العدد السادس والعشرون - أيلول

رفيق نصر الله: هناك أكثر من 100 محطة عربية طائفية ومذهبية

أرفض الحرية الإعلامية المفتوحة في مجتمع غير مؤهل للديمقراطية
الخميس 20 أيلول (سبتمبر) 2007.
 

أسماء وهبة

شهد الإعلامي والمحلل السياسي رفيق نصر الله بداية انطلاق الطفرة الإعلامية الأولى في الستينات. وكان حاضراً في السبعينيات عند انطلاق شرارة الحرب الأهلية اللبنانية، وواكب ما رافقها من تغيرات جوهرية في الخريطة السياسية العربية. في إصداره الجديد "الأمن الإعلامي العربي"، يناقش معضلة مصادرة الهوية العربية وإمكانية الخروج من حالة انعدام الوزن وفقدان الفرص والإستسلام لمنطق "لا أمل في مواجهة ما هو قائم". ويتساءل عما إذا كان الإعلام قادراً على إحداث أي تغيرات في حالة الفوضى العربية اليوم سياسية كانت أو طائفية أو مذهبية!

كيف هي العلاقة بين الإعلام والحقيقة والتمويه؟ وأين موقع السلطة بين هذه العناوين؟

أولاً، يجب أن نعلم أن الإعلام ليس حقيقة كاملة ولن يكون كذلك. لقد تحول في زمن العولمة ومع التطور التقني وتطور صناعة الإعلام إلى سلطة كاملة وقادرة على المشاركة في صنع التحولات والقرارات الإستراتيجية، خاصة وأن ثورة المعرفة أنتجت صناعة إعلامية لها مكنوناتها وأدواتها. وها نحن اليوم ننخرط في بوتقة سلطة الإعلام التي أصبحت جزءاً من حياتنا، إذ تعتبر "الميديا" من أهم ركائز الأنماط المعرفية بدءاً من رغيف الخبز والطريق وصحة الإنسان وصولاً إلى صناعة القرارات الإستراتيجية والتأثير على الرأي العام.

يتحدث كتابك عن الأمن الإعلامي. ماذا تقصد بهذا المفهوم الذي استخدم فيما مضى لقمع الحريات وصناعة الإعلام الأحادي؟

هذا توصيف خاطئ لأن الأمن الإعلامي لا يجنح نحو العسكرة، بل المقصود من وراءه الوصول إلى المناعة التي تحفظ أمننا الإعلامي الذي يعتبر مؤثراً في صنع الرأي العام، وحاجة ملحة لمواجهة إعلام الآخر الذي يريد فرض قناعاته علينا، وهو يلعب دوراً مهماً من خلال إمتلاكه لثوابت وهوية وطنية منفتحة دون أن يعني ذلك تحويله إلى إعلام موجه لخدمة سلطة أو وجهة ما. اليوم، تخاض الحروب عبر الإعلام وتفرض القناعات ويتم تحضير الرأي العام مسبقاً، وبالتالي كيف أحمي الرأي العام في مجتمعي؟ وكيف أطور مفاهيم الرأي العام إذا كان إعلامي مخترقاً وتابعاً ومستنسخاً عن الآخر؟!

هل يؤلف الأمن السياسي مظلة رادعة لأية مخاطر تواجه الأمن الإعلامي العربي؟

بالطبع. متى توفر لدينا أمن سياسي ممانع ومحافظ على الثوابت، من المفترض بالتالي أن يكون لدينا إعلامنا بهويته وشخصيته، ومتى كان مجتمعينا يملك ثقافة ممارسة الحرية وثقافة الديمقراطية فإنه حتماً سيمتلك وسائل إعلامية حرة.

