب أجزاء أخرى.

تلك الأزياء تدلنا على انماط الرؤية للجسد وفق كل حضارة من الحضارات (الرومان، اليونان، الإسلام، القرون الوسطى، الحياة المعاصرة). وبهذا تصبح الثياب جزءاً من الموروث الثقافي للشعوب التي ابتكرتها.

ها نحن الآن نشهد صراعاً على الأزياء الشعبية الفلسطينية بعد ادعاء الإسرائيليون بأنها من صنعهم وتراثهم.

والآن شرع المصممون بالاستفادة من مناخات الفن العالمي. فالكثير من التصاميم المخصصة للجسد مستوحاة من لوحات عالمية. وهنا تقترب المرأة من اللوحة المتحركة بارتداء بعض الملابس ذات التصاميم الراقية، والتي تنم عن ذوق رفيع.

تطالعنا عارضات الأزياء بلوحات تتحرك وسط أجواء فرحة، رسوم، خطوط، ألوان، أناقة على خلفية لموسيقا كلاسيكية وتظهر الانعكاسات الطبيعية من خلال الأقمشة، فالدانتيل والحرير وغيره مرتبط بالطبقات الميسورة، أما بعض الأقمشة الأخرى للفئات العاملة والفقيرة.

العري لم يشغل الرجل كثيراً، لأنه ومنذ رسخ المجتمع الذكوري لم يحاصر جسد الرجل كما حوصر جسد المرأة.

لذا نرى أن هناك بعض المبالغات بإظهار جماليات جسد المرأة في محاولة لتقديمه جسداً حاراً طازجاً متوهجاً مفعماً بالأنوثة.

وبشكل عام طال التغير النظرة للجسد. شرائح واسعة من المجتمعات على مستوى العالم اختلفت مفاهيمها حول الجسد.

هناك نساء يرددن أنهن لا يردن أن يبدين عاريات لأنهن غير جميلات بما فيه الكفاية لكن تياراً آخر من الحركة النسوية تدخل وصرح قائلاً:

لا يهم الجمال المهم أن نكون مرتاحين في جلودنا أي تقبل الشخص كما هو. احتاج اظهار كل جزء من أجزاء الجسد إلى ثورة اجتماعية ولكن في النهاية أصبح لدينا معايير جديدة في سكنى الجسد.