العدد السادس والعشرون - أيلول

التحية الأخيرة يوم كان النضال متعة... وأملاً

منصور عازار
الخميس 20 أيلول (سبتمبر) 2007.
 

كم يبدو الأمر ميسوراً وسهلاً، عندما تكون الأفكار نصوصاً وكلمات. وكم يبدو الأمر صعباً مرهقاً، عندما تحاول الأفكار أن تجد طريق إلى الحياة... يافعاً جداً، أيقنت أن الكتابة، على صعوبتها، سهلة جداً إذا ما قورنت بالإنجاز. كل حرف مشقّة، كل إنجاز معجزة... عرفت أن النضال الطويل والنبيل والمخلص هو الشرط الضروري لترجمة الفكر.

أتذكر أنّ وقف الحياة في عقيدتي دفعني إلى متعة النضال المتمسك بالأمل، فلو أنه يكتب إليّ لأعيد صياغة حياتي، لاخترت الطريق التي سلكتها، وتحديداً، عندما كنت طالباً جامعياً في بيروت... ومن حقي أن أقول:" ولله زمن يا نضالي".

قبل الدخول إلى عالم جامعة الحقوق وما يختلج في نفوس الطلاب من أحاسيس وأفكار، أعود إلى الوراء إلى أيام الجامعة الأميركية وما رافقها من نشاطات وأعمال أثرت في حياتي وتكوين شخصيتي.

كانت الحرب الكونية الثانية قد انتقلت إلى عدة جبهات وكان جل مسؤولي الحزب في السجون، ولم يبقى سوى عدد منهم وأهمهم جورج عبد المسيح الذي أتقن فن التنقل والإختفاء في الجبال، وبات يمر من وقت إلى آخر في منطقتنا، فألتقي به مع بعض الرفاق في الأحراش المكسوة بالصنوبر والزيتون. وكان جورج، وقد أصبح المسؤول، الأول في متابعة العمل الحزبي والإشراف على إدارة الفروع بما تيسر له من وسائل وإمكانات، فهو دائم الحركة، يعرف كيف يختار معاونيه ورسله وأنا أحدهم، إذ كلفني ببعض المهمات لتأمين الإتصالات بينه وبين بعض المسؤولين.

كان أول عهدي في العمل الحزبي المنظّم، القيام بنقل الرسائل الموجهة من جورج إلى جبل لبنان وبيروت منطقة تحركي عبر مواصلتي لدروسي في الجامعة. كنت ألتقي بعض المسؤولين وأسلمهم ما أحمل لكل منهم من تعليمات لينفذها بدوره أو ينقلها إلى غيره. مرة، كلفني جورج أن أنقل رسالة هامة جداً إلى السفارة الانكليزية، وكانت مكاتبها تقع في منطقة رأس بيروت، دون الوقوع في قبضة الأمن أو رجال السفارة، فدرست المكان جيداً وتبيّن لي أن الباب الخارجي يبعد عن مبنى السفارة حوالي الخمسين خطوة وعليّ اجتيازها. في موعد التنفيذ، لبست معطفاً طويلاً ووضعت على رأسي قبعة من الجوخ، وحملت في جيبي نظارات سوداء ودخلت الرواق هادئاً. عندما وصلت إلى غرفة الانتظار، كان الزوار كثراً ينتظر كل واحد منهم دوره، ووجدت الموظف المختص جالساً إلى مكتبه يلتقي طلبات المنتظرين. تقدمت بدوري وطلبت تسليم الرسالة التي أحمل إلى المسؤول. بادرني الموظف بالسؤال عن مصدر الرسالة ومرسلها، فقلت له هذا ما سيعرفه المسؤول عندما يفتح الغلاف. طلب مني الانتظار ليعود إليّ بالجواب. ولما دخل غرفة المسؤول، خرجت من المبنى وكدت أصل إلى الباب الخارجي عندما سمعت صوتاً يناديني "يا شب انتظر"... لكني أسرعت إلى الخارج وخلعت معطفي ولبست قبعتي ووضعت نظاراتي ومشيت قليلاً إلى اليمين ثم عدت نحو باب السفارة لأكمل طريقي من الجهة الثانية، فالتقيت بالحاجب يركض على الطريق، مررت بجانبه بكل هدوء وأكملت سيري وهو لم يزل يفتش عن صاحب الرسالةّ!...

