العدد السادس والعشرون - أيلول

الإسلام والمسيحية نحو مجتمع أكثر أخوة ومحبة وتسامح(2/2)

الاب سهيل قاشا
الخميس 20 أيلول (سبتمبر) 2007.
 

الأب سهي قاشا

في الجزء الأول، تطرق الكاتب إلى الأعباء التي تثقل كاهل العلاقة بين الديانتين، سواء كانت تاريخية أو حاضرة. في هذا الجزء، يشير الكاتب إلى أهمية العيش المشترك، وذلك من خلال العلاقة التاريخية بين المسلمين والمسيحيين، والتثقيف المتبادل. 

 

ثانياً: العيش المشترك

نقسم الكلام هنا إلى قسمين: الأول حول الأحكام الإسلامية في حقوق المسيحيين (أهل الذمة) في الدولة الإسلامية منذ نشوئها في عهد الخلفاء الراشدين وما بعدها حيث كان المسيحيون يعيشون إلى جوار المسلمين. أما القسم الثاني، فهو الحاضر الذي نعيشه اليوم مع إخواننا المسلمين في الوطن الواحد إذ لا بد من وقفة لإعطاء الموضوع حقه لأهميته.

 

أ-العلاقة التاريخية:

لقد سمح الخلفاء الراشدون ومن جاء بعدهم من خلفاء بني أميّة وبني العباس، استناداً إلى القرآن الكريم والأحاديث، بإعطاء الحقوق السياسية لكافة أهل الذمة (حرية الرأي، والاجتماع في كنائسهم ومعابدهم والقيام بشعائرهم الدينية وتبادل الآراء فيما يخص اختيار وانتخاب رؤسائهم الدينيين)، وما يترتب على ذلك من مناقشة أوضاعهم وحل مشاكلهم فيما بينهم بجو من الحرية التامة على أن لا يسيئوا استعمالها بإثارة الفتنة أو التحريض على العصيان أو الردة أو الدعوة إلى التشكيك في العقائد الإسلامية.

هذه الحقوق اقرها الإسلام لأنه سمح للمسلمين بمناقشة آرائهم الدينية وعقائدهم بالحسنى، إذ ذُكر في القرآن الكريم:

"ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن" (سورة العنكبوت :46). وقد اعترف الرسول (ص) بحقوقهم هذه وجعلهم على قدم المساواة مع المسلمين في الحقوق والواجبات فقال: "... فاعلمهم أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين". (الكاساني: بدائع الزهور ج7 ص1)

كذلك، أعطى الإسلام الحقوق الدينية لأهل الذمة في ممارسة شعائرهم الدينية مستوحين هذه السياسة من القرآن الكريم: "لا إكراه في الدين" (سورة البقرة: 256). ولقد سُمح لهم بإقامة شعائرهم وطقوس عباداتهم، ويتجلى هذا التسامح في العهود والمواثيق التي أعطاها الرسول(ص) والخلفاء والأمراء والقادة لأهل الذمة، إضافة إلى الحرية المطلقة في ممارسة هذه الطقوس في المدن والقرى، وإن اختلف الفقهاء في كيفية ممارستها وإقامتها.

كما بلغ اهتمام الرسول(ص) والخلفاء بمصالح أهل الذمة ورعاية حقوقهم والإشراف على أحوالهم حداً دفعهم إلى تمكينهم ومساعدتهم في أحوالهم المعيشية، فأباحوا لهم التمتع بموارد الدولة المالية ومرافقها العامة، ومشاركتهم للمسلمين بها. قال الرسول(ص): "الناس شركاء في الماء والكلأ والنار" (أبو عبيدة، الأموال)، وضمن لهم بذلك حصة من موارد بيت المال في حالة الحاجة والعجز لأنهم من رعايا الدولة الإسلامية. وقد اوجب الرسول على الخلفاء ضرورة الإشراف على أحوال الرعية، وان الإمام مسؤول عن رعيته، فقال: "كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راع ومسؤول عن رعيته" (الزيلعي في تيسير الوصول ج2. أخرجته كتب الحديث الخمسة عدا النسائي). كما أوصى القرآن الكريم بحسن معاملتهم إذ قال: "إن الله يحب المحسنين" (سورة آل عمران: 134).

