العدد السادس والعشرون - أيلول

العلمانية بين سلطة الدولة وسلطة الدين (2/2)

د. عاطف عطية
الخميس 20 أيلول (سبتمبر) 2007.
 

د. عاطف عطيـّه

معهد العلوم الاجتماعية

الجامعة اللبنانية

في العدد الماضي، عالج الكاتب بعض الإشكالات، أهمها العلمانية ومفهوم تشكيل السلطة وأصلها وغيرها من المواضيع. في هذا العدد، يطرح الكاتب مقولة "الإسلام دين ودنيا" ويقارنها مع مقولة الإسلام دين ودولة مظهراً الفرق بين السلطة الدينية والسلطة السياسية. أيضاً، يتساءل الكاتب عن مدى إمكانية نشوء الدولة المسلمة الحديثة، وبالتالي عن إمكانية نشوء الدولة الاسلامية الحديثة. 

- 5 -

الاسلام دين ودنيا. هذا ما آمن به المسلمون منذ بداية الاسلام حتى الآن. وهذا ما أقره الدارسون، عرباً وغير عرب، من خلال مقارباتهم للدين الاسلامي والحضارة الاسلامية.

ولكن إذا كان الاسلام ديناً ودنيا، فهل يعني ذلك أن الاسلام دين ودولة؟ وهل هذا يعني أن الاسلام لا يكتمل إلا بنظام سياسي يطبق الشريعة الاسلامية، ويحكم باسم الدولة الدينية؟

  إن العلاقة بين الاسلام والسياسة هي علاقة إشكالية لا تزال تشكل محور اهتمام المفكرين العرب والمسلمين، إن كان على مستوى العلاقة بين الاسلام كدين وبين السياسة، أو على مستوى العلاقة بين الدين والدولة أو بين السلطة الدينية والسلطة السياسية. لقد كان الهم الأساسي، ولا يزال، هو كيفية بناء دولة ديموقراطية حديثة مع الحفاظ على المقاصد الأساسية للدين، أو كيفية المواءمة بين الاسلام كدين وحضارة، ومفاهيم تتبناها الدولة الحديثة من مثل: الديموقراطية والمساواة في الحقوق والواجبات وفصل الدين عن الدولة والعلمنة والعدالة وغيرها من المفاهيم.

  ليس علينا في هذا المقام أن نتعرض لإشكالية العلاقة بين الدين والدولة، لأن هذه المسألة تعرض لها الكثيرون من المفكرين، وقدموا الأطروحات حول هذه العلاقة، أولاً؛ ولأننا هنا، وفي مجال هذا المقال، نحاول البحث في إشكالية العلاقة بين السلطة السياسية والسلطة الدينية، وفي الحدود التي يتيحها هذا المقال، ثانياً؛ دون ادعاء الاحاطة بالموضوع من جوانبه كافة.

   هذا الكلام يسمح لنا بالقول أن ثمة أكثر من الاندماج أوالفصل في العلاقة بين السلطة السياسية والسلطة الدينية. إذ أن أشكال العلاقة بين السلطتين خمسة. فإذا كان الاندماج أحد هذه الأشكال، والفصل الشكل الثاني، فإن بقية الأشكال تتراوح بين التحالف والإبعاد والانكار. وإذا كان التحالف سائداً في الأكثرية الساحقة من البلدان العربية والاسلامية دون تحديد واضح لأسس هذا التحالف أو عناصره، فإن الفصل أو الاستقلال بين السلطتين غير موجود فعلياً. ما هو موجود يظهر شكل الإبعاد "من فوق"، كما هي الحال في تونس وتركيا بتبنيهما العلمنة الشاملة المبعدة للدين عن التدخل في شؤون السياسة، وفي شؤون الأحوال الشخصية المدنية والدنيوية. إلا أن هذا التبني بقي محصوراً في دائرة اهتمامات الدولة ومؤسساتها، وشبه معزول عن نبض الحياة اليومية والممارسة العملية للمجتمع بهمومه وهواجسه وقضاياه.

  إن الحديث عن السلطة السياسية والسلطة الدينية يقتضي منا البحث في غايات ووسائل كل من السلطتين. فإذا كانت السلطة السياسية تعمل في الوجود من أجل سعادة الانسان، فإن السلطة الدينية تعمل بالايمان بما هو خارج الوجود، وسيلتها الطاعة للأوامر الالهية من أجل كسب الآخرة بتوسل العمل الصالح في الدنيا. من هنا، تجمع الدنيا بين السلطتين، ويحصل التفاعل الذي يقوم على مقولة الدنيوية التي تراها كل سلطة حسب مقتضى وجودها ومصلحتها.

