العدد السادس والعشرون - أيلول

الشعر هو الله

نعيم تلحوق
الخميس 20 أيلول (سبتمبر) 2007.
 

الشعر طائفة من اللغات..

الشعر موقف جمالي من الحياة..

الشعر منارة لا مرآة لحياة العالم..

الشعر هو السّر الدفين لوجود حياة العالم..

 

الشعر هو العالم.. والعالم هو الله، الشعر هو الله..

الشعر مجموعة أسئلة، قيمته أعلى وأغلى كلما عجز أو هرب عن إيجاد أجوبة نهائية لتلك الأسئلة، الشعر ضد النهائيات.

 

وبغير هذا، يخطئ الذين يخضعون الله لقواعد جامدة سلفاً، ولمواقف تنظيرية مسبقاً، فيصبحون بذلك سلفيين ونصييّن وأديان.

 

الشعر هو جمال العالم، أي جمال الله، بأي قالب أتى.. بأية صورة تداعى،

لا يخضع للتحديد والتعريف والمقدّس والأجوبة القاصمة. إفترق الدين عن الشعر لأن الأول أعطى أجوبة جازمة للكون والحياة.

والذي يختلف عليه النظمويون والتفعيليون والسورياليون والتجديديون هو اختلاف على غير طائل في بحث هوية الله..

 

فالشعر هو الواحد الأحد.. لا شريك له.. ومهما اختلفت تسمياته التسعة والتسعين وآياته وأبوابه، ومباحثه. فهو منزهٌ عن العدد والكم والكيف..

 

غير صحيح أن الشعر وُجد للإنسان، بل الإنسان هو الذي أوجد الشعر..

كما أوجد الإنسان الله.. بعقله، بحدسه، بإيمانه..

 

إذاً، غير صحيح أن الشعر للناس، بل الناس للشعر..

أوجدوه ليخدمهم، ليرتاحوا إليه، لتتفاعل أرواحهم فيه.. أوجدوه لغايتهم..

 

ليس الشعر هدفاً مستطاعاً وإنما غاية لبحث وجوده..

الشعر وُجد لهدف ما.. لغاية ما..

 

المتنبي أخفق في أن يحصِّل ذاته ملكاً للشعر، فحابى سيف الدولة تسع سنين ونيف، ومدح كافوراً سنتين، كي يبقى أميراً على إمارة السياسة بعدما تنازل عن مملكة ملكها غائب، فخاب أن يكون ملكاً عليه، ولو أننا نشهد أنه أهم شاعر حديث حتى عصرنا هذا..

 

ليس بالقرآن وحده نعبد الله.. ونعرف آياته..

وليس بالإنجيل أيضاً نحب رسائله ورؤياه وقياماته..

وليس بالتوراة وحدها نتعلم مزاميرها وأسفارها..

وليس بالبوذية نتعلم الهداءة، ولا بالكونفوشوسية نتعلم التوبة والتزهد.

 

هناك لغة واحدة تجمع كل هذه الدلالات بوصفها ذاتاً واحدة.. هذه اللغة هي الله.. الله غاية نهائية متوالدة بإستمرار، هذه الغاية مجردة عن المواقيت والإعتبارات..

 

الأطلال والبيداء جزءان من الطبيعة الأرضية..

والأرض والقمر جزءان من الوجود والحياة..

 

الولادة والغياب والرحيل أجزاء من الزمن والرؤية..

الكره والحب كما المرأة والرجل، جزءان أساسيان من طبيعة الخلق الكوني..

 

جميعهم يبحثون في الشعر وعنه، عن الخلق الكامل.. السر العظيم..

 

كي يصير الشعر يجب أن يقيمَ التعارض في وحدة الأشياء..

 

طالما لا تعريف للشعر منذ ألف وخمسمائة سنة على الأقل، إذاً لا تعريف لإله موّحد لدى الرسالات السماوية.

 

إجتمع الشعر بالدين فتولدت الإحتفالية، ثم تنعَّم الدين والشعر بالأسطورة فتخلى الأول عنها وبقي الثاني على مشفرّيها.. فتنكب الشعر مهمة أن يخلق من الذاكرة-الأسطورة خيالاً مبتكراً.. فوقع في إضمارة الإستلاب المكرور..

 لا ملك للشعر لأنه مفتوح على كل العصور والملوك الآتية.. فلا إدّعاء فيه لأنه مشرَّع على الزمن والعالم.

 

إذاً، نحن لسنا على مفترق كما الرسالات السماوية.. بل على طريق واحدة لإكتشاف السر، بالشعر وفيه، لأن للشعر وظيفة واحدة هي كشف الجمال المطلق الذي إسمه الخلق والخالق، الطبيعة والكون، الوجود والوقت.. فكأنما بذلك ننتهي إلى آلية تأخذنا في رحلة مع الحدث لنصرخ: واه أو واو.. ما أعظم هذا الكشف!؟..

 

ونعود إلى الشعر كونه لغة حياة..

