العدد السادس والعشرون - أيلول

في المقاومة العراقية

سالم موسى
الخميس 20 أيلول (سبتمبر) 2007.
 

لعل أبلغ وصف للمقاومة العراقية هو ما قاله أحد الصحافيين البريطانيين عام 2004 hard to fight،hard to find، hard to define أي "صعب أن تعرفها وصعب أن تجدها وصعب أن تقاتلها". وإذا كان ذلك الصحافي قد توجه إلى العراق من أجل كتابة تحقيقات عن المقاومة وإنجاز سبق صحافي، كما كان هو الحال في أفغانستان أو فيتنام أو فلسطين حيث ترتفع رايات المقاومة في دول صديقة وتفتح المكاتب وتنظم المهرجانات وتنشر في وسائل الإعلام أما في حال العراق، فهي فعلاً فريدة في التاريخ.

أولاً:صعوبة تعريف ماهية المقاومة والمقاومون

سؤال ما يزال يطرح بعد دخولنا العام الخامس على الاحتلال، والتاريخ لم يعثر على الجواب الشافي. نسمع البلاغات العسكرية الأميركية تتحدث عن 60 عملية يومياً ضد قوات التحالف وغالبيتها أميركية ثم تتحدث عن تراجع العمليات إلى 40 عملية يومياً ثم ارتفاعها مرة أخرى، وهكذا دواليك. من يقوم بهذه العمليات؟ لغاية تاريخه، ليس هناك من جواب أو اتهام محدد. نشاهد في بعض الأحيان شرائط فيديو عن تنفيذ عمليات ضد القوات الأميركية مرة تنسب لتنظيم القاعدة ومرات إلى كتائب ثورة العشرين أو إلى منظمات إسلامية أو قوات صلاح الدين وغيرها، وهي، جميعاً، لا تمتلك ناطق رسمي ولا مكتب إعلامي في أي دولة مجاورة أو في سائر أنحاء العالم.

كانت الولايات المتحدة الأميركية تتهم سوريه وإيران، وفي غالب الأحيان سوريه، بتسهيل مرور عناصر المقاومة عبر حدودها مع العراق، فحصلت اتصالات سورية-أميركية وزيارات لمسؤولين أميركيين إلى دمشق وجرى بحث لآلية مراقبة تلك الحدود، ووصل الأمر إلى اقتراحات تقنية لتشديد المراقبة. لكن الأسئلة التي لم تطرح على الأقل في العلن هي: إذا كانت سوريا تسهل مرور المقاومين، فمن هم هؤلاء المقاومون؟ ومن دربهم؟ ومن نظمهم وعبأهم؟ ومن موّلهم وأمرهم بالتوجه إلى العراق؟ هل أضحت المسؤولية هي على عاتق سوريه فقط لتسهيلها دخولهم وغابت مسؤولية إعداد المقاومين؟

بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات، "إكتشف" الأميركيون أن العبوات التي تنفجر بالآليات الأميركية هي إيرانية الصنع، ثم توسعت اكتشافاتهم ليتهموا إيران بتدريب المقاومين وإرسالهم إلى العراق، وشملت الاتهامات حزب الله اللبناني بإرساله مدرب لتدريب المقاومين داخل العراق! هل أصبح الإتهام مبنياً على وقائع أم على نوايا لتوجيهات سياسية معينة؟ هل أصبح القتلى الأميركيون عرضة للإتجار بإلقاء التهم نحو الفريق الذي تنوي الإدارة ترويضه أو ضربه أو ابتزازه؟

هذا فيما يخض المقاومة. أما عن الأعمال الإرهابية التي تختلط بالمقاومة وتثير إشكالات متعددة، تكمن الصعوبة بمعرفة من يقوم بالاغتيالات، ويفجر السيارات بالمدنيين بشكل شبه يومي، ويمارس الخطف والقتل، ومن له المصلحة في هذا الفلتان الذي بات أكيداً انه يؤسس لنزاعات مذهبية وطائفية وعرقية. هل تدخل هذه الأعمال في إطار المقاومة أم أننا نشهد خليطاً عجيباً قدر الله أن يبتلى هذا البلد به؟ وماذا عن المؤسسات الأمنية الخاصة وأعمال القتل التي ترتكبها؟ أمثلة كثيرة تدخل في باب تعريف المقاومة.