  من المهم التأكيد أن الشكل الاندماجي يجعل السلطتين الدينية والسياسية وكأنهما سلطة واحدة، ذلك أن الدولة تظهر بثوبها السياسي وسلاحها وتشريعاتها اللابسة لبوس السياسة بروح ومضمون دينيين. ولا فرق فيها بين كونها دولة دينية أو دولة سياسية تسود فيها الشريعة نصاً وروحاً؛ ولا شأن للدولة، كجهاز، إلا حراسة الشريعة الدينية ومراقبة حسن تطبيقها، باعتبارها المصدر الالهي الوحيد، وما يرتبط به من ضروب التشريع الأخرى.

  أما الشكل التحالفي، فهو بالاضافة إلى كونه السائد عملياً وتطبيقياً في الكثير من البلاد التي تدين بالاسلام، يلحظ الفرق بين السلطة الدينية والسلطة السياسية مع وجود التحالف بينهما في كل ما يخدم توجه السلطة السياسية من ناحية، وما يخدم غايات السلطة الدينية من ناحية ثانية. والعلاقة بين السلطتين في شكلها التحالفي هي دائماَ في حالة رجراجة، كرقاص الساعة، لا تستقيم على حال بحكم العلاقة ذاتها المتغيرة في الأساس، باعتبارها سلطة زمنية سياسية تضعف أو تقوى، من ناحية؛ وسلطة دينية تضعف أو تقوى بشكل معاكس للسلطة السياسية، من ناحية ثانية. وما يعنيه هذا القول، أنه إذا قويت السلطة السياسية، تطلب الدعم والفتوى من السلطة الدينية لترسيخ القرارات وتثبيتها وإضفاء "الشرعية" عليها؛ وإذا قويت السلطة الدينية تضعف السلطة السياسية وتحصل التبعية من هذه إلى تلك، ويميل الحكم السياسي إلى الفردانية والشمولية قبل أن يتحول إلى نظام الدولة الدينية والحكم الالهي، وقبل أن يحكمها التعصب الذي يطغى على أي شيء آخر.

  أما شكلا الإبعاد والإنكار، فهما حاصلان في النظام الايديولوجي الذي عليه أن يطبق مشروعاً حضارياً وسياسياً يؤمن به هذا النظام. وشكل العلاقة هذا إما يكون الانكار التام باعتبار أن السلطة الدينية معطلة للمشروع الحضاري وخطرة عليه، كما كانت الحال في الاتحاد السوفياتي؛ أو الابعاد باعتبار أن السلطة الدينية معرقلة لمشروع العلمنة الشاملة كما حصل، ولا يزال يحصل، في تركيا.

  يبقى شكل الاستقلال، أو الفصل، بين السلطتين الدينية والسياسية، وهو الشكل الذي يختلف بشكل واضح عن شكلي الإبعاد والإنكار، ويقترب من شكل التحالف. إنه تحالف مع حفظ الحدود. لكل سلطة ميدانها مع لحظ إمكانية التعاون بينهما لما فيه المصلحة العامة للمجتمع، دينية كانت هذه المصلحة أو سياسية.

- 6-

  تأسيساً على إشكالية العلاقة بين سلطة الدولة وسلطة الدين، يمكن القول أن الدولة في الغرب لم تكن دولة حديثة عندما لم ينوجد هذا الفصل الدقيق بين السلطات، وخصوصاً الفصل بين السلطة السياسية والسلطة الدينية، أو بين السلطة السياسية والسلطة العسكرية. لذلك، كان الفصل واضحاً بين الدولة التقليدية والدولة الحديثة في الغرب، وخصوصاً الأوروبي منه. وقد أسس لهذا الفصل عصر الأنوار والثورة الفرنسية ونشوء الرأسمالية؛ وهي المحطات الرئيسة التي أرست دعائم الحداثة.

