المغنية سمية بعلبكي: الأغنية تتعرض للتخريب وبعض القائمين على التسويق يرويج الابتذال

العدد 4 - تشرين أول 2005 : صبحي حليمة
الاربعاء 19 تشرين الأول (أكتوبر) 2005.
 

تحضر لأغنية تحكي الشام وبيروت وتدعو لخطاب عقلاني محب في وجه العنصرية

أناور ضمن حدود .. والموجة السائدة لا تعنيني

الفرصة الذهبية لم تأت بعد لكني أعرف شروط اللعبة

مغنية شابة، اختارت الفن الأصيل، في زمن السطحي والخفيف، ودافعت عن أصالة الفن، لترسخ أصالتها، فبدت كالقابض على الجمر، أمام موجة الفيديو كليب "التي تقدم المراة كسلعة" كما تقول في حوارنا معها، وكالقابض على الجمر أيضا تقدم أغنية تحكي الشام وبيروت في وقت يتصاعد فيه خطاب العنصرية البغيضة، وترى إن المحبة والعقل هما المؤهلان للوقوف في وجه أعداء الشعبين وروابطهما الجغرافية والتاريخية.. مساحة الصفحة أجبرتنا على تحجيم الحوار، لكن لقاء المغنية سمية بعلبكي يغري بالكثير من الكلام "الثقيل"، وهي التي طالما عودتنا الغناء العذب، وأيقظت ذكرياتنا الجميلة بصوتها الرخيم، الناهض من جمال الجنوب، وصلابة الجبل، وطراوة شاطئ بيروت، البادئ من صيدا، والممتد إلى اللاذقية، والموغل في عمق الحب ..

*أنت متهمة بأنك جادة ؟

**هذه تهمة جميلة، في ظل ما يحدث الآن، من عبث في عالم الأغنية، حتى وصل الأمر إلى حد غير طبيعي، لكن لست جدية بطريقة الجد الثقيل، بل أنا بسيطة بطبعي، لا أريد أن أغيّر العالم، ولا أن أحدث ثورة، بالمقابل لدي رؤية أحب أن أطرحها، ومثلما احترم آراء ورؤى الآخرين، افترض أن تحترم رؤيتي، أرى الفن فعلاً جديا وجاداً، وهناك كثر يشاطروني الرأي وقد تكون لهم تجارب مختلفة لا تشبه تجربتي، وربما علينا جميعا أن نعيد النظر في الفن وآليات إنتاجه، الآن أرى هناك ابتذالاً في الفن، وثمة على شاشات المحطات المتخصصة، أشياء لا يجوز السكوت عنها، أشياء مستفزة ومخربة، فيديو كليبات تسيء للأغنية، وتقدم المرأة بشكل مبتذل، ويحولها إلى سلعة.

*هل تضعين نفسك ضمن تصنيف الغناء الجاد، الذي قد يرتبط بتصنيفات وتسميات أخرى..؟

**أنا ضد التصنيفات، هناك جادين لكن حضورهم ثقيل، كذلك لا يعني كوني جادة أن الآخرين الموجودين على الساحة غير جيدين، ليس هناك فصل حاد مائة بالمائة في الموضوع، هناك الفنانات جوليا بطرس وماجدة الرومي، وأيضاً أصالة وصابر الرباعي وكاظم الساهر (مع حفظ الألقاب) للمثال وليس للحصر، لكل واحد منهم رؤية ويقدم نفسه بطريقة، هناك فنان يقدم نفسه عبر الحفلات، وغيره عبر السي دي، وهناك فنان منتشر أكثر من غيره، ولدينا أصوات جميلة ومواهب حقيقية، أشخاص لديهم رؤية ولديهم ما يريدون قوله، يبحثون عن الكلمة واللحن وتجد لديهم عمق ثقافي ومعظمهم درس الموسيقا ولديه شهادات، بالمقابل قد تجد صبية جميلة، يلتقيها شخص ما فيقول لها "سأعملك مطربة"، وهذا يحدث، وتقدم الصبية، ويضعونها مرة في موقع المؤدية ومرة في خانة الاستعراضية، وهذه الحالات كانت هي الاستثناء، لكنها أصبحت الآن القاعدة، لديك جمال وطلة وطول ممشوق ولديك استعداد وقابلية، نعمل منك مطربة.

*هناك من يحيل الأمر إلى مقولة " الجمهور عاوز كده " .. ما رأيك ؟

**بل الأمر مرتبط بالقيمين على هذه الموجة التهديمية، وهم أفراد لكنهم قابضين على الإعلام والإنتاج والميديا والتسويق، وهم الذين يسوقون هذه الأنماط السيئة، وهؤلاء قلة، ويتوجهون لشريحة قليلة من الناس، وأنا احترم هذه الشريحة، لكن مجموع الناس أو غالبيتهم يميلون إلى الفن الحقيقي الجميل الذي يخاطب عقولهم ووجدانهم، لا بأس من أن يكون هناك مدارس فنية متنوعة وحالات فنية متنوعة لكن من حق الجميع أن يقدم وجهة نظره، لا أن نرى لوناً واحداً يسود ويطغى، وللأسف بعض ما نراه الآن يصل إلى الإسفاف.