وبعد إبتعادي عن المكان، شعرت بالسعادة والارتياح كوني نفذّت بنجاح أول عملية في حياتي الحزبية. إن هذه الحادثة ومثيلاتها في العمل المتواصل مع جورج عبد المسيح أكسبتني خبرة ومعرفة وجرأة وإيماناً بما أقوم به داخل الحزب، وبقيت هذه الممارسة التي قمت بها آنذاك حيّة في نفسي لأنها غدت أساس البنيان المناقبي لبقية أعمالي الحزبية.

أصبحت أنظر إلى من حولي في الجامعة ومنطقتي من خلال دراستي وعملي الحزبي، وأضحى اهتمامي بما أرى حولي من فتيات أمراً يشغل بالي ويحرّك فيّ هذه الرجولة التي لم أكن بعد قد أعرتها أي اهتمام. ولفت نظري فتاة، هي نسيبتي، كانت براءتها وجمالها وحركة حياتها توحي لي بأن هناك أمراً عميقاً بدأ يتحرك في أعماقي. هل هو الحب؟! كان هذا الشعور يقوى يوماً بعد آخر حتى طغى على جميع حواسي، وبدأت أقضي بعض فرصي في قريتي إلى جانبها وهي في الخامسة عشرة من عمرها، وأصبحت فيما بعد زوجتي، جدتكم التي تحبونها، صاحبة القلب الكبير والعواطف النبيلة المتسامحة مع الدنيا كلها، بكل أفراحها وعذاباتها وأهمها أن تكون رفيقة عمري حتى الآن..

مضت الأيام والحرب العالمية الثانية في اشتداد، ونحن نتابع الأخبار لنعرف من سيكون الرابح. احتلت ألمانيا فرنسا وأصبح لبنان في عهدة فيشي وخاب ظننا، كنا نعتبر أن ما حصل لفرنسا يمكنه إن يغير أحوالنا، ولكن شيئاً لم يحصل وظل وضع الحزب على ما هو عليه من ملاحقات ومراقبة. ومع بداية السنة الجامعية الأولى، تبدلت حياتنا كثيراً، إذ أن حضور المحاضرات لم يكن إلزامياً، باستثناء مادة الحقوق المدنية.

في أوقات الفراغ، بدأنا ننظم علاقتنا مع جمعيات الطلبة في المدارس والجامعات حتى بلغ الانتشار مدارس وجامعات صعبة النفاذ، وبدأ تحرك الجسم الطالبي بالمظاهرات والاحتجاجات بوجه المستعمر الفرنسي، وكان الانكليز ومعهم "الفرنسيون الأحرار" قد دخلوا المنطقة، وأصبحنا نعمل بحرية أكثر، وامتدت اتصالاتنا إلى فروع الحزب في بيروت ودمشق مما أكسبنا معنويات قوية خصوصاً أن فعل العقيدة بدأ يأخذ مجراه وعمقه في نفسي. بدت الحرب العالمية الثانية وكأنها على نهايتها، وكنت غير مقتنع مما نسمعه من أصداء تتردد حول التدرج في تطبيق عقيدتنا والإهتمام فقط بالمبادئ الإصلاحية وترك مضمون المبادئ الأساسية للأيام لأن تحقيقها صعب والبلاد مقبلة على إعلان إستقلال لبنان وسورية.

كنا نتحرّق لعودة سعادة من الأرجنتين ليضع حداً للإنحراف العقائدي، وحصلت الإنتخابات النيابية الأولى بعد الحرب، وقوة الحزب مدعاة للإهتمام خصوصاً عند الكتلة الدستورية التي كانت تنادي بالإستقلال والتخلص من الإنتداب الفرنسي، وأصبحت قيادات الحزب خارج السجون، واتصلت بالقوى الإنتخابية وبدأت الأجواء تتغير وحصلت الإنتخابات التي لعب الحزب خلالها دور هاماً جداً وجاءت بعض النتائج لصالح الكتلة الدستورية التي تعاونا معها لإنجاح بعض المرشحين في صفوفها.

