هل مهرجان دمشق السينمائي ضرورة؟

العدد 4 - تشرين أول 2005 : نجيب نصير
الاربعاء 19 تشرين الأول (أكتوبر) 2005.
 
في العشرين من تشرين الثاني / نوفمبر القادم ، تستقبل دمشق مهرجانها السينمائي الرابع عشر في ظل ثقافة مجتمعية متدهورة ، تعرض عن كل انواع الثقافة الحداثية الناتجة عن مراحل ازدهار العقل ، هذه الثقافة التي ساهمت وتسهم في قتل الفن عبر تمترسها خلف حائط الحنق من الآخر وعدم قبوله على الرغم من شعارات الانفتاح والتسامح ، او حتى التثاقف وتبادل المنافع الحضارية ،

لذلك يبدو مهرجان دمشق السينمائي وعلى الرغم من كل الاسئلة والملاحظات عليه ، كمصباح في صحراء تتأتى ضرورته من عدم الاستسلام للعتمة التي تتهادى واقعيا لتسيطر على انوار العقل والفن عبر المقاطعة العملية والحياتية لكل الافكار القادمة الينا على اساس أنها مسمومة تسعى الى تدمير خصوصيتنا ( الحضارية ) ولعل الخطابات التي ألقيت في افتتاح المهرجانات السينمائية الأخيرة تصب في هذا النسق الذي يعاكس المهرجان السينمائي حضورا وغاية عبر شتم العولمة والاغلاظ لها تحت مبررات تتقاطع بشدة مع ذرائع قتل الفن ، حيث يبدو هذا الموضوع سؤالًا ثقافياً أولا يمكن توجيهه الى المهرجان ، اي على المهرجان اختيار نوعيته والاعلان عنها كنشاط تنويري لا يتعاكس مع السينما وصفاتها والفن ومقاصده .

من جهة ثانية يبدو السؤال الذي يبدو ظاهريا محقا أنه : ما هي ضرورة مهرجان سينمائي في بلد ليس فيه سينما ، وهنا ليس المقصود انتاجات المؤسسة القليلة من الافلام والتي يصر مخرجوا المؤسسة العامة للسينما على تسميتها السينما السورية ، وانما المقصود هو الحراك السينمائي العام من انتاج واستيراد ومشاهدة ونقد وتفاعل مع السينما كوسيلة حداثية للقول الابداعي ، حيث يبدو المهرجان كقطعة من لوحة فسيفساء تكمل نفسها ، ليتحول السؤال الى : اذا كان الموات يجتاح الحالة السينمائية عبر موات حالة المشاهدة وشح رواد صالة السينما فهل القعود احسن ؟ اوليس المهرجان دعوة مفتوحة للجميع بمن فيهم الاجيال التي لم تر صالة السينما لاكتشاف هذا العالم الغني ، وكسر لكل المعتقدات المتخلفة التي تجرم السينما والفن ، ربما هنا يصبح السؤال الى متى سيبقى المهرجان خطوة وحيدة في اتجاه اعادة السينما الى المجتمع صحيح والظرف هكذا لا يمكن الاستغناء عنها ، ولكن بشرط ان لا تتقطع اواصرها مع تتمة اللوحة الفسيفسائية التي تشكل الحراك السينمائي . من هنا يبدو المهرجان ضرورة استراتيجية للثقافة السورية وربما كحامل للحراك السينمائي في صورته المجتمعية على اساس ان السينما هي فن الجمهور بمن فيهم النخبة وليس العكس ، فالموقع الحقيقي للثقافة هو الناس الذين يمارسونها في حياتهم اليومية ، والسينما جزء من هذه الثقافة لا يمكن الاستغناء عنه الا بهزيمة الابداع ذاته تحت مطرقة التخلف المؤلف من الخصوصيات والاولويات والاستثناءات .

