العدد السابع والعشرون - تشرين الاول

استنفار الغرائز القاتلة

سركيس ابو زيد
الخميس 1 تشرين الثاني (نوفمبر) 2007.
 
New Page 1

قبل أن تخرج الطائفية من شباك النظام الطوائفي في لبنان، دخلت المذهبية من الباب العريض مستنفرة الغرائز البدائية والمشاعر العدوانية والسلوك العدائي وحمية الثأر وهمجية الاستئثار بالسلطة وبربرية القتل. باختصار انها القبلية الجديدة لكن مجردة من "ميثاق الشرف" الذي يحكم سلوكها مع العشائر المجاورة ومن دون "الفروسية" التي تتباهى بها ومن دون "النخوة" التي تتحلى بها. انها قبلية التعصب الأعمى والثأر القتال والتخلف الهمجي. انها قبلية الجهالة في زمن الفايسبوك والانترنت والعولمة واكتشاف المجرات وخريطة الجينات.

عفواً... لقد حول اللبناني الطائفي الفايسبوك من مساحة للحرية والتعارف والمعرفة الى مكب نفاياته المذهبية الحاقدة، يرمي فيها المكبوت الطائفي ويصرح جهارة بتفوقه العنصري ويجاهر باستعمال كل مفردات الذم والشتم والتحقير واهانة الآخر، ثم سرعان ما يتباهى هو نفسه بالعولمة والتحضر.

ما نشهده اليوم في لبنان اخطر من الحروب الأهلية التي مرت علينا، واكثر شراسة من الفتن التي تحضر لالتهامنا... انها حفلة تهويش واستحضار للغرائز العدوانية لكل ما هو من خارج القبيلة - العالم ضد الفلسطيني والسوري والخليجي والسرلنكي... ضد المذاهب والأحزاب والعائلات والقبائل الأخرى من خارج عالم القبيلة المحظوظة...

ضد كل فرد ومواطن وزميل لا يفكر على طريقة القبيلة...

إنها عودة إلى العشائرية بكل تجلياتها السيئة.

القبيلة القديمة كانت تقوم على رابطة وعصبية الدم اما القبيلة الجديدة فمحركها الأساسي هو الوهم : ناصر اخاك ظالماً كان ام مظلوماً - وهي تعتمد على الرموز وعقدة الخوف  - جدلية التخويف والتفوق - حرب حياة او موت - قاتل او مقتول، هي استحضار دائم لذاكرة الحروب السابقة وعبر التاريخ القريب والبعيد.

المذهبية بواسطة المال والصلوات والعصبية الاقطاعية السياسية العائلية.

يشارك في حملة الاستنفار الغرائزي اعلام مسيّر يسخر الصورة والتقنيات الحديثة من اجل تجييش الأحقاد والبغضاء وتحضير النفوس للمنازلات والوغى.

الإعلام بما يملك من علم وخبرة يحول المشاهد الى مشجع لفريق يريد ان يسمع ويرى ما يطربه ويحرضه ويثيره ويستفز اعصابه و"يطلع" دم الثأر الى رأسه...

لم يعد الإعلام وسيلة معرفة وتفكير وتثقيف، بل حقنة تهويش وتعطيل العقل وتخدير للوعي، حيث يصبح المشاهد رجلا آليا يلقن الصور التي تحرك الغرائز القاتلة، ويغدو كائناً مسيرا لسان حاله يقول:

أنا لا أفكر إذن أنا قاتل.

وهكذا نسير بلبنان من القتل على الهوية القبلية الى قتل لبنان الرسالة الحضارية.

فهل ينجح الطائفيون والمذهبيون الجدد بقتل العقل والتفكير في لبنان لمصلحة استنفار الغرائز القاتلة؟