لماذا تشكل الأخبار قلقاً مستمراً للأنظمة السياسية العربية؟

ليست الأخبار وحدها هي هاجس هذه الأنظمة، فهي تخاف من أي رأي يتناقض مع بنيوية نظامها السياسي. اليوم يخوض بعض الإعلام الرسمي العربي -إعلام السلطة- حرباً "وقائية" ضد الأنماط الحرة الجديدة، بل إن بعض مواقع هذه السلطة امتلكت حيزاً واسعاً من المحطات الفضائية لفرض أنماط تفكير معينة. بالمناسبة، أصبح لدينا 430 محطة فضائية عربية، نصفها أو أكثر مسطح ومستنسخ، فيما معظم المحطات الباقية ذات طابع ديني ومذهبي أصولي، الأمر الذي يعزز إنقسام المجتمع.

بعد الحادي عشر من أيلول، نشأت علاقة جدلية بين الإرهاب والإعلام على أساس أن الإرهاب سيفقد معناه دون إعلام يروج له كما قال عالم الإجتماع الفرنسي جان بودريار. كيف ترى ذلك؟

هنا، لا بد من الحديث عن علاقة الإعلام بالتحولات. لا تزال قوى التأثير قادرة على طرح العناوين الكبرى وتوظيف الإعلام بكل أنماطه لخدمة هذا العنوان. لقد صار الإعلام شريكاً في صناعة القرارات الإستراتيجية عند طرح موضوع الإرهاب. ولقد رأينا هذه السطوة التي تشكلت في الإعلام الغربي لتعميم مفاهيم جديدة، حيث تم تمويه وتشويه الحقائق وقلب المعادلات، وتحولت المقاومات الشعبية إلى أنماط إرهابية بتأثير من "الميديا" المنظمة التي تعرف كيف توظف الإعلام لخدمة قضاياها.

يقول جورج فيدال، الأستاذ المحاضر لمادة العلوم السياسية في إحدى الجامعات الأميركية، أن الولايات المتحدة تضم ربع مليار نسمة مضللة من جانب حكومتها، فماذا عن 300 مليون عربي مضلل؟

نعم، إن مجتمعنا العربي هو مجتمع تابع ومتلقي ويتأثر بالمشاكل القائمة، وهو شبه فاقد لديمقراطيته، وينقصه الوعي الكامل لمفاهيم الممارسة الديمقراطية الصحيحة، وبالتالي يتعرض دائماً لهجوم الآخر. مع الأسف، تستخدم "الميديا" اليوم لتكريس الإنشطارات السياسية والطائفية والمذهبية والتي تؤدي إلى تمزيق الهوية والثوابت الوطنية.

يناقش الإعلام العربي بزخم موضوع تنمية الوعي الديمقراطي لدى المتلقي العربي. هل استطاع فعلاً القيام بهذا الدور؟

للأسف، لا نستطيع الإدعاء بأننا وصلنا إلى عتبة الممارسة الديمقراطية. هل نحن أحرار أصلاً أم ضحايا لنظام سياسي عربي تبعي يمسك برقاب التحولات؟! إننا لا نزال خارج روحية العصر ولا نملك الوعي الديمقراطي الكامل. نحن في مأزق حقيقي يطال واقعنا بهويته وثوابته يزيد منه عدم امتلاك الوسائل الإعلامية الحرة. وما نأسف له أن بعض إعلامينا فقدوا الثوابت الأساسية للشخصية والهوية، وهذا جعلنا في تناقض بين قضايانا الكبيرة وكيفية مواجهة التحديات. بعضنا يمارس ثقافة الهزيمة أو التبعية أو الرهانات، وبعضنا يمارس ثقافة الأقليات، وجزء منا تحولت قناعاته، فيما يبقى النظام السياسي العربي هو المستفيد الأول من هذا المأزق ويسعى لتكريسه.

بين إعلام الستينات الذي اعتبرته حاضنا للقضية الفلسطينية وإعلام اليوم هل من فرق؟

نعم كان إعلام الستينات، رغم خطابيته وتسميته بـ "إعلام النظام"، أكثر إخلاصاً وممانعة وإلتصاقاً بالقضية على عكس ما نعيشه من حالات تطبيع وخروقات في الجسد الإعلامي العربي إذ صار الإسرائيلي جزءاً من يوميات بعض هذا الإعلام