العدد السادس والعشرون - أيلول

أنظمة وحكومات "فاشلة"

علوان أمين الدين
الخميس 20 أيلول (سبتمبر) 2007.
 

أصدر مركز التنمية الدولية في الولايات المتحدة عام 2005، بمساعدة بعض المراكز الأخرى، تصنيفاً ضم سبعين دولة وضعها في خانة "الدول الفاشلة". فـ "بعد نظريتي الدول المارقة ومحور الشر وإعلان الولايات المتحدة حربها الإستباقية (والوقائية) على كل ما ترى أنه ينطبق عليها، خرج أحد مراكز الأبحاث الأميركية على العالم أخيراً بنظرية أخرى، مؤداها إعلان حرب من نوع جديد على ما أطلق عليه إسم الدول الفاشلة. والذريعة... أن هذه الدول شكلت في الماضي، وتشكل الآن وستشكل في المستقبل، رحماً لعلة الإرهاب بالمفهوم الأميركي ثم أنها، بسبب هذا الفشل، تقوم من حيث تقرر هي، أو لا تقرر، بتصديره إلى العالم." بعد ذلك، قام العديد من السياسيين والمحللين بإصدار الكتب والدراسات حول هذا الموضوع.

 ولكن، هل هذا يعني أن الفشل هو في الدول أو الأنظمة؟

 مع ملاحظاتنا على طريقة نشوء الدول في منطقتنا، إلا أن الخلل يكمن في الأنظمة التي تحكم هذه الدول، خاصة تلك التي تقوم بتبني سياسات غريبة عن واقع شعوبها وقضاياه. فإذا ما قمنا بإسقاط ما ذكر أعلاه على بعض دول الجوار، نلاحظ أن حكومات هذه الكيانات تخلّفت عن قضياها المحورية، وفقدت مصداقيتها الشعبية والقومية، وإرتهنت للخارج.

 وليس أدل على ذلك سوى الإجتماعات التي تقوم بها وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس من حين إلى آخر مع بعض أجهزة المخابرات العربية، والتي تظهر نتائجها على واقعنا قتلاً ودماراً في فلسطين، وتفجيرات متنقلة بقصد الفتنة في العراق لتخفيف الضربات عن قوات الإحتلال، والضغط والتهويل على الحكومة اللبنانية لإجهاض أي مبادرة أو حل للأزمة السياسية القائمة كي لا تنتهي على نحو لا تريده هي.

 وإلا كيف نفسر الإجتماعات التي تقوم بها بعض الأنظمة العربية مع العدو "الإسرائيلي" -علناً- غير آبه بمصير شعوبها وحقوقها، وأحياناً كثيرة باسم جامعة الدول العربية؟ ولماذا هذه "الفوضى الخلاقة" التي تضرب دولنا، من فترة إلى أخرى، والتي تصب في خانة مصالح الغرب بشكل مباشر؟ وما هو الهدف من تقديم التنازلات لـ "إسرائيل" وهي التي تعاني من أكبر أزمة وجودية حقيقية منذ تاريخ نشأة كيانها عام 1948 مع العلم أنها اللحظة المناسبة لإنتزاع الحقوق العربية المشروعة والمهدورة؟ وما هو الدافع وراء "تسخيف" النصر الذي حققته المقاومة في تموز الماضي 2006 على عدو ما برح يقاتلنا في أرضنا وحقوقنا وديننا؟ 

ليس هذا إلا من قبيل الهجمة الشرسة التي تتعرض لها دولنا لتدمير حضارة تضرب جذورها في التاريخ، والتي تم التخطيط لها قبل عقود من الزمن لإفراغ المناطق الغنية بموارد الطاقة من السكان. ففي العام 1974 قدم مستشار الأمن القومي السابق هنري كيسنجر إلى الرئيس ريتشارد نيكسون تقريراً بعنوان "مذكرة الأمن القومي 200"، ومن أهم إقتراحاتها وتوصياتها "أن النمو السكاني خاصة في دول العالم الثالث يعتبر تهديداً للأمن القومي للولايات المتحدة وحلفائها المقربين، لأن تزايد أعداد السكان في تلك البلاد سيؤدي إلى إستهلاك الثروات المعدنية هناك من قبل الشعوب إما عن طريق التطور التكنولوجي هناك أو بسبب الحاجة إلى إعالة الأعداد المتزايدة من السكان. وتفترض تلك الدراسة أن هذا الأمر يعتبر تهديداً للأمن القومي الأميركي وحليفاتها من الدول الصناعية التي تعتمد في بقائها وتطورها مستقبلا على تلك المواد المعدنية في تلك البلدان من العالم الثالث. وذكرت تلك المذكرة مجموعة من البلدان الأفريقية والآسيوية ومن بينها مصر التي أوصت بتحديد النسل فيها."

ما تجدر الإشارة إليه، الحديث عن المساعدات العسكرية الأميركية لـ "إسرائيل" بقيمة 30 مليار دولار والمقدمة على عشر سنوات، إضافة إلى بعض المساعدات أيضاً للدول "المعتدلة" في المنطقة لتكون درعاً في مواجهة التمدد الإيراني، وغطاء لتأمين انسحاب القوات الأميركية من العراق في حال تم ذلك خصوصاً بعد الضربات المنهكة التي تتعرض لها يومياً.

من خلال ما سبق، نسجل بعض الملاحظات.

