المرأة ما بين التجريد والتجسيد

العدد 4 - تشرين أول 2005 : هيام
الاربعاء 19 تشرين الأول (أكتوبر) 2005.
 

رؤية الرجل للمرأة، كانت دائماً، تدور ضمن لعبة التجريد والتجسيد بين الذي يلامسه بأصابعه وبين المتخيل.

تلك الرؤية، ما زالت تبدو قائمة، على تداخل عمليتي التجريد والتجسيد وبقدر ما تبدو هاتين العمليتين متضادتين، نرى بينهما تداخل مثير وعجيب، ربما كان الإنسان برمته محكوماً عليه بماهة المجسد والمجرد؟!.

الرجل الذي أغراه الطموح بالاقتراب أو بامتلاك المرأة المتخيلة المركبة وفق تصوره الذهني الصرف، المنسوجة من حاجاته النفسية، ورغباته المتناقضة، تلك الخارجة من أغلفة كتب الميثولوجيا والتحف الفنية القديمة ورموز الجمال والخصب (عشتار، أفروديت، فينوس، أو الطالعة من كتب التاريخ (زنوبيا، كليوبترا، سميراميس).

من كان هذا طموحه لا شك سيضيق ذرعاً، بتلك المتاهة، ليعطي خياله للمرأة المطلقة اللامحدودة المتخيلة بامتياز، الحاضرة في لا وعيه أيضاً بقوة الخيال فقط.

تلك المرأة التي يسقط عليها الشوق والتوق والحلم، يفتش عنها وحينما لا يجدها، يعتبر أن عدم وجودها، وعدم وجود ما يتخيله فيها مدعاة للأسى والكآبة.

هذا الحلم، هذا الخيال، يصطدم دائماً وأبداً بصخرة الواقع القاسية.

ويظهر الجسد، يطل ثقله وحضوره وكثافته ليستصرخنا لا تزهدوا بي أنا الحقيقة الحية، وما سواي إلا فكرة مجردة، غيباً، حلماً، أو وهم حلم أو وهم فكرة.

المجسد هو الحقيقة الوحيدة، الذي لا بد من العمل على الارتقاء بها، وإعادة صياغتها وتطويرها بأشكال مختلفة، هي كينونة الكائن البشري.

المرأة ليست فكرة، هي كائن محكوم بقوانين الطين، بقوانين الحياة والفناء مثلك تماماً أيها الرجل محكومة بحاجاتها وضروراتها تأكل وتشرب وتحيض وتلد، وليس لرائحة جسدها رائحة العطر الفرنسي.

كل من يخرج من مشيحة الحياة، لا بد أن يتلطخ بنواميسها وتحررنا لا يكون إلا وفق ماهياتنا. وما بين المجرد والمجسد، يكمن الفن تلك المسافة الفاصلة هي الملعب الحقيقي للمخيلة لتخلق نموذجها الخاص.

وكم ضللتنا بعض الحضارات بخلق أفكار تعمل على الهروب من المرأة المجسدة وباصطناع لهجة معادية لها، يظهر هذا الأمر لدى بعض الزهاد والمتصوفين، هذا الهرب من المرأة المجسدة يفسح المجال لحب ما ورائي يشكل أكمله تعويضاً عن الحالة الحقيقية وهي الحب الواقعي..

والأهم أن يكون النموذج التجريدي، هو الصورة الأكمل للمجسد دون انفصام ودون أن يلغي أحدها الآخر.