العدد السادس والعشرون - أيلول

د. أبي صعب: الأصولية المسيحية سبقت الإسلامية

والعولمة هي الانحلال التدريجي للدولة القومية
الخميس 20 أيلول (سبتمبر) 2007.
 

في ظل ما نعيشه من تخبط وفقدان للهوية وصراع أفكار وإيديولوجيات تعيق تقدم مجتمعاتنا، وفي جو يزيد من الإرتداد إلى الأصولية المتطرفة، الدينية خاصة، كان لـ "تحولات" هذا اللقاء مع د. مالك أبي صعب الأستاذ المساعد في دائرة التاريخ ومركز الدراسات الإسلامية بجامعة "ماك غيل" الكندية، والمحاضر في مادة التاريخ المعاصر (إختصاص المرأة المسلمة والحركات الإسلامية) الذي حدثنا عن تطور بعض الظواهر التي يشهدها عالم اليوم من خلال مقاربة تاريخية لهذه الأحداث.

هناك مأزق للثقافة العربية المعاصرة على اعتبار أن الحداثة مرتبطة بالولايات المتحدة والأصولية مرطبته بالعرب والإسلام على وجه الخصوص. ما رأيك في ذلك؟

لا يوجد ما يسمى ثقافة شرقية وثقافة غربية. من الجدير ذكره هنا، أن الأصولية نشأت في المجتمع المسيحي أولاً قبل أن تُعرف في الإسلام. على مر التاريخ، لقحت الأفكار بعضها البعض. وما تجدر الإشارة له هنا، أن الحضارة العربية أنقذت أوروبا بشكل كبير عندما مرّت بما يسمى "العصور المظلمة".

أنا من الذين يرفضون ربط الحداثة بالغرب والأصولية بالشرق، إذ لا يوجد تحديد واضح لما يعرف بـ "الحداثة". هل هي تفوق العقل؟ هل تعني العلمانية؟ هل الحداثة السياسية تعني فصل الدين عن الدولة؟ كل هذه التعريفات تؤكد على وجود عدد من المدارس الاجتماعية التي تقارب الموضوع من زاويا مختلفة. نحن لا نستطيع فصل الحداثة عن التطورات العالمية مثل الإقتصاد والشركات المتعددة الجنسيات والأصولية، هذا من ناحية. من ناحية أخرى، يرى بعض المفكرين الغربيين المعاصرين مثل جورج هارت بأن الأصولية أو السلفية الإسلامية هي امتداد للحداثة نفسها. برأي، الحداثة فشلت لأنها لم تستطع حل المشاكل الأساسية في المجتمعات.

هناك من يرى أن للعولمة وجهان، الأول ثقافي ولا يستطيع أحد رفض التطبع معه، والثاني إقتصادي ومرتبط بالولايات المتحدة تحديداً. هل أنت مع هذه الفكرة أم تناقضها؟

توجد عدة وجوه للعولمة. نحن مع عولمة تكسر الحدود وتفتح العالم على بعضه البعض، ولكن لا أحد يعرف، حتى الآن، الطريقة التي ستتشكل بها. طبعاً، هناك جانب متوحش من العولمة وهو الرأسمالية التي تلقى إعتراضاً شعبياً كبيراً حيث تشكل الشركات المتعددة الجنسيات رأس الحربة فيها. بالإضافة إلى ما سبق، لا يمكن لنا إغفال الحديث عن العولمة السياسية التي تعتبر على تماس مع ما يعرف بمبدأ السيادة، وهذا أمر خطير. على سبيل المثال، إنتخاب رئيس جمهورية في لبنان، مثلاً، يجب أن يحظى بقبول العديد من الدول الإقليمية والدولية. إضافة إلى العولمة السياسية، أصبح القضاء نفسه "معولم"، وخير مثال على ذلك تشكيل لجنة تحقيق دولية في قضية إغتيال الرئيس رفيق الحريري ونشؤ المحاكم الدولية المتعددة.

في ظل هذه العولمة المتعددة الجوانب، ألا يوجد تراجع للأفكار الشيوعية أو اليسارية وتقدم للأصولية كردة فعل على السياسات الغربية التي تتناول مجتمعاتنا؟

هناك إرتداد إلى الأصوليتين الدينية والفكرية، فبعض حملة الفكر الماركسي، مثلاً، يطالبون بالعودة إلى الأصولية الماركسية، والرئيس الأميركي نفسه هو أصولي متدين خاصة عندما يصرح في خطبه بأنه يتكلم مع الله. يعتبر من الأسباب الرئيسية وراء العودة إلى الدين في مجتمعاتنا المأزق الذي يتخبط فيه المشروع العربي، إضافة إلى فشل الحداثة ورفضها بالكامل من قبل بعض الأصوليات الدينية الإسلامية والمسيحية على حدٍ سواء. حتى ضمن الولايات المتحدة نفسها، توجد بعض العرقيات أو الأقليات التي ترفض الحداثة بالكامل كقبيلة "الآمش" مثلاً.