في عالمنا الثالث لا تبقى الكواليس كواليس !!! وبالتالي فأن سؤالا حول مهرجان دمشق السينمائي هل هو محترم او غير محترم يبقى مدار شد وجذب ، وهو سؤال مؤثر في قيمة المهرجان وبالتالي مصداقيته ،

خصوصا انه مهرجان عالمثالثي غير مصنف في اتحاد المنتجين العالمي وليس له صدى عالمي مؤثر الا في اضيق الحدود . لذلك تبدو مهمة تقديمه كمهرجان محترم اكثر اهمية من كونه مهرجانا مشهورا ، اذا من اين يأتي الاحترام ؟ يأتي من من صدقية جوائز المسابقة تحديدا ، قد يكون هناك في كل مهرجانات العالم مساومات ، وتعصبات للانتاجات الوطنية ، ولوبيات تسعى للحصول على جوائز لأهداف او مصالح ولكن لهذه المهرجانات من اسباب الوجود المختلفة عن اسباب وجود مهرجان دمشق ، ما يضعه تحت استحقاق مسؤولية خاصة ، اقلها الارتقاء والنمو والاشتهار ، عبر جعل جائزته مميزة على الصعيد الرمزي على الاقل ، وليست تحصيل حاصل المماحكات والتهديد بالخصومات وتقاسم الجوائز بناء على العلاقات ، ففي كل مهرجان يقال انه يجب ان يكون للسينما السورية حصة ،تحت ذريعة المساعدة على استمرار وجود سينما سورية ، ولكن مع كل جائزة حصدتها السينما السورية كان هناك تهافت في نوعيتها اي ان الجائزة لم تحصد زرعها من جهة وظلم فيلم آخر بسببها من جهة ثانية ، وتهافتت القيمة المعنوية لجوائز المهرجان من جهة ثالثة ، من هنا يبدو اعتماد مقاييس شفافة وقاسية كحل لمشكلة قد تودي بالمهرجان برمته الى درك شبه معزول عن مهرجانات العالم .... والناس .

المهرجان هو حالة دعائية اعلانية تعنى انواع الفن في سوريا ، اي انه مناسبة تخص الجميع من ممثلين ومخرجين وكتاب وتشكيليين وفنيين ، والمشكلة / السؤال هنا هو في نوعية الدعاية والاعلان عن هذه التظاهرة الجيدة ، فليست المشكلة في كم او توقيت الاعلان عنها وانما في نوعية هذا الاعلان الذي يبدو اختصاصيا وموجها الى نخبة ما ، مما قد يؤدي الى قطيعة مع المشاهد المقصود بسبب نقص المعلومات او صعوبة الحصول عليها ، فأدبيات المهرجان وبرامجه ومنشوراته يجب ان تصل الى المشاهد المحتمل وتغريه بالمشاركة بفعل يخصه ويمتعه وفي توقيت مدروس ، ولعل اعتبار المواطن ان المهرجان نشاط حكومي لا يخصه هو نوع من فشل الدعاية والاعلان عن مهرجان هو نفسه دعاية واعلان عن مبدعي الوطن وانتاجاتهم ، ما يشكل خطوة ارتقائية لمهرجان يحاول منظموه ان يقدموا جهدا متصاعدا من اجل اعادة السينما الى برنامج الناس الحياتي .

هل ثمة ضرورة لمهرجان سينمائي في دمشق ؟؟ قد يكون هناك الكثير من الاسئلة والملاحظات والتبرمات والشكاوي والانتقادات . ولكن الحقيقة تقضي ان هناك ضرورة وضرورة ملحة ، اننا في عالم لا يمكن لأحد فيه الاستغناء عن التثاقف ، ولا الاستغناء عن متعة الجمال ، ولا الاستغناء عن المشاركة في فعالياته الابداعية ، وعلى الرغم من كل شيىء يتوجب علينا دعم السينما كمهرجان او كحراك ثقافي مجتمعي ، لقد نجح مهرجان دمشق السينمائي السابق ( الثالث عشر ) من ناحية نجاحه في استقطاب عدد غير مسبوق من المشاهدين وهي ناحية اساسية وتأسيسية ، يمكن الاتكاء عليها في المهرجان الرابع عشر والارتقاء بها.