  إذا كانت الدولة الحديثة في الغرب قد نشأت بناء على هذه الاعتبارات التاريخية التي اختص بها الغرب، فكيف يمكن النظر إلى الدولة التي تدين بالاسلام؟

   من نافل القول التأكيد أن الاعتبارات التي أدت إلى نشوء الدولة الحديثة في الغرب لم تعمل على إنشاء الدولة الحديثة في العالمين العربي والاسلامي فحسب إذ ليس عليها أن تعمل على إنشاء مثل هذه الدولة، وليس بمقدور هذه الدولة أن تنشأ لاختلاف الظروف والوقائع الاجتماعية والتاريخية لكل من العالمين العربي والاسلامي من ناحية، والعالم الاوروبي، من ناحية ثانية؛ بل إن أنوار العالم الاوروبي ما كان لها أن تشع، وثورته الصناعية ما كان لها أن تغيّر، وحداثته ما كان لها أن تحوّل نمط الحياة في أوروبا، لولا استعمار العالمين العربي والاسلامي، وعوالم أخرى متشابهة في أنماط حياتها، وفي وقائعها الاجتماعية والتاريخية، وفي حالتها التقليدية السابقة على الحداثة بالمعنى والمقياس الاوروبيين، وبمعنى السيطرة على الذات اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً وثقافياً في العالمين العربي والاسلامي. فالعلاقة غير المتكافئة بين هذه العوالم المختلفة أنتجت مجتمعات هجينة لا هي بالحديثة ولا بالتقليدية، مجتمعات اكتفت بما أنتجته الحداثة في ممارساتها الاستهلاكية اليومية، وأبقت المضمون غارقاً في تقليديته الحائرة بين هذا القدر أو ذاك من التراث والتقليد ومن العصرنة والتجديد.

  في هذا المناخ التاريخي نشأت الدولة المسلمة في العالم العربي، وخارج هذا العالم. والدولة المسلمة هي التي ينص دستورها على أن دينها الرسمي هو الاسلام. بهذا المعنى، الدولة المسلمة هي ليست دولة إسلامية، بينما الدولة الاسلامية هي دولة مسلمة في الأساس. وبهذا المعنى أيضاً، يمكن أن يكون نظام الدولة المسلمة وضعياً، أي من صنع البشر وإن كان يستمد بعض قوانينه من الشريعة الاسلامية أو جلها؛ والدولة الاسلامية تستند في نظام حكمها على الشريعة الاسلامية بصفته هذه، وباعتبار أن الله هو المرجع النهائي في الحكم.

  هذا التحديد يسمح لنا بالتساؤل عن إمكانية نشوء الدولة المسلمة الحديثة، وبالتالي عن إمكانية نشوء الدولة الاسلامية الحديثة.   

  هذا التساؤل يضعنا في مواجهة مباشرة مع الدول العربية وغير العربية التي تدين بالاسلام دون أن تكون أنظمتها اسلامية بالمعنى المذكور أعلاه. والمواجهة هذه تحتم علينا البحث في إشكالية العلاقة بين الدين والدولة في هذه الأنظمة من ناحية، وبين الدين والدنيا من ناحية ثانية. وهنا، لا بد من التأكيد أن أكثر البلدان العربية والمسلمة تعلن عن دينها الرسمي في دساتيرها دون أن يعني ذلك أن نظامها السياسي هو نظام إسلامي، أو يطبق الشريعة الاسلامية في نظامه السياسي باعتبارها المصدر الوحيد. هذه البلدان تعتمد في أكثريتها الساحقة أيضاً على أنظمة وضعية ومستمدة من التشريع البشري، وإن كانت تستلهم بعض التشريعات من الشرع الديني والحكم الالهي. هذه البلدان مهيأة مثل غيرها لأن تعتمد الحداثة، ولأن تكون الدول التي تحكمها حديثة. والتاريخ يطلعنا على أن العرب كانوا في قمة الحداثة في القرن الرابع للهجرة مع القرون التي تلت. كما يمكن اعتبار ماليزيا وإندونيسيا وغيرهما في الشرق الأقصى دولاً حديثة. إلا أن اختلاط الأمور في مصادر التشريع، وفي أنظمة الحكم، المتأتية من الاختلاط بين أمور الدين وأمور الدنيا، ومن عدم وضوح الحدود بينهما في البلدان التي تدين بالاسلام؛ بالاضافة إلى أمور أخرى، أتينا على ذكر بعضها آنفاً؛ أدت إلى عرقلة نشوء الحداثة عندنا، ومنعت، حتى الآن،  نشوء الدولة الحديثة، عربية كانت أو مسلمة. وهنا تندرج المسائل التي تتعلق بأمور التطاول على الدين، أو القول بغير ما يقول الدين، أو الاتهامات بالكفر والردة وأحكام التطليق والتجديف، ومن هم أصحاب الفصل في ذلك، وغيرها من الأمور. هذا بالاضافة إلى المسألة السياسية، واعتبارات المصلحة التي تربط بين أصحاب السلطة السياسية والسلطة الدينية، وما يمكن ان تصل إليه هذه الاعتبارات في العلاقة بين الدولة والمجتمع، أو بين الدولة وفئات محددة من المجتمع.