*هل الفن متعة وترفيه أم رسالة برأيك..؟

**أحب أن يكون لصوتي وظيفة سامية، وأحب أن أغني في مناخ محترم، احترم فيه الناس الذين يسمعوني، وأحصل على احترامهم، ببساطة تركيبتي النفسية هكذا، إحساسي بأنني أسعد الناس بغنائي، يشعرني بحالة سعادة حقيقية، لكن لدي صوتي وليس غيره، وهو الذي يقدمني للناس، منذ البداية لم أكن أتقبل أن أغني والناس تأكل وتتحدث، وهناك "طرطقة" صحون وكأن المغني غير موجود، لا أقبل ذلك ولا أقدم نفسي في مناخ كهذا، لذلك اخترت الغناء أساساً على المسرح، وأحياناً يمكن أن أغني في حفلة خاصة، أعرف أن الناس فيها سينتبهون لي عندما أبدأ الغناء.

*في البداية قلت لا أغني إلا بالمسرح، فيما بعد قلت يمكن أغني في المرابع الليلية لأن جمهور الفن الحقيقي سيسمعني في أي مكان، هل هو تراجع.. أو تنازل في سبيل الانتشار؟

**طبعاً، هو تنازل، لنكن واقعيين، ولكن ليس الانتشار فقط، بل الاستمرارية لأن الاتجاه العام الآن يذهب بهذا الاتجاه، ويمكن أن أذكر جملة كتبها أحد الصحفيين عني، قال إنها تناور، وهذا صحيح، والفنان مثل السياسي يجب أن يناور، مع اختلاف المناورة طبعاً، لكي يحافظ على مكانته وموقعه وحدوده الخاصة لكن للأمر حدوده طبعاً.

*من يحدد مقياس الانتشار، الفيديو كليب، شركات الإنتاج.. التلفزيونات ؟

**الأمر مرتبط بالفرصة، هناك فنان لديه الطاقة والقدرة والاستعداد، تأتي شركة إنتاج قوية تسوقه وتسوق عمله، فالأمر مرتبط بالفرصة والحظ والعلاقات.

*هل حصلت على هذه الفرصة ؟

**الفرصة الذهبية لا..لم تأت بعد..

*قلت إن الفرصة الذهبية لم تأت، وسبق أن قلت إن على الفنان ألا ييأس حين يرى الأقل كفاءة قد سبقوه، هل تشعرين بالمرارة أو الإحباط ؟

**على الإطلاق، لأنني أعرف اللعبة القائمة فأنا لا أفاجأ ولا أشعر بالإحباط، شروط اللعبة أعرفها، هناك أصوات قادرة تأخذ مكانها وهناك أصوات ضعيفة تنتشر، وبالمقابل هناك أصوات رائعة ومواهب كبيرة تضيع ولا تأخذ حقها، الكم الجيد قليل والانتشار بطيء، لكن بالنسبة لي أشعر بثبات في عملي، وما يقدم الآن على بعض الفضائيات المتخصصة من ابتذال، لا يعنيني ولا يدخل ضمن شروط وجودي أصلاً كإنسانة.

*كثيرا ما استندت على التراث، واستعدت أغان منه، لاقت نجاحا، لكنك رفضت تصنيفك كمطربة تراث.. لماذا ؟

**أنا احترم التراث جداً وقد جئت من مدرسة التراث، ومنها تعلمت، والقيمة التي حققتها لدى الناس جاءت من كوني دخلت من هذا الباب العريض، درست التراث وتعمقت فيه، وعموماً مطرب التراث شخص له حدود معينة، لها سقف وإطار بهذا المعنى لست مغنية تراث، التراث بالنسبة لي مرجعية وليس سقف، لكن أنا أملك رؤية للتراث وغالبا أقدم الأغنية التراثية بلمسة معاصرة وليس كما هي، وأعتقد أننا يجب أن نأخذ من كنوز التراث، على أن نقدمها بروح جديدة وعبر التجربة الخاصة وأشدد على ذلك، هناك أغنيات جميلة يحب الفنان أن يقدمها، لكن يجب أن يقدمها برؤيته هو، لا أن ينقلها كما هي.

*في هذا السياق قدمت أغانٍ من التراث القريب لعبد الحليم حافظ وأسمهان، اختلفت الآراء حولها، ما رأيك..؟ **بشكل عام الصدى جميل، ربما بعض "السميعة" من الجيل الاقدم، ممن اعتادوا على الأغنية الأصلية، لم يألفوها بشكلها الجديد، وهنا أعتقد أن مقياس النجاح هو جيل الشباب، وقد تجد منهم من يقول لك لم أكن أسمع هذه الأغنية لكنني الآن أحببتها، وهذا معناه أنك استطعت إيصال هذه الأغنية للناس، عبر الأداء والتوزيع، وهناك أغانٍ عديدة لجيل العمالقة كما ذكرت أسمهان، أم كلثوم، قدمت من فنانين كثر، وهناك فنانين كبار استعادوا أغانٍ لأسمهان أو سيد درويش.