أولاً: إن الولايات المتحدة الأميركية تمر بأزمة مالية ضخمة بسبب حربيها على أفغانستان والعراق، وهذا ما إستدعى زيادة في الاقتراض -الخارجي خصوصاً- لسد عجز الخزينة. ولقد أشارت الفايننشيال تايمز في مقال لها بعنوان "هل أميركا على وشك الانهيار؟" إلى أن "تقريرًا صدر مؤخرًا في الولايات المتحدة انتهى إلى أن الظروف الحالية في هذا البلد تماثل إلى حد كبير ما كان عليه الحال في روما القديمة قبل انهيارها". وقالت الصحيفة إن التقرير الذي وضعه المراجع العام ديفيد وولكر وجد أن التشابه يتضمن "تراجع القيم الأخلاقية والنشاط السياسي داخل الوطن، والثقة المفرطة في النفس، والمبالغة في إرسال القوات العسكرية إلى الخارج، وعدم شعور الحكومة المركزية بالمسؤولية في إنفاق الأموال". ونسبت الصحيفة إلى مصدر مسؤول القول "إن أميركا بحاجة إلى مليارات الدولارات لتحديث كل شيء من طرق وكباري ومطارات ومياه وصرف صحي وغيرها، وما انهيار جسر في مينيابوليس مؤخرًا إلا جرس إنذار."

ثانياً: إن خسارة "إسرائيل" للحرب لم تكن بسبب قلة التجهيزات أو سوء استخدامها أو قدراتها، بل الخلل الحقيقي يكمن في ضعف العقيدة القتالية لدى الجندي "الإسرائيلي"، وعدم ارتباطه بقضية وجودية كما هي بالنسبة إلى الشعوب العربية. والحال نفسه بالنسبة إلى شعب هذا الكيان، حيث أن حرب تموز أظهرت إلى العلن الفروق الطبقية داخل "إسرائيل" إذ طفت "المشكلة بين سكان الشمال والحكومة على السطح حيث ثبت لمواطني هذه المنطقة أن حكومتهم غير مهتمة بهم ولم تقم بواجباتها لحمايتهم، كما ظهرت المشكلة الإثنية العربية-اليهودية إذ أن سكان هذه المناطق (الجليل الأعلى) أغلبهم من عرب 1948، معظمهم محروم من التقديمات"، كما دفعت الحرب إلى "هروب أكثر من 200 ألف شخص -الرقم أكثر من ذلك بكثير ولكن السلطات "الإسرائيلية" أخفته- في هجرة معاكسة لعدم إقتناعهم بأن "إسرائيل" هي جنة الله على الأرض كما صوِّر لهم." في المقابل، كان المقاومون في الجنوب يسطرون ملاحم بطولية بصمودهم وقتالهم الشرس، علماً أن تجهيزاتهم هي أقل بكثير من تجهيزات الجندي الصهيوني.

ثالثاً: إن قدرة المقاومة بنقل المعركة من لبنان إلى الداخل "الإسرائيلي" -عبر المفاجآت- شكل نقلة نوعية غير مسبوقة، إذ أن "إسرائيل" تعودت على القتال خارج "أراضيها"، وهي خطة دأبت على إستعمالها بما يسمى بـ "الحرب الخاطفة". 

رابعاً: إن وقوف تحالف "قوس الاعتدال السني" مع الغرب وتابعيه في مواجهة قوى المقاومة والممانعة في المنطقة وإنقلابهم على المشاريع الوحدوية هو أمر غير مستغرب ولكنه ينم عن خوف حقيقي من تمدد صيغة المقاومة إلى الشعوب العربية المكبوتة، خصوصاً أن بعض الدول "المعتدلة" انتقلت -بسبب الغرائز الدينية- من موقع الدفاع عن العروبة والقضية الفلسطينية المحورية إلى جبهة الحفاظ على عروشها، وتهجين عقيدة جيوشها، والتحالف مع أعدائها التاريخيين.

خامساً: إن الخوف الحقيقي على المقاومة يبقى من "أهل البيت" الذين لا يقيمون -كعادتهم- وزناً إلا لمناصبهم ومراكزهم، والخوف أيضاً من قيام بعض أجهزة المخابرات العربية -المشكوك فيها- بـ "مغامرات" تخفي محاولات اغتيال لقادة وزعماء المقاومة الموجودين في لبنان وسوريه وفلسطين. هذا الإحتمال -في نظرنا- هو منطقي وجدّي خاصة بعد إعلان الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله عن أن صواريخ الحزب قادرة على الوصول إلى أي جزء من الأراضي الفلسطينية المحتلة، وإعلانه الأخير
-  خطبته في ذكرى الإنتصار الأولى- عن مفاجأة ستغير مجرى الحرب في حال قيام "إسرائيل" بأي "مغامرة" جديدة.

في الخلاصة، هذه الأنظمة مشكوك في شرعيتها، وهي تمثل وتنفذ مصالح الآخرين على حساب شعوبها الثائرة والتواقة إلى الحرية والإستقلال، وقيام الإنسان الجديد. لذلك، يجب على مواطني هذه الدول وعي وفهم المخاطر المحدقة بهم، وما ينتظرهم من مستقبل مسدود الأفق. من هنا، يبقى التكافل والتضامن ونبذ الطائفية المدخل السليم لحل الأزمات التي يحيط بأمتنا ومجتمعنا من أجل إجراء تغييرات ديمقراطية تعيد المعادلة إلى مسارها الصحيح، ويتم من خلالها تحديد العدو والصديق.

 

كادر:

- النمو السكاني في دول العالم الثالث يعتبر تهديداً لأمن للولايات المتحدة القومي وحلفائها.

- خسارة "إسرائيل" للحرب لم تكن بسبب قلة التجهيزات بل في ضعف العقيدة القتالية لدى جنودها.

- الخوف من قيام بعض أجهزة المخابرات العربية بـالتخطيط لإغتيال قادة المقاومة.