العدد السادس والعشرون - أيلول

فاطمـة

لين هاشم
الخميس 20 أيلول (سبتمبر) 2007.
 

إلى أرواح أثمرت انتصاراً

سمعَت دوي إنفجارات قرب منزلها، فسألت أباها عنها. قال لها إن هناك بالونات كبيرة "تفقع" بين الفينة والأخرى في الهواء. فرحت وضحكت وتمنت أن "يفقع" المزيد من تلك البالونات. بعد قليل، انقض إحداها عليها ومزقها إرباً. رحلت فاطمة.

هذا الصاروخ يا فاطمة لم يرَ أبداً لون عينيك اللوزيتين، ولا داعب أناملك الصغيرة، ولا عبث بشعرك الأشقر المجعد. هذا الصاروخ لم يشاهدك مرة تلعبين أو تركضين أو تضحكين. هذه الطائرة يا فاطمة، لم تعرف أنك احتفلت بسنواتك الثلاث منذ شهر وخمسة أيام. لكنها، عندما قتلتك، كانت تعرف أن رأسك الصغير ليس قنبلة، وأن ذراعيك لا تطلقان الصواريخ، وأن عينيك ليستا رصاصتين.

ذات يوم، قرأت لها قصة البطة الصغيرة التي ينبذها رفاقها لقبحها، فبكَت، وشعرَت بأسى كبير عليها، وقضت اليوم بطوله تعانق البطة وتطعمها وتلاعبها فوق صفحات القصة. فاطمة تعشق كاظم الساهر وفيروز، وتحفظ عدداً من أغنياتهما، وترقص بفرح عارم على وقعها. فاطمة تحب لعب الورق، وتتقن لعبة "الأربعتعث"، وصنفها المفضل من ورق اللعب هو "الكُبّة" لأن لونه أحمر داكن. فاطمة تهوى الرسم، وترسم الكثير من القلوب والأشجار.

أراقب تابوتك الصغير، واحد بين العشرات، ينقل من مكان إلى آخر، بانتظار أن يخرجوا جثمانك الملفوف بالقماش الأخضر ويضعوك في مهدك الترابي. هذا التابوت، لن تستطيعي الركض والاختباء مني فيه. سقفه الخشبي يلاصق وجهك، لن تقدري على القفز والصراخ كما كنت تفعلين. هذا التابوت صمم للموت، وأنت صممت للحياة.

وجهك شديد البياض وعلى شفتيك بقايا ابتسامة حزينة. أيتها الأميرة النائمة، لا تنتظري أي أمير ليقضكِ، فكل الأمراء متآمرون. يلهون مع أولادٍ غيرك، يوقعون برفقتهم على الصواريخ الذكية، فلا تنتظري أميراً يا فاطمة.

سألتني مرةً: "أين تذهب الشمس في الليل؟" أجبتك: "خلف البحر"، فقلت بتعجب: "ما بتنطفي الشمث بالمي؟"

تابوت صغير فوق الأرض، قرب حفرة بحجمه، يمد أحد الرجال يديه إلى التابوت وينتشل جسدك الطري رافعاً إياه فوق كفيه أمام عدسات المصورين. ستنزل صورتك في الصحف غداً تحت عناوين كثيرة: "أحد الشهداء، "طفل شهيد"، "ِشهداء الطفولة". لكن بالنسبة إلي، أنتِ "فاطمة الشهيدة". فاطمة التي كنت أول من رأى وجهها، وأول من حضنها بين ذراعيه. فاطمة التي لم تغب عن يومياتي ومكالماتي الهاتفية منذ ثلاث سنوات. فاطمة التي لاعبت يديها الصغيرتين وحضنتها حين بكتْ، وأطعمتها وشاركتها ألعابها ورسوماتها. فاطمة التي أجبت على أسئلتها التي لا تنتهي، وعرفت برامجها المفضلة ودميتها المفضلة وحلواها المفضلة، وما تحب وما تكره. فاطمة التي أعرف ما يضحكها وما يبكيها وما يغضبها. رحلت...

أكثر ما يعذبني أنه لم يتسنَّ لي وداعك ولو بلمسة أو قبلة. كم من الوقت يلزمني يا فاطمة لأعتاد على الحياة بدونك؟ بدون وجهك وصوتك وطيفك المترنح على الجدران؟

الآن، أعرف كم كانت مأساتي قبلك سخيفة، وكم كان حزني فارغاً. ستبقيْن يا فاطمة، داخل كل من عرفك وأحبك، جرحاً عميقاً لن يعرف الزمن كيف يشفيه.

لتنامي يا طفلتي بسلام، وٍسأغني لكِ فوق قبرك طوال الليل، فلا تخافي أو تشعري بالوحدة. وحين يأتي الملائكة لزيارتك، اطلبي منهم، كما كنت دائماً تفعلين، أن يحرسوا كل الأطفال كي لا يصيبهم ما أصابك يا فاطمة، يا طفلتي الشهيدة.