العدد السادس والعشرون - أيلول

دريد لحام يكرّم من حزبه

د. ماري شهرستان
الخميس 20 أيلول (سبتمبر) 2007.
 

برعاية وزير الثقافة الدكتور رياض نعسان آغا أقامت اللجنة الثقافية في المكتب السياسي الشامي في الحزب السوري القومي الاجتماعي بدمشق حفلاً تكريمياً للاستاذ الفنان دريد لحام في قاعة المحاضرات في مكتبة الاسد في 20/8/2007

وقد حضر الحفل السيد وزير الاعلام الدكتور محسن بلال والسيد نائب نقيب الصحافيين الدكتور صابر فلحوط ومندوب وزارة الثقافة السيد نزيه خوري, كما حضره الاستاذ الفنان دريد لحام والسيدة هالة البيطارعقيلته والمخرج الاستاذ خلدون المالح والفنان اسامة الروماني وكوكبة من المخرجين والفنانين والكتاب والادباء.

وقد ادار الحفل الدكتور نذير العظمة رئيس المجلس الاعلى في الحزب وشارك فيه:

 الدكتورة ماري شهرستان والاعلامية عائدة سلامة والمخرجان غسان جبري وريمون بطرس والزجالة فردوس نجار.

 

في الكلمات التي القيت تمت الاضاءة على مسيرة الفنان على مدى نصف قرن وعلى شخصيته الفنية والاجتماعية والسياسية.

 

وقد تحدث الدكتور العظمة عن الملامح الثلاث التي تشكل شخصية دريد الفكرية والفنية. فهو قد تعلم بالخبرة الميدانية وتثقيف الذات في التمثيل والتاليف والاخراج وان نجاح الفن يكمن في عمل الفريق وفي تضافر الصورة والسيناريو والرقص والغناء في معادلة عضوية واحدة، وأن رسالة العمل الفني تكمن في استكماله الشروط الفنية في بنية موحدة هادفة لا بالوعظ الأخلاقي المقحم على جمال البنية.

ودريد لم ينطلق من تكرار الآخر بل من إبداع صورة للذات الوطنية قادرة على التواصل مع العالم. فهو في تحولاته الدرامية في الشخصيات التي تقمصها، احتوى كلاً من الأنا القومية والآخر الإنساني. وضم المحلية والعالمية في معادلة فنية واحدة.

والشمولية عنده في الأنواع الدرامية لم تقتصر على الأشكال، بل تناولت البنية الدرامية لأعماله. ورغم خصوصياتها الفنية واختصاصاتها النظرية فهي ترتبط بقدرته على الأداء وتقمص الشخصيات. أبو الهنا المواطن الطيب الذي تحتجزه الحدود الزائفة فيتغلب عليها بالحب والعودة إلى طبيعة الأشياء والنفس. دريد الحالم بالعدالة والصداقة والحرية في عالم تحكمه القيود والسلاسل. ومعياره في ذلك كله هو القدرة على توصيل التجربة الإنسانية والرسالة الاجتماعية والوطنية إلى المتلقي بشروطها الجمالية والفنية ولتحدث الهزة في الفكر والنفس.

الملمح الاهم في شخصية فناننا هو المخزون الثقافي العميق الذي تدفق من فكره وفنه الدال على انتمائه وولائه إلى هوية حضارية قادرة على العطاء والابداع. فهو قد خاطب العين بسيناريوهات تنتمي إلى البيئة السورية ولغتها ولهجاتها اليومية وطرح قضاياها بالحوار والحركة والشخصية الحية في ساحات القرية والمدينة ومتحداتها الاجتماعية.

وتحدثت الدكتورة ماري شهرستان عن الاوسمة التي رصّعت صفحة الفنان منذ عام 1956 وصولاً الى الوسام التاريخي في الإباء القومي الذي استحقه من امته عام 2004 عندما وقف وقفة العز وتخلى عن سفارة النوايا الحسنة رافضاً مساواة المقاومة بالارهاب.

ثم اضاءت جوانب عديدة في مسيرته العائلية والعلمية والفنية بدءاً من طفولته وظروفها وتخرجه من قسم الكيمياء وتمثيله على مسرح الجامعة الذي كان المدخل الاول لولوجه عالم الفن وتخليه عن التدريس في الجامعة. ثم تناولت الاتحاد الخصيب مع الفنان الراحل نهاد قلعي الذي جسّد معه ثنائياً ناجحاً لم يعرف فن العالم العربي مثيلاً له إلى يومنا هذا حيث برز دريد لحام من خلاله فناناً بارعاً اضحك الملايين بمقالبه اليومية. وهو بسرواله وقبقابه الفولكلوري الدمشقي رسم شخصية ساخرة متمردة تنقد بشكل ٍ مبطن الاوضاع السياسية والاجتماعية بخفة ظل وعفوية وتتركنا وحدنا نخمن ما المقصود بـ"حارة كل مين ايدو اله". ثم تحدثت عن النقلة النوعية إلى المسرح وعن شراكته في التأليف من الاديب الراحل محمد الماغوط التي اثمرت مسرحيات وافلام عديدة.

