العدد السادس والعشرون - أيلول

الطائفية عرضٌ للداء والدواء

ميشيل منصور
الخميس 20 أيلول (سبتمبر) 2007.
 

وجد الدين لتشريف الحياة وإصلاح الفرد في مجتمعه، وهو وسيلة لخدمة الإنسان وغايته الإنسان نفسه من أجل ارتقائه هو مع الآخر.

في سؤال سعاده:ما الذي جلب على شعبي هذا الويل؟... يجد المطالع أن الطائفية كانت من الأمور الظاهرة والأساسية التي وضعها سعاده في مقدمة درسه للأسباب التي تعيق النهوض القومي وبعث الأمة السورية من جديد في سلم الحضارة، ويعتبر سعاده أول من دق ناقوس الخطر لهذا المرض الاجتماعي الوبيل فأشار إليه في كل فرصة سانحة بعد أن شخصه كالطبيب الذي يبحث عن العلاج وقد أوجد العلاج حقاً فقام بمحاربة التعصب الديني بالقلم وبالعمل فهو هو الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي خرج من رحم الأمة، يعبر عن إرادتها ومواهبها إنه البرهان القاطع على إمكانية التخلص من العصبية المذهبية المقيتة.

وبنظرةٍ عميقة لعمق الأديان في المنابع الأخلاقية الأساسية التي انطلقت منها متجردين من تفاصيل البيئة والزمان نجد أن نظرتها واحدة ومشتركة في معايير الحق والخير والجمال، وبعبارة أخرى إننا لا نجد ديناً يدعو إلى الشر والفوضى والفناء وعدم قبول الآخر ولا نرى بالإنجيل وبالقرآن تخصيصاً لإنسانٍ عن آخر اللهم فيما عدا ذلك اليهودية المتعصبة لنفسها وإلهها فكيف ينبذ اليهود التعصب وهم يؤمنون بأن الله لهم وحدهم وسائر الأمم الأخرى غوويم أي بهائم خلقها الله بصورة بشر حتى لا يتفزز اليهود منهم.

الرسل والأنبياء لم يؤسسوا شيعاً وطوائف ولم يدعوا إليها بل قامت هذه الملل بعد رحيلهم الجسدي ويمكن حصر أسباب نشوئها إلى يلي:

* ـ الأول: ظهور التنافس القوي على كرسي الزعامة الروحية وما له هذا المنصب من قوة روحية ومادية وتحكم صاحبه بالسياسة لزمن ليس بالقليل حصل هذا التنافس في السميحية بين زعامتي القسطنطينية وروما هذا التنازع الذي أدى إلى الانقسام المسيحي الكبير بين الشرق والغرب، وهذا أيضاً نجده فيما يتعلق بكرسي الخلافة المحمدية، وقد كلف موضوع كرسي الزعامة الروحية الكثير الكثير.

* ـ الثاني: الاختلاف في تفسير بعض الآيات وتأويلها، الذي جعل الجماعة الدينية تنقسم فكرياً إلى فرق ومجموعاتٍ لها زعمائها الروحيين، من مثل ذلك الخلافات المسيحية اللاهوتية التي عرفها القرن الخامس حول شخصية المسيح (ناسوته ولاهوته)، فانقسموا إلى الفرق التالية أتباع المذهب الخلقيدوني القائل بالطبيعتين وهناك المونوفيستيون أتباع الرأي القائل بالطبيعة الواحدة وهم في غالبيتهم من سكان الأجزاء الشرقية من سوريا كما كان النساطرة والاسم من نسطوريوس بطريرك القسطنطينية الذي كانت له آراء خاصة بألوهية المسيح وإنسانيته، أشتعل التنافس الفكري المتعصب إلى حد التطاحن وأشتد اضطهاد البعض للآخر مع أن بعض كبار الباحثين يرى أن الخلافات كان من الممكن أن تحل بالمناقشة الهادئة واعتماد الألفاظ الدقيقة أو بعد جعلها دقيقة لتتفق مع المعاني الجديدة التي حملتها، لكن القضية لم تكن قضية خلافات فكرية فحسب، بل كانت هناك أطماع ومنافع فضلاً عن خلافات مجتمعية.

بالعودة إلى القرآن والإنجيل نجد أنهما لا يدعوان إلى الانقسام ونبذ الآخر أياً كان ولعمري لم تصطدم الطوائف فيما بينها يوماً إلا كان الأمر من ورائه سياسياً سلطوياً أو مرتبط بأيدي خارجية لها المصلحة الأولى في ذلك، إن خطورة الطائفية هي في فعاليتها في تجزيء الروحية القومية، ومدى الخدمات الجليلة التي تقدمها للاستعمار لذلك كان تشديد سعاده في هذا الأمر وأضح المعالم، عنيفاً، مركزاً.. فقام بفضحها وبين مدى تلازمها كأداة قاطعة بيد الاستعمار في مسلخ التجزئة المادية والروحية، يعلمنا سعاده أن العصبية الدينية تنزل الأقوام دون المستوى البربري دركات لأن الأقوام البربرية نفسها تعرف كيف تحافظ على وحدة صفوفها، وتقدس الروح التي تجمع الكل في المصلحة العامة ولأن الأقوام البربرية نفسها تدرك ما تقصر عن إدراكه هذه النفوس المريضة المتعصبة دينياً.

