خمسة وأربعون عاماً على رحيل الأديب سعيد تقي الدين

العدد 1 - تموز 2005
الثلاثاء 5 تموز (يوليو) 2005.
 
.. لنصرك يا سوريا هذا القليل تلك كانت آخر الكلمات التي كتبها سعيد تقي الدين قبيل رحيله عام 1960، حيث قضى معدماً في جزيرة سان أندرس في كولومبيا، إثر نوبة قلبية أصابته وهو يسبح في البحر، وبين 1904 و1960 أمضى تقي الدين حياةً زاخرةً بالأحداث والإنجازات، كانت أبرز سماتها ريادته في كتابة المسرحية والقصة، والمقالات الساخرة التي عُرف من خلالها مدافعاً شرساً ومتهكماً لاذعاً يُحسب له ألف حساب.
كتب مسرحية (لولا المحامي) وقصة (كلانا في القمر) عام 1924، سبقتها عدة مقالات في جريدة (البرق) عام 1921 تناول فيها المسألة الفلسطينية، ومؤامرة سايكس بيكو التي أثارت سخطه، فالالتزام صفة لازمت أدب سعيد تقي الدين في مراحله كافة، تمحورت حول التخلف الاجتماعي ووباء التعصب الطائفي والدعوة إلى رفض الوطنية الرومانسية باعتماد نظرة جديدة للإنسان والكون والفن. ويجمع النقاد على أن الفترة التي تمتد بين 1928 ـ 1948 حفلت بإنتاج أدبي غزير أعطى التجربة الأدبية لسعيد ملامحها الأساسية فظهرت مملكته المسرحية والقصصية أقرب ما تكون إلى الاكتمال والنضوج، لذلك انصبت مختلف الدراسات حول أدبه خلال تلك الفترة التي قضاها في جزر الفلبين. تميز مسرحه باعتماد الأسلوب التراجيدي والكوميدي في آن معاً، وفي جميع الأماكن حرص تقي الدين على اللغة التمثيلية البسيطة التي لا يحتاج السامع إلى قاموس كي يفهمها. يقول الناقد والكاتب جان دايه عن أبطال مسرح سعيد تقي الدين إنهم إما شخصيات حقيقية موجودة في الواقع، أو لها مواصفات تنطبق على سعيد نفسه. في مسرحية المنبوذ ونخب العدو وحفنة ريح يسيطر الجو الريفي القروي بكل تفاصيله على أجواء العمل، وتنتشر فيها أبيات الزجل بمختلف أنواعه، كي تخدم متكاملةً حالة السخرية المرّة التي طبقت كل إنتاجه الأدبي. في رسالته إلى الدكتور سهيل إدريس، حاول تعريف القصة على أنها حادثة غير عادية، محتملة الوقوع، تسرد بأسلوب جذاب وسهل وتنتهي بمفاجأة حلوة، فقد خرج سعيد على كل النظريات الجاهزة وراح يبحث عن المختلف والجديد، وهذا يبدو واضحاً في مجموعته القصصية الكاملة التي تضم ثمان وثلاثين قصة. وابتداء من الثلج الأسود وربيع الخريف وغابة الكافور يؤسس سعيد لمعالم القصة القصيرة كفن أدبي متميز راح يتطور مع اكتمال تجربته الإبداعية التي تركها مفتوحة على التجريب والاكتشاف. يتفق الجميع على أن سعيد تقي الدين لم يأخذ حقّه النقدي كرائد في القصة والمسرح، وربما تكون العوامل السياسية إحدى تلك الأسباب، مما يجدد الدعوى إلى إعادة قراءة شاملة تتناول أدبه ومقالاته المختلفة، ووضع الدراسات حولها، فحتّى الآن هناك من يتفاجأ باسم ذلك المبدع الذي قدّم الكثير من العمل الجميل ولم يقابل إلا بالكثير من الصمت.!!