العدد السادس والعشرون - أيلول

زوج لليلة واحدة

نيبال
الخميس 20 أيلول (سبتمبر) 2007.
 

بعد عامين من المقاومة والعذاب، احتُلت فيها قلاعنا مرات عدة، إحتلها الخوف مرة والضعف مرة وكلام الناس وقلوب الغرباء مرات عدة، وكان في كل مرة يحررها الحب.

هذه هي الليلة التي انتظرناها قرابة عامين من الزمن. ليلة الزفاف. الليلة التي غيرت كل ما خططنا له وكادت أن تهدم ما قاومنا من أجله. في تلك الليلة، رمينا سلاح المقاومة وتمردنا على أنفسنا وكاد ينجح انقلابنا لو لم يكن هناك خنجر... وغيرة من الموت.

هي ابنة الرابعة والعشرين ربيعاً، أكبرها بأربعة أعوام وعقل. كنا كلما كبرنا يوماً يكبر الفارق بيننا بقدر ما يكبر الحب، ولكننا لم نكن نعلم هذا حتى ليلة الزفاف.

قالت لي: ها نحن يا حبيبي وزعنا بطاقات الدعوة على الأهل والأصدقاء والأحباء. وأضفينا على مرتبة العرس اللمسات الأخيرة، ولم يعد يفصلنا عن تحقيق الحلم إلا بزوغ فجر وطلة شمس وقليل من الساعات.

قلت: الحمد لله. أخيراً أصبحتِ لي وأصبحت لكِ رغم كل الصعوبات والعقبات. لم يعد من حق الهواء الدخول بيننا، فنحن لم نعد بحاجة له أصلاً. لم نعد بحاجة لنور الشمس ولا لمياه الينابيع ولا لثمار الشجار. أرواحنا امتزجت ببعضها، ونقلنا الحب إلى عالم الملائكة.

قالت: إن هذا الجمال هو الذي يخيفني، ويشعرني بأن هذه الليلة هي أشبه بكل شيء إلا بليلة زفاف.

قلت: لما تقولين هذا؟

قالت: إن الحياة حلم. ولا يوجد حلم أجمل من حلم الاقتراب من الحبيب. أنا لا أريد أن أقترب منك طويلاً، لا أريد أن أنام على كتفك إلا ليلة واحدة في الأسبوع، أخشى أن يعتاد كتفك على رأسي فيعامله على أنه جزء منه. أنا إنسانة أخرى غيرك تماماً، أحتاج إلى اهتمام مختلف. لا يمكن أن تمزجنا الأيام في جسد واحد. أنا لست قطعة منك وأنت لست جزءاً مني.

قلت: هل أنا غير أمين على جسدي؟ هل رأيت إنساناً يمزق أحشائه ويدمر صحته ويهجر جسده؟ الإنسان أناني بطبيعته، وجميل أن أكون أناني تجاه نفسي وأحبها بجنون إذا ما جعلنا الحب نفساً واحدة.

قالت: نعم أوافقك الرأي، لكن جسدك وجسدي أصبحا مسلمات لا خوف عليهما، أصبحا ملكنا ولا شيء يهددنا بهما إلا الموت، وهذا أمر فوق الطبيعة. أما أن يتحول الحب إلى ممتلكات، فهذا أمر غير وارد ومهدد بإستمرار.

قلت: ما الذي تقصدينه بقولك هذا؟

قالت: أريد أن احبك لا أن أتزوجك.

قلت: لما لا أكون الحبيب والزوج؟

قالت: لا يوجد ما أحلم به بعد الزواج، ولا يستهويني حلم بعد حلمك ولا عالم بعد عالمك. أنا لا أريد أن أأكل إلا من يديك، ولا أشرب إلا من عينيك، ولا أرتدي إلا جسدك، ولا أستحم إلا بعطرك. أريدك أن تهتم بي دون أي شيء آخر في هذا الكون، وأن أبادلك نفس الاهتمام. لكنني أخاف الزواج، فهو يسقط كل هذه الأمور ويحول الحياة إلى عادة وروتين ويقلل من درجات الاهتمام.

قلت: من قال لك هذا؟ الزواج يبعد عنا خوف خسارة الواحد منّا للآخر، ويجعلك تنتقلين من عالم الخوف إلى عالم يلفه الاستقرار والطمأنينة.

قالت: الاستقرار والطمأنينة هما الشيئان اللذان يفقداننا الاهتمام بما نملك إذ لا يوجد ما يهدد هذا الملك. بالله عليكَ، لا تهمل جسدك ونفسك أحياناً على حساب أمور أخرى وضعها الزمن لبعض الوقت على سلم أولوياتك. أنا لا أطيق أن أشعر انك هملتني ولو برهة واحدة. أريد أن أحبك وتحبني في كل الثواني والساعات. أريد أن أحلم بك لا أن اعتاد عليك. أريد أن أنتظر اللحظات التي تمر بها من جانبي وتغمرني بشوق، لا أن أجهِّز نفسي لليلة تشبه سابقاتها. أريد أن أنتظرك على أحر من الجمر، لا أن افتح لك الباب عند موعد عودتك من العمل وأعود لأكمل عمل كنت قد بدأته.

قلت وانأ ارفع خنجري وأضعه على صدري: لكنني لا استطيع العيش إلا إذا كنت حبيبك وزوجك.

قالت: لا... لا تفعل، أنا أحق فيك من الموت. سأتزوجك لليلة واحدة. فليلة الزواج العادية التي اعتاد عليها الناس تقدم كل الملذات والأصناف على طبق واحد، وأنا لا أريد أن أتناولك بشراهة ولا أن تتناولني بعجلة. أريد أن أمضي العمر أتلذذ بك، أقدِّم لك كل يوم صنفاً جديداً وملذة جديدة.

قلت: وماذا بعد الليلة الأولى؟

قالت: أتزوجك الليلة الثانية لليلة واحدة، ومن ثم أتزوجك الليلة الثالثة لليلة واحدة. وهكذا أزفُّ إليك كل يوم كعروس جديدة، دون أن يمحي، من بالك، نهار جديد أمل تحقيق حلم يتجدد بالحصول على موافقتي للزواج بك، ودون أن يتبدد من قلبي القلق الذي ينتاب الفتاة إذا تأخر حبيبها بطلبها.

فرميت خنجري جانباً وقلت: أتقبلين بي زوجاً لليلة واحدة؟