أمل في أزمنة اليأس : مهداة إلى النائب نبيل نقولا

العدد 4 - تشرين أول 2005 : فاروق أبو جودة
الاربعاء 19 تشرين الأول (أكتوبر) 2005.
 
سمعناك تتحدث في المجالس بالأمانات صبيحة ذلك الأحد، مستضافاً من الصحافية المفوّهة الذكية الفهيمة، الست وردة، التي حددت أسئلتها وركزتها، لتغوص معك إلى كنه الشكوك التي يعيشها شعبنا الصابر على محنه ومعضلاته، ولا مِن علاج ولا مَن يعالج.

أما الأجوبة، وعلى نعومتها وسلاستها ووضوحها وشفافيتها ووسع تفاصيلها، فقد جاءت شافية وافية، حيثما وضعت الاصبع على الجراح، واستخرجت الداء ووضعت الدواء، ترياقاً يشفي جسد أمتنا، من خبث السرطان المتفشي والمتعدد المظاهر والعيّنات، والذي يتآكل جسم المجتمع ويهلك قواه الحية، ويثبط عزيمته، ويضعف مناعته، ويحل صلابته، ليجعله من بعد، شلوا مثخناً متعباً، لا حول له ولا قوة..

أما النقاط التي كانت الأبرز، في سياق الحديث المستفيض، فقد لخصناها في الإيجاز التالي: ـ تحدث نائبنا الكريم عن معضلة المعضلات في حياة الشعب اللبناني ونظام حكمه، فغمز من قبيل الطائفية، والتعصب الطائفي، وما يستتبع ذلك من ظلم حقوقي اجتماعي، فدعا إلى إلغاء هذه الآفة، ودعا إلى فصل الدين عن الدولة، وإلغاء الطائفية بكليتها، وليس شقها السياسي فقط، لأن هذا يغلّب أكثرية على أقلية، ومع إلغاء الطائفية بالمطلق، يوجب بالتالي الاتيان بنظام يعتمد على العلم والكفاءة والاختصاص والشهادات العليا، مما يتيح الانتقال من حال متخلفة تستند على الولاءات والهويات المذهبية والدينية والطائفية، إلى حال متقدمة تقوم على النوعية المميزة، فتصبح بالتالي الانتقاءات، على مجمل مستوياتها، تعبيرية عن نوعية النخبة الراقية المميزة والرافضة للأمر الواقع، وإذ بالمواطن يصبح مواطناً في دولة توزع العدل الحقوقي الاجتماعي سواسية على جميع أبنائها، فننتقل من دولة المزارع إلى دولة القانون والعدالة والحرية المسؤولة.

ـ وتحدث النائب نقولا عن قوانين الأحوال الشخصية المتعددة، تماشياً مع تعدد الطوائف والمذاهب. واقترح اعتماد نظام موّحد، يترافق مع زواج مدني عصري، يزيل الحواجز والسدود والمعاصي بين مختلف الشرائح التي تشكل مجمل الشعب اللبناني ومجتمعه.

ـ حول العائلات السياسية التي تتوارث الزعامات والسلطات والنفوذ والمناصب، اعتبر نائبنا، أنه باعتماد الكفاءة والاختصاص معياراً، يصبح لكل مواطن لبناني، حظ في تكافؤ الفرص، للوصول إلى تحقيق طموحاته، وتبوّؤ مواقع متقدمة في السياسة والسلطة والدولة، لا أن تبقى هذه المواقع حكراً على البيوتات التقليدية فقط، وهذا يلغي أو يمكن أن يلغي العقليات الإقطاعية، أو يحد من فعلها ونفوذها وتعطيلها للإمكانيات الإنسانية والبشرية الأخرى، من التقدم وتحمل المسؤولية التي تليق بها.

ـ وعن موضوع الجيش ودوره، قال النائب نقولا، بأن الجيش يجب أن يكون قوياً ليحمي حدود الوطن ويذود عنه، ويصبح هو القوة الوحيدة في صون مصالح البلد والدفاع عنها.

ـ أما موضوع المقاومة وسلاحها وما يتعلق بها، فقد رأى ان هذا الشأن متروك لإرادة اللبنانيين، في حوارهم الداخلي، مما يسهل مهمة القوى الأمنية النظامية، فيطمئن الناس إلى حالهم ومستقبلهم، وتستكين المقاومة وتقتنع أن الجيش معها وهو حاميها وليس عليها، منقلباً على دورها وفعلها وقدرتها..

تذكرنا النقاط الأولى التي وردت على لسان النائب، ما جاء في أدبيات عبقري من لبنان، حمل مشعل الحركة النهضوية، يضيء به ظلام النفوس والعقول، فاحترق هو بلهيبه ولم يتمكن من حرق من وقف في طريق النهضة، عائقاً لتحقيق آمال الأمة في حياة حرة جيدة عزيزة وكريمة، الأمة التي كانت إحدى أمهات الحضارات التاريخية التي لا يزال العلم ينهل من معينها حتى اليوم.

ما تحدث به النائب اللبناني الجديد، بما ومن يمثل، من جنرال وتيار، ربما يتحول بصيص نور يلوح في أفقنا البعيد، في هذا الزمن الرديء، الذي تطفو على سطح مستنقعاته، حشرات سرطانية، تمعن في إيلام جراحنا بلسعات خراطيمها الملوثة. ربّ هذا البصيص، الذي يطل في ليلنا الحالك الطويل، يكبر وينمو ليطرد خفافيش العتمة ويعيد ثمة أملاً، في أزمنة اليأس والاستسلام والخنوع، وقد يكون ذلك، عامل استنهاض للعلمانيين الذين يؤيدون هذا الطرح، هؤلاء الذين كانوا ضحية التحولات الكبرى إلى الظلامية والانهيار والانحطاط..

فتوخَّ الحذر، أيها النائب الطليعي، لأنك تصرخ في واد، لكننا نحن، أبناء الحياة، نعتبرك مضيئاً لشمعة أكثر من لعنك للظلام السائد.

إننا نخاف عليك ـ يدنا على قلبنا.

وأسلم عاملاً في سبيل القيم العليا حقاً وخيراً وجمالاً.