مرحباً بونابارت.. التاريخ كذبة!

العدد 4 - تشرين أول 2005 : نزار سلوم
الاربعاء 19 تشرين الأول (أكتوبر) 2005.
 
مع العودة المظفّرة لـ [الواو] الكافرة إلى عرينها ـ اختزالاً للسياسات والثقافات العازلة لـ الواحدعن بعضه تحت نظر رواد العولمة وبرعايتهم ـ تبدو سورية كما يبدو لبنان المفرَّقين بـ [الواو] متحدين أيّما اتحاد بـ [ورطة] استثنائية يبدو من الإعجاز السياسي الخروج منها.

حيث تأسست الجملة السياسية الراهنة في لبنان، وارتسمت واقعاً وتنامت ووصلت إلى ما وصلت إليه من نتائج ومتغيرات وخطاب جديد ولغة خاصة ولهجة قاطعة بالارتكاز إلى فرضية ـ مبدأ واضح ومباشر:

إن ويلات لبنان مصدرها سورية وسياساتها وأجهزتها والتابعين لها!!

من بعض هذه الويلات التي تم اعتمادها راهناً في الخطاب السياسي لبعض القوى اللبنانية وتروج كمادة إعلامية دائمة:

ـ جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005، مسؤولة عنها سورية إما تحريضاً أو تخطيطاً أو تنفيذاً ـ اختر ما تشاء وحسب الموقف والمقتضى ـ ولا أحد سواها، لا الأميركيين ولا الأوروبيين ولا الإسرائيليين وبالأخص هؤلاء الأخيرين فضلاً عن الأصوليين فلم يكن للرئيس الحريري إلا عدواً واحداً أحداً يمكن الإشارة إليه ببساطة متناهية ويتعذر الإشارة إلى غيره!!: سورية ولا أحد سواها!!

ـ الجرائم التي وقعت في لبنان على مدى ثلاثين عاماً منصرمة ارتكبتها سورية، حيث لا وجود في لبنان لأي شبكة مخابرات: لا الموساد، ولا CIA ، ولا الروسية (KJB) سابقاً، ولا الإنكليزية، ولا الفرنسية، فضلاً عن المصرية والسعودية والأردنية والفتحاوية، فقط يوجد المخابرات السورية تسرح وتمرح وحيدة ومستوحدة من موقع إلى آخر ومن جريمة إلى أخرى!!

ـ الجرائم التي تقع في لبنان راهناً، والتفجيرات المتنقلة بين منطقة وأخرى، مسؤولة عنها سورية، رغم انسحاب قواتها وجيشها، ذلك أن كوندوليزا رايس لا تزال تقول إن على سورية أن تسحب ما تبقى من رجال مخابراتها؟.!! ـ الاقتصاد اللبناني ضعيف وعاجز بسبب سورية والاتفاقيات الثنائية غير المتوازنة المعقودة معها، وعمّالها الذين أتخموا سوق العمل.. وليس بسبب السياسات الاقتصادية للحكومات اللبنانية التي توالت منذ 1990، وكان من شأن سياساتها الرائدة التعميرية أن رفعت عمارة الدين العام في لبنان إلى أكثر من أربعين طابقاً من المليارات الدولارية..

ـ الحالة السياسية في أدنى مستوياتها بسبب سورية. والقانون الانتخابي سوري، رغم لجوء القوى المعادية لسورية راهناً إليه، والاستنجاد به لتحقيق أكثرية نيابية، ستعمل على إلغائه!! وإنتاج قانون انتخابي لبناني صرف ونقي وطاهر.!!

هذا مثال عن السياسة المهلوسة أو المحمومة أو السوريالية.. أو الفنتازية.. أو غيرها.. هكذا، ووفق هذا المبدأ ـ الفرضية، وصل المزاج العام لبعض التيارات والأحزاب والقوى في لبنان إلى ما أسماه عزمي بشارة مرة بـ اللا شامية استعارة أو تمثلاً بمصطلح اللا سامية ومنهجيته، حيث وفق هذا المصطلح اللا شامية تم ويتم ممارسة الإرهاب السياسي ضد سورية ومن يقف معها، ومن لا يقف معها أيضاً، حيث ممنوع على أحد التريّث، فمن ليس معنا فهو ضدنا.

هذا هو التبسيط السياسي الإمبراطوري المستعار والمعمم الذي يريح الجميع. بمقدار ما يشير الواقع السياسي في لبنان إلى الورطة التي فيها سورية، فإنه بالمقابل وبسبب المبدأ الذي ارتكز إليه يشير إلى الورطة التي فيها لبنان. هكذا اتحدّ المفرقّان بـ [الواو] مجدداً وكان بـ الورطة.

الآن، هل يمكن للبنان الخروج من هذه الورطة؟!

الجواب: لا يمكنه ذلك ـ نظرياً ـ أو لا يمكن لبعضه إطلاقاً؟!

لأن التخلي عن مبدأ تحميل سورية المسؤولية في الويلات والمصائب والجرائم التي وقعت، من شأنه أن يؤدي إلى نسف الجملة السياسية الراهنة.

استطراداً لذلك، ووفق العنوان الاختصاصي والأثير الذي هو مفتاح العملية السياسية المقبلة برمتها والمتعلق بنتائج لجنة التحقيق الدولية بجريمة اغتيال الرئيس الحريري: هل يمكن تبرئة سورية من هذه الجريمة وغيرها التي وقعت في لبنان؟! حتى ولو تبيّن للجنة الدولية ذلك؟

الجواب: لا يمكن إنجاز هذه التبرئة جنائياً أو حقوقياً أو قضائياً، قبل إنجازها سياسياً؟!

لأن أية تبرئة قضائية من شأنها نسف الارتسام الراهن للجملة السياسية في لبنان؟

بمعنى آخر:

إن تبرئة سورية من الجرائم السياسية التي وقعت في لبنان يمكن أن تقود إلى النتيجة المؤكدة التالية: عودة إلى الواقع السياسي ما قبل 14 شباط 2005، مع إمكانية قيام موجة تعاطف سياسي شعبي مع سورية يعيد لها اعتبارها ما يؤدي إلى إعادة تشكيل خارطة القوى السياسية اللبنانية بمناسيب وأحجام مختلفة عما هي عليه راهناً. وهي نتيجة معروفة ستجهد مختلف القوى الدولية والمحلية للحؤول دون الوصول إليها حتى ولو اضطرت مجدداً إلى إشعال فتيل الحرب الأهلية قبل موعدها..!! وإلى أن يحين الموعد التاريخي لتقرير السيد ديتليف ميليس، فإن الدبلماسية السريّة ستزداد وتيرتها لتشكل نتائجها المؤدى النهائي لهذا التقرير.. ما يحقق الغاية الأساسية لاغتيال الرئيس الحريري. هل عدنا إلى نظرية المؤامرة مرة جديدة!!

كلا.. ولكننا استذكرنا قولاً لنابليون بونابارت الذي كنا نظن أنه لا يؤمن إلا بالقوة الفيزيائية الصريحة الواضحة المباشرة والفجة، فإذ به يصل إلى القول ما التاريخ إلا كذبة تم الاتفاق عليها، وهي كذبة غير تلك الرائجة والمنصوص عنها في حيثيات احتلال العراق، التي تعود في نوعها إلى ما يسمى بالكذب المكشوف.

ترى إلى أية كذبة أخرى سنركن تاريخنا الراهن والقادم بعد أن يتم الاتفاق عليها؟

هل من يذكر كذبة قميص عثمان؟

ولكن، أين الحقيقة؟!