  أما الدولة الإسلامية بمعنى الدولة التي تطبق الشريعة الإسلامية، كنظام حكم، على الأقل في تجليات الأنظمة التي تصرح بأنها إسلامية: نظام طالبان الذي حكم في أفغانستان، ونظام الحكم في السودان، وغيرهما... فمن السهل الحكم عليها بأنها لا تقترب من الدولة الحديثة، إن كان بمقياسها الغربي، أو بأي مقياس آخر.

- 7 -

بالنظر إلى إمكانية قبول الإسلام للعلمانية، أو لأمور الدنيا باستقلال عن الدين، يناقش العلمانيون الأصوليين في مسألة التناقض بين قولهم أن الإسلام دين العقل من ناحية، واستحالة أن تكون الدولة في ظل الإسلام علمانية. وفحوى هذه المناقشة هي المقارنة بين الفكرتين الآتيتين:

  الإسلام يقدم المصلحة على النص، أي يقدم العقل على النقل؛ وهي فكرة دنيوية (علمانية) في الأساس؛ والإسلام بطبيعته لا يسمح لأية اعتبارات مصلحية أو عقلية أن تبطل الاعتبارات الدينية النابعة منه، ومنها: الإسلام دين ودولة. ولا يستقيم الأمر هنا إلا بإلغاء إحدى الفكرتين المتناقضتين.

  وبما أن الإسلام دين العقل، وبما أنه يقدم المصلحة على النص، فيمكن، بسبب ذلك، أن تقوم الدولة العلمانية (الدنيوية) في الإسلام إذا اقتضت المصلحة ذلك.

  وهنا لا بد من التوضيح ذلك أن قوانين الدولة المتطابقة مع الشريعة لا تكفي لتكون هذه الدولة دولة دينية غير علمانية، أو غير دنيوية. فالأساس الذي يقوم عليه التشريع هو الذي يقرر إذا كانت الدولة دينية أو علمانية. وهذا الأساس هو إما الاعتبارات الدينية، أو الاعتبارات العقلية (الدنيوية). وعليه، فكل دولة تعتبر زمنية علمانية إذا كانت أحكامها مستمدة في شتى شؤون الحياة من العقل لا من الدين، حتى وإن كانت أحكامها بأكثريتها متطابقة مع الشرع الديني.

  انطلاقاً من هذا التحديد، يمكن العمل على بناء العلاقة بين السلطة الدينية والسلطة السياسية بدءاً من موقع التحالف، كمرحلة أولى، وصولاً إلى موقع الاستقلال لكل من السلطتين تجاه الأخرى. فالتحالف بـيّنَ ويـبيّن، بالتجربة والممارسة، مدى كثافة ضبابية الحدود بين السلطتين. ولا يستفيد من تجربته، ولا من خبرته، لينتقل، كتحالف، من ضبابية العلاقة واختلاط المهام والغايات، إلى البدء في رسم حدود الممارسة لكل من الحقلين لتصل هذه العلاقة إلى إظهار ما هو ديني، وما هو دنيوي، ليمارس كل منهما سلطته دون طغيان أو هيمنة من الآخر عليه، فيكون الدين والسلطة المنبثقة منه، في خدمة المجتمع بما يقوم به من نشاط روحي وأخلاقي، ومن تمتين العلاقة بين المؤمن والخالق، وتكون السياسة في خدمة المجتمع بما تقوم به على صعيد قيادة حياة الناس في مجاري حياتهم اليومية باعتبارها شؤوناً دنيوية، وإن استوحت في قيادتها ما تراه مناسباً من مبادئ الشرع الديني.

- 8 -

  هذا الانتقال الهادئ والمتأني من التحالف بين السلطتين الدينية والسياسية إلى استقلال الواحدة منهما عن الأخرى في شؤون الحياة اليومية، يعطي للسياسة الانفتاح الكامل لكل ما يتعلق بشؤون الدنيا دون تجاهل أو تجاوز الأمور الأخلاقية والروحية، ويعطي للدين الاهتمام بالمسائل الأخلاقية والروحية دون تجاهل أو تجاوز الأمور السياسية باعتبارها شؤوناً دنيوية يمكن ممارستها، وليس باعتبارها تكليفاً شرعياً أو دعوة للحكم الإلهي.

 

كادر:

-  الهم الأساسي هو كيفية بناء دولة ديمقراطية حديثة مع الحفاظ على المقاصد الأساسية للدين

-  الدولة المسلمة هي ليست دولة إسلامية بينما الدولة الإسلامية هي دولة مسلمة