*هل تفضلين لقب مطربة أم مغنية ؟

للتوضيح كلمة "مطرب" المستخدمة لدينا ليس لها مقابل في اللغات الأجنبية الأخرى، وكبار فناني الأغنية في الغرب يلقبون بالمغني، وليس هناك شيء اسمه مطرب، اللفظ مستخدم لدينا للدلالة على حالة تضاهي الطرب، لذلك تميز العمالقة أم كلثوم، فيروز، صباح فخري، هؤلاء الأساتذة الذين يحققون حالة أكثر إشباعاً نسميهم مطربين، ولا يستطيع أياً كان أن يوصلك لحالة الطرب، إذاً في الأساس المغني مغني، وفي هذا السياق تجد من يقول أنا لست مغنياً أنا مؤد، لأننا نعتبر المؤدي أقل من المغني بينما التفسير الغربي للمؤدي أنه الشخص الذي يستطيع أن يوصل حالة، بمعنى أن المؤدي نوع وليس أقل، ونحن نقول المغنية العالمية داليدا فهل هو انتقاص من صوتها وموهبتها إن لا نقول المطربة داليدا، عموماً ليس لدي حساسية تجاه الأمر، لكني أفسره.

*تحضرين الآن لأغنية عن الشام وبيروت، بداية كيف ترين العلاقات السورية اللبنانية على صعيد الناس والشارع، مع تصاعد خطاب شوفيني..

**لطالما كنا بين بيروت ودمشق أصدقاء واقارب، وكنا دائما كم تقول الأغنية، "ما سهرنا ببيروت منسهر بالشام"، حين أكون في بيروت دمشق بالنسبة أقرب لي جغرافيا من ضيعتي، هذه البلد التي وعينا على روابط عميقة تربطنا بأناسها، ورغم الحدث المفاجئ أعتقد على المدى البعيد لا شيء سيحدث، لا شيء سيتغير، الشوفينية التي تحدث عابرة، سوف يذهب مع الريح، وأعتقد أننا كأفراد بحاجة لأن نقول أننا خارج اللعبة، التي لم نقررها، والأخطاء التي حدثت لسنا من ارتكبها، كشعبين في البلدين، وأعتقد إن لدينا جغرافيا وتاريخ متصلين، والروابط قديمة، أقدم منا بكثير، ولا بد أن نقول ذلك من خلال الفن.

*موجة العنصرية مؤهلة للتصاعد برأي الكثيرين..؟

**المسألة بحاجة لكم أكبر من العقلانية، حدثت أخطاء، لابد من الاعتراف بها، دعنا نسمي الأشياء بمسمياتها، لكن أنا وأنت لسنا مسؤولين عنها، والروابط بيننا أقوى وأعمق من الخلاف، يجب أن يكون لدينا فهم حقيقي للعلاقة بين الناس هنا وهناك، والخطاب العنصري مرفوض، وهو لا يخدم إلا مصالح أعداء الطرفين، وعلينا أن نستخدم العقل، والمحبة التي تجمعنا لا أحد يستطيع مصادرتها.

*ماذا عن الأغنية التي تحضرين لها...؟

**القصيدة لحن إيلي شويري، وهي لشاعر مخضرم، الأستاذ جورج شكور، والمشروع بدأ قبل الأحدث الأخيرة، وقبل استشهاد الرئيس رفيق الحريري، والقصيدة مكتوبة منذ سنوات بعيدة، وتتحدث عن العلاقة بين الشام وبيروت، وتتحدث عن البلدين بعيدا عن الشكل الخطابي، وهو ما يلامس إيماني بالدور الذي يجب أن نلعبه.

*هل تعتقدين إن الفن مؤهل لمواكبة الحدث بشكل فوري..

**في أحيان استثنائية نعم، وينطلق من الفنان صاحب الرسالة، ولكن هناك أيضاً من يقتنص الفرصة، ويستثمر حدث ما ليركب موجة، الآن أشعر ان علينا ان نعود للأغاني التي تلامس قناعاتنا وأعماقنا نحن كبشر، يجب ان نسمع في الأغنية فلسطين، والعراق والجنوب، لكن ليس عبر المباشرة، بل في سياق صحيح، البعض سألني عن أغنية لبنان والشام، وقال الآن ليس وقتها، أنا أرى العكس، يجب أن نغنيها الآن، لأننا في هذا الوقت بالذات، يجب أن نمتلك موقفا عقلانيا محباً، يمد اليد بالسلام والحب، والفن يعبر عن إحساس الناس، ولا يجب أن يهلل كثيراً أو يعارض كثيراً، أو يمتطي موضة الدارج.