 لم تكن مسرحياته درامية تقليدية أي انها لم تكن مركبة من مقدمة وعقدة وحل, بل هي مشاهد متتالية ترسم صوراً متناقضة- كوميدية من المجتمع وتسلط الضوء على اوضاع الناس وتنتقد موضوعات حساسة كهجرة الشباب والبيئة والبيروقراطية التي اخرت شراء الجرار مثلاً, كما في غربة,وتطرح مشكلة تعدد الزوجات وعمل النساء الريفيات المضني في الحقل, كأبو احمد الذي لم يسمح لزوجاته الأربعة التبرع بالعمل المجاني لبناء مدرسة ونشر العلم المحظور آنذاك وكانت عبارته الشهيرة "تبرشو"؟ ارجعوا إلى ورشة النافعة....كل ذلك كان يجري في دولة غربة المستقلة, ضمن مناخ عشق وطني لافت تبوح فيه الترانيم التراثية بالفرح والحزن وتعبر الرقصات الشعبية الرائعة عن فيض الاحاسيس الثائرة النبيلة حيث لاقت شهرة واسعة على المستويين المحلي والعربي لم تلقه أي عروض أخرى في تاريخ الحركة المسرحية العربية.

اما عن السينما:فكان الحديث عن عبد الودود في جميع ادواره. تحدثت الدكتورة عن الحادث الذي تعرّض له دريد على الحدود اللبنانية السورية وهو الملهم لفيلم الحدود حيث كانت  بوصلة الكيميائي السوري المسافر : حسٌّ قوميٌ صادقٌ, جسَّده في سيناريو لطيف عبّر فيه عبد الودود عن واقع وطن ٍ ممزق دون تعيين مكان أو زمان, او ذكر لمعاهدة سايكس بيكو مثلاً او غيرها, وكل ذلك بمفردات محكمة وبسيطة.

كما دخل قلوبَنا عمو ودود في فيلم  "كفرون" بشخصيته الافتراضية كحاجب المدرسة الذي طرح فيه قضايا مزمنة وهامة في مجتمعنا داعياً إلى التسامح ونادى من خلاله باحترام الطفولة بجميع ابعادها ضمن حوار فتي غنائي يتمنى المشاهد لو انه شارك فيه, اسعد اطفالنا واسعدنا ولا يزال منذ نصف قرن من عصرنا.  

اما الاعلامية عائدة سلامة فقد استهلت كلمتها بالتحية إلى التربويين التنويريين مضفية على فن الاستاذ دريد والراحل نهاد قلعي تكريماً رفيعاً فيه الاجلال والتقدير لدورهم في توعية الاجيال وإسعادهم. وتحدثت السيدة عائدة عن تمييز فن دريد لحام واستشرافه للمواضيع الاجتماعية في وقت مبكرز كما تحدثت عن دوره والاستاذ الراحل نهاد في السينما وعن نقل اللهجة الشامية إلى كل ارجاء العالم العربي المصدوم بالحداثة لكي يتم تطبيقها لاحقا بالمسلسلات التلفزيونية ذات البناء الاجتماعي الناقد والاحتجاجي الضاحك، لكنه يتغلغل عمقاً في البنية الاجتماعية ومصيرها أمام هجوم الحداثة الكاسح والارتباك الاجتماعي أمام أهم قيمه، أي علاقة الفرد بالجماعة في مجتمع يصحو على تكنولوجيا بحاجة إلى الوعي الجماعي والمبادرة الفردية كي يستطيع الصمود إزاء استحقاقات التحديث المجبر على مواجهته. ربما لم يكن دريد لحام متناغماً مع الشعارات الثقافية والسياسية في المراحل التي مرّ بها البلد ولكنه كان متجهاً ورأساً إلى الجوهر أي إلى المجتمع كمنتج للتصرفات الثقافية والسياسية وحاول إطلاق الصوت إليه هو نفسه، وهذا ما يفسر كم الاندماج مع القول اللحّامي إذا صح التعبير، فالناس في بيوتها هي المعنية الناس العاديون المتضررون والمنتصرون من العلاقة السليمة أو الخاطئة للفرد مع المجتمع، من هنا ليس لدى دريد لحام (في مسرحه وتلفزيونه) نهايات سعيدة بالمعنى المتداول للكلمة فالغصة هي سيدة الموقف، الغصة التي إذا استبدلناها بمعادل اجتماعي تصبح دعوة إلى العمل الصحيح أكثر منها دعوة إلى العمل الكثير، ففي ثنايا العمل اللحامي نجد الدعوة فائرة دوما إلى العمل والإنتاج ولكن النوعية هي الأهم في هذه الدعوة وهذا ما قادنا لتعريف العمل اللحامي ( دون نسيان الكبير نهاد قلعي) انه تعبير عن مواجهة مجتمع لأسئلة النهضة التي هي نفسها أسئلة الحداثة.

اما المخرج المرموق غسان جبري فتحدث وجدانياً وعاطفياً عن تجربته مع الفنان دريد لحام وانها كانت تجربة صعبة فيها الكثير من المعاناة وان شهرة دريد كانت نتيجة عمل دؤوب ومضني تضافرت فيه الموهبة مع الارادة والتحدي؛ فقد غنى دريد فابكانا ومثّل فاضحكنا, لي معه ذكريات لا انساها انه حجر الزاوية في الفن التلفزيوني والمسرحي والسينما السورية.

اما المخرج السينمائي الكبير الاستاذ ريمون بطرس فقد تحدث عن الحالة الشعبية التي حصلت حول فن دريد لحام سواء عند شباك التذاكر او من خلو الشوارع من المارة اثناء عرض مسلسلات دريد.