العدد السادس والعشرون - أيلول

أنا والآخر

ميراي جبرون
الخميس 20 أيلول (سبتمبر) 2007.
 

  يمعن النّظر، يلتفت يمينا فيساراً. تحملق عيناه في مجهولٍ لم يعتد لقياه، ثمّ ينظر في المرآة، يخفض رأسه، يتحسّس جسده، ثمّ يعاود النّظر:

"إنّه أنا... نعم هذا هو الأنا..."

إنّها النّظرة الطّفوليّة الّتي تكاد للوهلة الأولى أن تكون ظاهريّة وفي أعماقها بحر عميق الغور، طويل المدى، وبعيد الهدف بحثًا عن الذّات.

"وإذا كان هذا هو الأنا، فمن يكون ذاك... أو تكون تلك...؟"

ويترك التّساؤل صدى عميقاً في نفسه حتّى يعود ويستدرك:

"نعم... إنّه الآخر...!"

تساؤلات طفلٍ صغيرٍ عن الحياة، كمن يريد أن يختصر الدّهر بلحظة، والبحر بنقطة، والكون بذرّة، والحكمة بكلمة... أو بالأحرى بكلمتين: "أنا والآخر."

تساؤلات طفلٍ صغيرٍ دخلت عالم المجهول، دخلت صميم النّفس لتدرك حقيقة الأشياء وجوهر الحياة.

فمن أنا من دون الآخر؟

إنّه الجزء دون الكلّ، والكلّ دون الجزء.

إنّه البحر الهادئ، القبطان الّذي يقود النّفس إلى ميناء الرّاحة.

إنّه البحر الهائج، الغضب الثّائر في وجه غطرسات الأنانيّة.

إنّه صدى النّفس المتلهّفة إلى الحقيقة المطلقة. إنّه المشعل والمصباح وقنديل الحقّ والحياة.

بعد أن خلق الله آدم، رآه تعيساً. لم يبحث له عن طعامٍ أو شراب ليفرحه، ولا عن لعبٍ أو ثيابٍ ليلهيه، لم يبدع له جنّةً جديدةً، لا بل ولكثرة ما أحبّه، أخرج ضلعاً من ضلوعه معرّفاً إيّاه إلى عالمه الجديد، إلى الآخر ليزيل علقم الكآبة من صميم النّفس، ليبدع الخالق أروع وأعظم إبداعاته في هذه الجدليّة المتنافرة المتوافقة في آن.

كثيرون هم الّذين يصوّرونها صراعاً بين الأنانيّات المتضاربة، كثيرون من بينهم لاروشفوكو ونيتشيه. ولكنّهم كثرٌ أيضاً هؤلاء الّذين يعون أهميّة الآخر في بناء الذّات والمجتمع. فالآخر جزءُ من مثاليّة أفلاطون ومهدُ للدّيانات والحضارات الّتي به تسمو وبه تتّضع.

قبول الآخر، مرآة تعكس صدى الحقيقة في النّفس. وحينها، حينها فقط تتحرّر الرّوح من غطرسات الأنانيّة وتحجّر القلوب وتصلّب الأذهان والعقول... حينها فقط يعي الأنا أنّه لم يملك الحقيقة المطلقة يوماً، ولا يملكها اليوم، ولن يملكها أبداً لأنّ الكمال ليس جزءاً من هذا العالم.

وإذا أمعنّا النّظر ها هنا، أيقنّا أنّ الباب رحبٌ مفتوحٌ للجميع، وضيّقٌ مغلقٌ في وجه الجميع أيضًا. إنّه الاختبار الأوّل والحقيقيّ في مسابقة الحياة. وأبرز عناصره:

- الأعضاء: أنا والآخر.

- كلمة المرور: القبول.

- مفتاح البقاء: المحبّة.

هذا هو المجتمع المثاليّ. إنّه الحلم الّذي تتمثّل به كلّ المجتمعات وتصبو إليه. أمّا المجتمع الّذي تنعدم فيه القيم، فهو مجتمعٌ فاسدٌ، مجتمعٌ يقوم على الأنانيّات، محوره الأنا وليس الآخر.

الآخر إذاً مهدٌ للحضارات. فإذا كان الأنا يعي ذاته ويحتضن الآخر في قلبه، نجحنا في الاختبار الأوّل، أمّا إذا غرق الأنا في ذاته فجهلها، أساء إلى نفسه والآخر فرفضه، وفشلنا في تخطّي الاختبار وسقطنا في محور اليأس والجهل والظّلام.

الأنا والآخر، جدليّة عميقة، تحدٍّ كبيرٍ للبعض. البعض السّاعي إلى بناء الذّات والمجتمع والحضارة الحقّة. فهل ينجح في بناء الحلم لتتجلّى الإنسانية بأبهى معانيها؟ تساؤلاتٌ تبحث عن جواب. والجواب مطمورٌ تحت أطنانٍ وأطنانٍ من الجدليّات اللامتناهية.

الجميع يتأثّرون، نعم الجميع يتأثّرون.

وقليلون، قليلون جدّاً هم الّذين يؤثّرون!