 

جميعنا في قلب الحياة، لا يوجد واحد منّا خارجها، الخارج إلى الفراغ موهوم، لأن لا فراغ في صورة الحياة.. فكأنما نصبح من القوم الكافرين.. إذا قلنا أن الله هو العدم أو الفراغ، الله هو الوجود والحياة، ولغة الشعر حركة الوجود وإيقاع الحياة..

 

الأهم في الشعر أن نقول عمّا نبحث كي نجد طريق الحياة، لا طريق الفوضى والإلتباس.. العدم لا يقوم.. فهو لفظة لكنه ليس منطقة أو قياساً لنخمّن فيه إعترافنا به..

 

بهذا نقول أن العروض هو في الشعر، والعكس ليس صحيحاً، والإيقاع والموسيقى الخارجية والداخلية هما في الشعر أيضاً، ولا يكونا خارجه..

 

بودلير خرج من الثورة الإحتفالية إلى الذات الجريحة، فعاد إلى الطبيعة الداخلة فيه لا الخارجة عنه. فكلما عجزنا عن تحديد إيماننا بالأشياء، كلما أصبح الشعر فضاء لتحميل قدرتنا على التواصل، ومتسعاً لنبش الذاكرة الإحتفالية بغية إعادة خلقها بذات فردية أو إجتماعية أخرى تقي جوهر الإنسان من السحق الجماهيري المألوف...

 

إذاً الإنسان للشعر لا الشعر للإنسان..

 

نحن لله وليس الله لنا..

ليس بمقدور واحدنا أن يحتكر صفة الله له، لأن الله صفات.

 

فإذا أجمعنا على أن الإنسان هو المقدّس، أصبح الإنسان هو الشعر، أمّا إذا إعتبرنا أن الشعر هو المقدّس، فيصبح حتماً وبالضرورة الشعر هو الإنسان..

 

كل إختراع بشري يفي بغرض الشعر هو إختراع نبيل لخدمة الكشف.. وكل تعارض بشري لا يخدم أو يحظى بشرف روح الحياة الجديدة، هو خارج الحياة وضدّ الكشف..

 

لست ضدّ السليقة والفطرة، بل أؤكدّهما.. عن طريق إيصال ما يجب أن يُعلم في المقدّس وخارجه، لا لإخفاء ما يجب تظهيره، وإنما بغية إستظهار المعرفة على أنها جزءٌ أساسي من هوية الكشف الجمالي..

 

الشعر هو الإنفجار الأول ومعه تكوّنت الحياة، واللغة هي تحديد سمعي وبصري لتظهير الرؤية.

 

الحياة مع اللغة بعد الشعر، وحياة اللغة لا تكون خارج الشعر.. خارج الجمال المؤسّس لوظيفة الكشف وإزالة الحجاب..

 

المقدّس برمته مستورٌ، وهو ضدّ الشعر.. الشعر هو المقدّس الوحيد الخارج عن المستور والمألوف من العادات والقيّم الجاهزة.. رغم أننا نعيشه ونقيّمهُ، لكننا لا نطاله.

 

الشعر هو المادة الأثيرة المنظورة في قياس الكشف المعرفي، لكنه فرادة حية في إستظهار الإستبطان والمجهولات والغوامض.

للشعر هوية واحدة.. كشف الحجاب..

 

كل كلام خارج هذه الحقيقة، ضربٌ من الهراء.. ورصفٌ من الحروف الضالة.. والأماني الشهيدة..

 

ليس الشعر سواداً على بياض فحسب.. بل قد يكون بياضاً في قلب سواد..

 

الشعر كالوردة لا تبحث عن جمالها من جذورها.. بل من فروعها، ألوانها، رائحتها وطبيعتها فتقول: "هذه وردة جميلة" ولا تقول: "هذه جذور جميلة". نقول فقط: "جذور قوية أو متينة أو غنية..."

 

أدوات الشعر كثيرة، هناك المِعول والنبتة، والأزميل والصخر، المداد والحبر والريشة، واللون، الصورة والومض.. المشهد والسينوغرافيا، الفلسفة والسحر، الشاشة والإخراج، البياض والسواد والرماد وكل الألوان. تناسقها جميعاً يقيم فكرة الأشياء..

 

الأفكار والمعاني
-  كما الجاحظ مرمية على الأرصفة والطرقات. الشاعر الحق هو الذي يلتقط المعنى ليضعه في قلب مبنى، جميل ومؤثر، وفقاً لكل مقام مقال حسب مقتضى الحال.. والإيجاز سمة الكلام..

 

الصحراء والبقرة والقمر وسور الصين.. ونجوم أرخميدس ولوحات دالي، الشعر هو البقعة التي تلد نشاطاً للحياة.. بغية إستطالة أمدها. بأية وظيفة جاءت ونمت.. وعبر أية وسيلة أو دواء أو علاج تمّت.. إنها بقعة الضوء التي يجب أن تخدم رؤيتنا لمدة أطول لكشف المجهول.. لمواصلة البحث عن الله..

 

الشعر هو الحقيقة، هو الجمال، إنه الحقيقة الجمالية الوحيدة التي هي الله بتمامه وكماله..