هل ما زال من الممكن قيام ما يعرف بـ "الدولة القومية" بعد كل التطورات التي نشهدها؟

برأي الشخصي، العولمة هي الانحلال التدريجي للدولة القومية، واليوم أصبح التفكير يمتد إلى "ما بعد الدولة القومية". هناك تطور في الأفكار، فالماركسية لم تعد هي نفسها وأيضاً الليبرالية، وهذا لا يعني التخلي عن الفكرة الرئيسية ولكن المقصود هو إيجاد أفكار جديدة تتواءم مع ما نعيشه اليوم. إن ما نشهده من تطور في فكرة "ما بعد الدولة القومية" يؤشر إلى مرحلة جديدة في العالم تلغي فكرة السيادة الوطنية أو الأمن وطني أو الأمن قومي لصالح الأمن العالمي خاصة بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر في الولايات المتحدة.

قد نطلق على بعض الدول صفة "الدولة المتعددة القوميات" أو صفة "الدولة الفدرالية"، ولكنها لم تعد دولاً قومية تبنى على مجتمع واحد ذات تاريخ وحضارة موحدة، وهذا أمر مشترك فيما بين دول الشرق والغرب.  

بما أنك محاضر في التاريخ المعاصر، كيف يتم تدريس "إسرائيل" وتاريخها؟

  لا تعتبر "إسرائيل" دولة في الشرق الأوسط بل هي إحدى الدول الغربية.

هل هناك من مجال للإستفادة من التاريخ العربي لإبتكار مشروع نهضوي جديد أو رؤية جديدة بعيدة عن السلفية الأميركية أو الأصولية الدينية ومقاومة لهما؟

 أتمنى ذلك، ولكن ما أراه أن العالم متجه إلى تعدد الثقافات. السائد اليوم عالمياً هو فكرة صراع الحضارات التي تلقى رواجاً كبيراً في أوساط المثقفين خاصة بين الحضارتين الغربية والإسلامية وغيرهما. ولكن هناك سؤال يطرح نفسه: هل الثقافة أو الهوية هي فعلاً عربية بمعنى ثقافة متبلورة وواضحة، وإذا كانت موجودة فما هو شكلاها؟ كذلك الأمر بالنسبة إلى اللغة.

 إن مقترح المشروع العربي يعود الى حوالي المائة سنة بدءاً بالكواكبي ومحمد عبده وصولاً الى طه حسين وغيره من المفكرين. عند التفكير بمشروع عربي جدي، يجب أخذ العولمة والتطورات التي حدثت بعين الإعتبار. ليس المطلوب "شرق أوسط جديد" أميركي، ولكن يجب أن تحدث بعض التغييرات والتعديلات على هذا المشروع.

نحن لا ننظر إلى الغرب بشكل شمولي بل يتم التفريق بين سياسية الحكومات وشعوب هذه الدول. إذن، لماذا هذه النظرة الغربية -الأميركية تحديداً- الموحدة تجاهنا؟

أريد أن أبدي ملاحظة هنا أن الغالبية العظمى منّا ينظر إلى الغرب نظرة شمولية واحدة وأصدق مثال على ذلك أحداث 11/9 إذ أن الكثيرين عبروا عن شعورهم بشكل غير إنساني. في المقابل، كان لهذه الحادثة أثر كبير على الداخل الأميركي حيث زاد الشعور الوطني والتمسك بالوطن. بالعودة الى السؤال، نعم كلٌ منّا ينظر الى الآخر على أنه كتلة واحدة.

من خلال تجربتك، ما هي نظرة الطلاب لنا كعرب؟ وما هو دوركم، كأساتذة، في تغيير أو تحسين هذه الصورة؟

بالنسبة للشق الأول من السؤال، تعتبر الجامعات شبه جُزر، فهي شبه منفصلة عن الواقع الخارجي. هنا، يستوقفني أمر مهم. عند وقوع أحداث 11/9، كنت أدرِّس في جامعة أوهايو، وما أدهشني هو عدم وقوع أي حادثة بالمطلق، مع العلم أن محيط الجامعة هو مجتمع يميني محافظ. بعد إتخاذ قرار الحرب على أفغانستان، تشكلت لجنة من الأساتذة للتخفيف من حدة التوتر، في حال حدوثه، بين الأميركيين والعرب أو المسلمين على خلفية الحرب. وللحق أقول، إن أغلبية الأميركيين، تحديداً، تعاطوا معنا بكثير من الإيجابية خلال تلك المرحلة، وقاموا بتأمين نوع من الحماية تمثل بمرافقتنا ضمن الجامعة أو السهر معنا في بيوتنا ومنازلنا. ولكن، لا يخلى الأمر من بعض الموتورين أو المتطرفين.

بالنسبة للشق الثاني، نحن نحاول دائماً أن نعطي فكرة إيجابية، عبر الصورة والوثائق، عن مساهمات الحضارتين العربية والإسلامية في الحضارة الغربية. قبل التدريس، هناك مرحلة تحضيرية تمتد حوالي الأسبوعين خاصة وأنني أقوم بتدريس الحركات الإسلامية في المنطقة مثل حزب الله والقاعدة وفكر سيد قطب. واللافت هنا، أن الطلاب يتجاوبون بشكل كبير مع ما يطرح عليهم من أفكار.

 حاوره: عامر ملاعب

علوان أمين الدين