ثانياً: صعوبة العثور على جيوب المقاومة

في تجربة المقاومة الفلسطينية، كان هناك قواعد فلسطينية ومخيمات منتشرة ودول داعمة، وكانت إسرائيل تركز نشاطها على هذه المقرات للقيام بأعمال استخبارية وإرهابية ضدهم، في وقت كان طيرانها يغير على هذه المواقع انتقاماً من عمليات المقاومة. كان العثور على المقاومين سهلاً في تلك الفترة، أما في حال المقاومة العراقية فالعثور عليها صعب والدليل على ذلك قصف القوات الأميركية لمواقع اعتقدت أنها إرهابية فإذا بها تقتل مدنيين وتزيد من غضب العراقيين وحقدهم عليها، فتتعثر مهمة "تحرير العراق" أمام صعوبة العثور على المقاومة هل هي في خارج العراق. فهل نشهد قصفاً أميركياً لقواعد لمقاومة العراقية في سوريا وإيران إذا كانت موجودة؟ وإذا لم تكن موجودة، فأين يختبئون؟ هل هم في المدن مثل الفلوجة والقائم أو ما شابه؟

ثالثاً: صعوبة القتال

لقد اكتسب الجيش الأميركي خبرة كبيرة ما تزال أجيال القادة والضباط تورثها إلى الأجيال اللاحقة جراء حربه في فيتنام وقتال العصابات ضد الفيتكونغ، وقتال الدولة الداعمة التي كانت فيتنام الشمالية. كيف تسقط هذه الخبرة على العراق؟ وهل هناك حرب عصابات؟ والى أين يهرب فيتكونغ العراق؟

إن صعوبة قتال المقاومة العراقية (والإرهاب أيضاً) هي من دون شك ناجمة عن صعوبة تعريف المقاومة والعثور عليها وهذا ما يؤدي إلي تخبط غير متوقع في سلوك القوات الأميركية وصعوبة تحديد أفق لعملها أو بناء إستراتيجية خروج أو إستراتيجية بقاء لأول مرة تقع الولايات المتحدة بارتباك استراتيجي ناتج عن فقدان الارتقاب وبعد النظر نحو المستقبل القريب. لأول مرة تختلط السياسة بالإستراتيجية العسكرية، ولا نجد لدى القيادة الأميركية تصوراً واضحاً لما يجب القيام به. إن معظم الاستقالات التي شهدتها إدارة بوش، وأبرزها وزير الدفاع، ناجمة عن فقدان الرؤية لإدارة الوضع. كما أنها المرة الأولى التي تلجأ فيها الولايات المتحدة إلى تكليف لجنة شبيهة بلجنة الحكماء (بيكر-هاملتون) من الحزبين الديمقراطي والجمهوري للبحث في كيفية خروج الأمة الأميركية من مأزق العراق.

كيف نقاتل؟ لا احد في البنتاغون يعطي جواباً محدداً أو على الأقل جواباً شبيهاً بالجواب في حالة فيتنام. كيف نوقف القتال؟ لا يوجد تصور واضح لدى أي من القيادات.

من أوقع الولايات المتحدة بهذا المأزق؟ كيف تشكلت هذه المقاومة؟ هل يدرك الأميركيون شيئاً عن الباطنية؟ وهل الباطنية سياسية أو الأمنية لدى حلفائهم هي التي أدت إلى زجهم في هذا الآتون؟

إن فرادة المقاومة العراقية لا تعود إلى فرادة في الشعب العراقي، فكل شعوب العالم تقاوم الاحتلال وتكرس ذلك عبر التاريخ، لكن الظروف المحيطة بغزو العراق والأوضاع الداخلية لدول المنطقة أدت إلى بروز هذا النوع الجديد من المقاومة.