في ذلك الوقت، توسعت دائرة صداقاتي مع بعض زملاء "جامعة اليسوعية" وبعض الرفقاء خصوصاً جورج نصار وجوزيف خوري وجوزيف حايك وأخوه رامز، وكان آل حايك يقتنون في منزل قريب من سوق النجارين، وكنا على طريق عودتنا من الجامعة اليسوعية نجتمع في هذا المنزل ونتداول في أمور حزبنا ودروسنا. وصادف أن لآل الحايك جار مشهور في عالم المحاماة والسياسة، هو إميل لحود، المحامي اللامع والسياسي النشيط، فصرنا نتردد على منزله بحرية، نرتاح لمجلسه وهو كذلك. التقينا معه في العمل السياسي ضد الانتداب كونه ركن من أركان الكتلة الدستورية. أصبحت أتردد على مكتبه للاحتكاك بالدعاوى والقضايا، وأصبحت أكثر اهتماماً بالتحضير لولوج ميدان المحاماة، كان يشجعني دائماً لأنه لمس عندي الكثير من الصفات والمواهب التي تؤهلني لأكون محامياً ناجحاً وخطيباً متفوقاً لما ظهر عندي من قدرة على ارتجال الكلمات في المناسبات الخاصة والعامة.

تلك الفترة كانت من أنجح أيام حياتي إذ تأسست أفكاري العقائدية على قناعة ثابتة ونهائية وأصبح لي دور هام في الأعمال الحزبية بانتظار خروج المعتقلين من السجون وعودة الحزب إلى العمل الحر والنشاط الواسع والعلني.

أعود إلى الوراء، إلى نوع آخر من المغامرات لأكتشف نفسي. ومع إطلالة الربيع، جاءنا جورج عبد المسيح إلى المنطقة بعد دورة واسعة شملت مناطق عدّة، وكان لنا علامات نعرف من خلالها مواعيد مروره ذهاباً وإياباً. وفي تلك المحطة من عام 1942، قال لي أن عليّ الانتقال إلى جبال العاقورة حيث ينتظرني رسول قادم من الشام لأمر هام جداً، واقترح أن نذهب معاً عن طريق الساحل. خطر ببالي أن تكون الرحلة على دابة نمشي إلى جانبها وكأننا من "المكاريي" الذين يجولون المناطق لنقل المونة وغيرها. عرضت الأمر على العم جريس، والد فتاتي الحلوة، فوافق على الفكرة وتمت الخطة على أن نتحرك نحن الأربعة: العم جريس وجورج وأنا والحمار. مشينا على الأقدام وقطعنا الساحل على نهر إبراهيم دون أي حاجز أو شخص يعترض سبيلنا، وكنا قد اتفقنا إذا سئلنا عن وجهة سيرنا أن يكون الجواب: "إننا ذاهبون لتبضع بعض الحاجات من بلاد جبيل لننقلها إلى ضيعتنا في المتن". وبعد الوصول إلى نهر إبراهيم، صعدنا نحو الجبال العالية وأنا لم أزل أشعر بالبرد والتعب حتى اليوم.

كان الفجر قد نثر على هذه البقاع صوراً حية وجميلة ما جعلني أنسى متاعب الطريق. وقفنا نستريح على حافة نبع غزير، وفلشنا "الزوادة" وبدأنا "الترويقة" اللذيذة التي كنا نحملها معنا وفيها من أطايب المأكولات القروية المعروفة. ونحن نتناول الفطور، فاجأنا "ناطور" المنطقة وحاميها، وللناطور في تلك الأيام سطوة ومهابة فسلم علينا: "عوافي يا شباب"، فرد العم جرجس التحية بأحسن منها وقال للناطور: "إننا ذاهبون إلى المغيري لزيارة انسبائنا من آل البعيني. ابنتي زوجة احدهم." ارتاح الناطور كون عائلة البعيني معروفة جداً في تلك الأنحاء ولها احترام كبير. جلس إلى جانبنا يحدثنا عن مغامراته وأحوال المنطقة وتأثيرات الحرب وما ينقص الأسواق من المواد المستوردة. تابعنا نحن الأربعة طرقنا إلى غابات لاسا وبعض المزارع الصغيرة إلى أن وصلنا بعض الظهر إلى المغيري، فسرّ الأهل بوصولنا وكانت فرحة اللقاء بادية على الوجوه.