العدد السادس والعشرون - أيلول

صناعة المقدس

هاني عبيد
الخميس 20 أيلول (سبتمبر) 2007.
 

" إذا فشل الانسان بالتوفيق بين العدالة والحرية ... فسيفشل في كل شيء"  ألبير كامو 

المقدس هو الحيز الممنوع مقاربته والممنوع عن التداول التحليلي، الإيمان به ثابت ولا يُسمح بالتجريح فيه أو التحديث أو إعادة النظر.

تختلف نسبة المقدس بين الأفراد والجماعات تبعاً لعدة محركات ترتبط بالبيئة الاجتماعية، الجغرافية، التاريخية، ويتميز عرب اليوم باتساع مساحة المقدس لديهم باطراد كصمام أمان ودفاع باتجاه تيارات التغيير المنعوتة بالمادية تارةً والعولمة والتغريب تارةً أخرى محاولةً لتأليب المجتمع عليها بتأطيرها وربطها بمشروع عالمي هدفه النيل من التراث والدين، ينعكس بالتشديد على التفاصيل الشرحية (الفرضية) لتوسيع دائرة التابو.

المقدس من هذه الزاوية ما هو إلا تعبير مهذب عن الكسل الفكري بالرفض المطلق والإرادي للتغيير بدعوى مخالفة حرفية النص والانحراف عن التعاليم (السماوية) وشروحاتها المتعددة واتكاء كامل على الرصيد الفقهي المتعاقب وقياس السابقين وفتاويهم بالتعامل بصنمية وتقديس مطلق، بما وسع دائرة مقدس القرن الحالي ليشمل معاملات الحياة اليومية بأكملها وضيق الخناق على القوانين الوضعية، ليصير إلى اختزال الموروث الديني إلى فتاوى وطقوس وبرامج تلفزيونية تضع كافة الأمور الحياتية في ميزان النهي والسماح فقط، وتجعل من القادة الدينيين دائرة رقابة تحاسب المنشقين والناشذين وتشرح بإسهاب سلوكيات الفرد الخصوصية والمدنية والاجتماعية عوضاً عن دورهم الأساس الذي وجدوا من أجله.

تتمايز النماذج الاجتماعية في سلوكها وانضباطها وتنطلق بأغلبها من قوانين وضعية خاضعة للتعديل والمحاكمة والتطوير بما يتماشى وضبط الغاية التي ألزمت وجودها بالاستفادة من التفكير التراكمي وتطويعه ليتماشى والمستجدات الآنية ضمن علاقات مؤسساتية متخصصة تحكم علاقة الفرد بالمجتمع ضمن إطار احترام السلطات التنفيذية وضمان التطوير المستمر.

الخطير في النموذج العربي (الحديث) هو اعتماد مبدأ الصدفة كنموذج وحيد للتغيير، دون العمل بشكل منهجي على مشروع تحديثي يحلل الواقع ويعالجه عوضاً عن إعادة ترتيب أي قضية لتحاكي النموذج الأساسي الثابت.

كلما اتسعت قائمة التابو لمجتمع، ازداد ثقل تطوره الفكري وتبادله المعرفي مع الثقافات الأخرى، وازدادت حصانة خريطته الذهنية ضد التغيير وقبول الآخر، وهذا ما أنتج في السنوات الأخيرة ما يسمى بالإرهاب المستند للفكر الديني المتشدد المرتبط ببعض الجماعات التي أعلنت إفلاسها الثقافي والمعرفي باللجوء للترهيب في نشر فكرها ونصّبت نفسها سدنة لهيكل الشريعة - بمفهوم عالمي ومرجعية سماوية - وعملت وتعمل على لوي كل المسائل المُحدثة والتساؤلات اليومية الناجمة عن التعقيدات المرافقة للعالم المعاصر لتستوي مع مفهومها الضيق وترضخ لحكمه. (وللاستدلال التاريخي الأثير على قلب هؤلاء نذكّر هنا بفخر ما فعله الخليفة الثاني عمر ابن الخطاب بوعي حضاري مميز من تحديد لسلطة النص وحاكميته على حساب الواقع الحسي في عدة مواقف مشهودة).