وضمن الإسلام أيضاً حقوق أهل الذمة ومنحهم الحق في العمل والوظائف ضمن الدولة الإسلامية حيث لهم حرية العمل في الحياة الاقتصادية والمساهمة بالأعمال المختلفة التي يرغبونها من تجارة وصناعة وحرف كالمسلمين، إلا الربا فهي محرمة عليهم كالمسلمين. كما منعهم من بيع الخمور ولحم الخنزير في أمصار المسلمين أو إدخالها على وجه الشهرة والظهور، لكنهم يستطيعون بيعها في قراهم وأمصارهم فيما بينهم، ولو كان فيها مسلمون. (الرخي ج2 والكاساني ج7)

وقد أجاز الفقهاء مشاركة المسلم للذمي والعمل معه على أن يولى المسلم البيع والشراء والرهن مع أهل الذمة. (ابن القيم في الأحكام أهل الذمة)

وقد استخدم حكام المسلمين أهل الذمة في وظائف الدولة المختلفة مع العلم أنها ليست حقاً للفرد على الدولة إنما هو تكليف تكلفه به الدولة إذا كان أهلاً لها، وواجب يقوم به الفرد إذا عهد إليه بها (زيدان، أحكام الذميين). هذا بالإضافة إلى حقوق زوجة المسلم النصرانية، وحق السكن وحق الضمان، وحق الإرث وحق التقاضي وحق الكسب وغيرها، مع فرض الواجبات كالخراج والجزية والخرزة والعشور وغيرها.

ب-التثقيف المتبادل والعيش الأخوي

إن الكنيسة الكاثوليكية تنظر بعين الاعتبار إلى الإسلام، وتحضّ المسيحيين على أن يكتسبوا معرفة أوسع وتقديراً للدين الإسلامي، وهذا يهم رجال الدين خاصة والمرتبطين، بداعي عملهم الديني، بعلاقة وثيقة بالإسلام والمسلمين. تلك هي الخطوة الأولى للسير معاً على طريق العيش المشترك إن لم نقل اللبنة الأولى في أساس بناء مجتمع جديد تسوده المحبة والأخوة والتسامح.

من هنا، دعا المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، في وثيقته "عمل الكنيسة الرسولي"، إلى تثقيف الكهنة العلمي على "أن يتوافق مع طابع الكنيسة الجامع وطابع الأديان المغاير". هذا المبدأ ينطبق على جميع المواد المدروسة التي تعدُّهم لخدمتهم المستقبلية، كما ينطبق على سائر العلوم التي يفيد تدريسها لكي تنمو عندهم معرفة عامة للشعوب الإسلامية، وثقافتها ودينها، بشكل لا تشمل الماضي فقط بل الحاضر أيضاً، لأن من يريد أن يتصل بالآخرين، يجب عليه أن يحترم تراثهم وعاداتهم ويقدّرهم. هذه المواد التثقيفية يجب أن يضاف إليها، في البلاد المختلفة، ما يسهّل التعمق في تاريخ الشعوب ونظم مجتمعهم وعاداتهم، ومن اكتساب معرفة أوسع للنظام الأخلاقي والشرائع الدينية والمفاهيم التي كوّنت في تقاليدهم المقدسة حول الله والعالم والإنسان.

إن تطور العلاقات بين المسيحيين والمسلمين يمكنه أن يوضّح مدى تغير موقف الكنيسة، وتحوله من الاشتغال بالدحض والتفنيد، إلى التقدير والاعتبار.

لقد كانت حصيلة الآراء في الإسلام على مدى العصور الماضية والتي أقرت في الكتب والمنشورات المسيحية سلبية، كذلك في الكتب الإسلامية عن المسيحية. أمّا المجمع الفاتيكاني الثاني، خصّ المسلمين بكلمات تختلف في طابعها ومحتواها عمّا صاغته الأجيال السالفة، والعكس صحيح إذا ما قرأنا ما تحتويه أدبيات المسلمين الحديثة حول المسيحية والمسيحيين.

كذلك، صرّح المجمع الفاتيكاني الثاني بـ "أن الكنيسة تنظر بتقدير إلى المسلمين الذين يعبدون الله الأحد الحيّ القيوم، الرحيم القدير، خالق السماء والأرض، الذي وجّه كلامه إلى البشر، وأنهم يسعون في الخضوع بكل نفوسهم لأحكامه الخفية كما خضع إبراهيم لله الذي ينتمي إليه الإيمان الإسلامي بطيبة خاطر... وعلى ذلك، فإنهم ينتظرون يوم الدين الذي فيه سوف يبعث الله الناس ويجازيهم. ولذلك يشدّون على السلوك الأخلاقي ويعبدون الله خصوصاً بالصلاة والصدقة والصوم".

إن العناصر المشتركة في الإيمان والقيم بين المسيحيين والمسلمين يعتبرها المجْمع أساساً كافياً يبرر دعوته الموجهة إلى المسيحيين والمسلمين في أن ينبذوا جانباً شقاقهم وعداواتهم، ويسعوا إلى تحقيق تفاهم صادق بينهم، ويعملوا معاً على صون العدل الاجتماعي والقيم الأخلاقية ودعمها وعلى إقرار السلام والحرية لجميع البشر.