ونحن السوريون لنا في تاريخنا القديم قبل ظهور الديانات التوحيدية أمثلة على تسامح ومرونة مؤسسات العبادة الذي يدل على النضج الاجتماعي فإلى جانب الإله الرئيسي الذي اختار الفرد تعظيمه والدخول في عبادته، فإنه يقوم في الوقت نفسه بتبجيل آلهة أخرى والمشاركة أحياناً في طقوسها وهو عندما يرحل من مكان إلى آخر فإنه يقوم بتقديم الفروض الدينية لآلهة الجماعات التي يحل بينها، مؤمناً بأن كل العبادات تملك من الحقيقة والمشروعية لعبادته ولعبادات الآخرين حيث كان إنسان الحضارات القديمة حراً في التنقل بين العبادات المختلفة، نقرأ في نص للملك الآشوري شلمنصر الثالث (القرن التاسع ق.م) يصف حملته على مناطق غربي الفرات في سورية: ثم غادرت الفرات نحو حلب التي خاف أهلها وخروا عند قدمي، فتلقيت منهم الجزية وقدمت قرباناً إلى هدد حلب، من حلب توجهت إلى مدن أرخوليني ملك حماة... هذا كان في الزمان الساحق أيام تعددية الآلهة أليس الأجدى بنا نحن الآن إلغاء الطائفية والمذهبية عنا في زمن الإله الواحد الشامل، أما الخلط الفلسفي بين الدين والقومية وبين الدين والأمة وعمل الدين في السياسة كل هذا قط حط من قيمة الدين وفسخ الأمة يقول سعاده بأن أعظم تفسخ تصاب به الأمة هو الناتج من تحويل الطوائف إلى (أمم) بالمعنى الحرفي وتحويل الحزبيات المتعددة إلى قوميات تتضارب في الأهداف بين انفصالية تقلصية ضيقة خانقة واتصالية اتحادية منفلشة مشتتة، ليعلم الناس أن السوريين القوميين يحترمون معتقدات بعضهم بعضاً، ولا يخطر في بال أحد مدرك منهم أن يسفه مذهب غيره الديني، لذالك وضع سعاده في مبادئه الإصلاحية مبدأ فصل الدين عن الدولة ومنع رجال الدين من التدخل في شؤون السياسة والقضاء القوميين التي هي ليست من اختصاصهم وإزالة الحواجز بين مختلف الطوائف والمذاهب.

إن القومية الطائفية والوطنية الطائفية والحرية الطائفية والتقدمية الطائفية والإصلاح الطائفي والمحبة الطائفية واللاطائفية الطائفية وبقية الحزبيات الدينيية لا يمكن أن تقضي على هذا الوباء، إن التخلص من الحزبية الدينيية يكون بالتخلص من قضاياها القومية السياسية والحقوقية وليس بالتخلص من اللفظ فقط، وحدها القومية الاجتماعية هذا الدين الاجتماعي الذي بشرنا به سعاده وعرفناه داخل الحزب، تلك القومية الاجتماعية تستطيع أن تذيب الحواجز النفسية بين جميع المذاهب وتقضي على التعصب الديني إن العالم قد شهد في هذه البلاد أدياناً تهبط إلى الأرض من السماء أما اليوم فيرى ديناً جديداً من الأرض رافعاً النفوس بزوبعة حمراء إلى السماء.

وفي اعتقادي آن الأوان لرؤساء الهياكل من تعليم الناس ما كان قد يعلمه الأنبياء حقاً فيما لو عاشوا بيننا وعاينوا بشاعة التعصب الطائفي، ويحملون رسالة محاربة خطيئة التعصب الديني وجعلها موازاة لخطيئة الكفر وعصيان الله، فبما أننا قد عرفنا الإله الواحد الكامل بقي علينا أن لا نتعصب لجماعة ونببذ الأخرى ليكون إيماننا كامل والقومية الاجتماعية تدعوك عزيزي القارئ لذلك الإيمان الكامل إن سعاده الفكر والممارسة هو الطبيب فهيا إلى العلاج، أدخل إلى صفوف النهضة السورية القومية الاجتماعية وابني فيها نفسك بناءً سليماً عندها تولد من جديد.