العدد السادس والعشرون - أيلول

الولايات المتحدة والهروب إلى الإمام

منال الربيعي
الخميس 20 أيلول (سبتمبر) 2007.
 

بعد تعدد الأسباب المعلنة وغير المعلنة لـ "المغامرة" التي قام بها الرئيس الأميركي جورج بوش تحت ذرائع واهية، ثبُت عدم صدقها وجدواها، إبتداءً من مقولة أسلحة الدمار الشامل المزيفة في العراق، إلى محاربة الإرهاب وصولاً إلى خلق فوضى خلاّقة تساهم في تحقيق الأهداف الآنفة الذكر، واستطراداً إلى إعادة إنتاج شرق أوسط جديد وبما يضمن مصالح الولايات المتحدة والحفاظ على أمنها القومي من أخطار تأتيها عبر المحيطات!

إن المتابع لمجرى الأحداث -التي تسبب بها الرئيس بوش في المنطقة- يلاحظ أن الرئيس الأميركي ينتقل من فشل إلى آخر حتى أضحى "الرئيس الذي يبحث عن حرب ليطفئ بها حرباً أخرى".

يعتبر العراق نقطة الإرتكاز المحوري للإستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط. ومع سقوط النقطة المحورية لهذا المشروع، نرى أن السياسة الأمريكية تتخبط في مشاريع عبثية تحاول من خلالها إنقاذ نفسها، فإذ بها تدور في حلقة مفرغة حيث حاولت:

أولاً: شقّت وحدة الصف الداخلي العراقي، وأنتجت مؤسسات سياسية مذهبية تقوم على المحاصصة الطائفية، وأدخلت مصطلح الحرب الأهلية في القاموس العراقي.

ثانياً: أخرجت الخطاب الطائفي من الداخل العراقي وزرعته في ذهنية وخطاب الدول العربية المجاورة وذلك من خلال تقسيم العالم العربي إلى محورين: محور الإعتدال العربي، ومحور المتطرفين في استبدال لتسمية محور الشر "قديم العهد".

ثالثاً: زودت بعض دول الخليج بترسانة ضخمة من الأسلحة المتطورة التي بلغت قيمتها 20 مليار دولار، وإقناعها لدول الخليج بأن ذلك سيحميها من النفوذ والمد النووي الإيراني، والحقيقة غير ذلك تماماً. إن المقصود هو تأمين وحماية أمن إسرائيل، وزع عقدة الخوف في نفوس العرب من جارتهم الفارسية، والتي ستكون إحدى الأسلحة المستخدمة في حال فشلت كل المساعي والمحادثات الآيلة إما إلى عقد صفقة أو تسوية ما في المنطقة، وإما كسب تأييد ودعم هذه الدول إذا ما وجهت ضربة عسكرية لإيران.

رابعاً: ربطت ملفات وأزمات المنطقة وأدخلتها في بازار التسويات وأسلوب الإبتزاز السياسي وغير السياسي.

  وهكذا، نلاحظ أن الأسلوب الأميركي القائم على مغازلة بعض الأطراف في ساحات معينة أو ترهيبها في ساحات أخرى وذلك تنفيذاً لسياسة العصا والجزرة المتبعة من قِبل الولايات المتحدة في هذه اللحظة السياسية المأزومة والعالقة بين فكي كماشة. فهي، من جهة، تتخبط في المستنقع العراقي وتحاول الخروج منه بأسرع وقت، ومن جهة أخرى تقترب من موعد الإستحقاق الرئاسي الأميركي وعنوانه الأبرز "العراق".

  لهذا السبب، نرى الرئيس جورج بوش يتخبط هو وأعضاء إدارته المتهاوية -والتي انفرط عقد معظم أفرادها- محاولين تحقيق أي مكسب أو نجاح على الأرض ليقدموه هدية لناخبيهم وللكونغرس الأمريكي.

من هنا، يعتبر تقرير منتصف سبتمبر الذي سيقدمه السفير الأميركي في العراق والجنرال بتريوس الآلية التي ستحدد مسار الإستراتيجية الأميركية في العراق في الفترة القادمة.

   لقد أيقنت أمريكا أن جذور الحل لا تكمن فقط في الداخل العراقي، إنما تمتد خارج الحدود لتصل إلى الدول المجاورة وبالتحديد إيران. فكان الطلب الأميركي من الإيرانيين بالبدء في محادثات مشروطة تخص العراق -قبل الطرف الإيراني بعد مماطلة وتسويف- في إجتماع شرم الشيخ وهي:

1. دعم حكومة المالكي.

2. مناقشة خطة للإنسحاب (تحديد الآليات).

3. شكل المفاوضات : "مباشرة" وليس عبر وسطاء.

  إنصاع الأمريكيون لهذه الشروط وبدأت المفاوضات بكثير من المدّ والجزر وعلى وقع الإتهامات المتبادلة بالإرهاب ومحاولات التخريب من كلا الطرفين، إلى أن ولدت اللجنة الأمنية الثلاثية فكانت الخطوة الأولى في طريق التعاون الأمريكي- الإيراني في العراق والذي ربما ستدفع السياسة الأميركية ثمنه في ساحات أخرى كلبنان.

  إلى ذلك، تزامنت هذه المحادثات مع دعوة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي إجراء نوع من المصالحة الوطنية عبر إشراك كافة الشرائح العراقية وخاصة الطرف السني الذي يضعف بمقاطعته حكومة المالكي ويجعلها عرضة للتغيير، وخاصة بعد الحديث عن محاولة تشكيل كتل وجبهات مناوئة يشترك فيها السنة والقائمة العراقية بزعامة إياد علاوي ومحاولة جر حزب الفضيلة أيضاً، فأتت هذه التحركات الإستباقية للمالكي لقطع الطريق على تلك المحاولات.

ويبقى الإنسحاب هو الخيار الأوحد الذي لا مفرّ منه، فما يطرح اليوم للتداول هو شكل هذا الإنسحاب وآلياته والمدة الزمنية اللازمة لذلك.

يأتي ذلك ضمن السياق الذي طرحته مؤخراً صحيفة نيويورك تايمز عن نية بوش الطلب بتخفيض عديد القوات الأميركية في الفترة القادمة وذلك بعد ترويج مقولة "التحسن الأمني"، وربط ذلك ببقاء القوات الأميركية لفترة تشمل ولاية بوش المتبقية على أقل تقدير. ويتزامن الكلام عن تخفيض عديد القوات الأمريكية مع الحديث عن تفعيل وإحياء دور الأمم المتحدة في العراق بعدما تمّ تجاوزه سابقاً ليشكل ذريعة للهروب من العراق وغطاءً للفشل الكبير أيضاً.

فهل تكون هذه محاولة للهروب للأمام؟ هذا ما ستجيب عليه الأشهر القليلة القادمة.

 

منال الربيعي

رئيسة جمعية الصداقة اللبنانية-العراقية