العدد السابع والعشرون - تشرين الاول

العقل بين الحاضر والمستقبل : مقاربة مختلفة

زهير فياض
الخميس 1 تشرين الثاني (نوفمبر) 2007.
 

لا شك أن الأزمات التي يتخبط فيها مجتمعنا تنتمي الى فئة "الأزمات البنيوية"، أي أنها تطال الأساسيات، أو بكلام أخر، هي أزمات من النوع الذي يحاكي "مسألة الوجود" على مستويات مختلفة.

لاشك أن الارث الذي تركه "الاستعمار" في بلادنا على مدى قرون ثقيل جداً، وهو يرمي بثقله على الواقع، وبصماته واضحة في كل زاوية من زوايا حياتنا العامة وحتى الخاصة، ولعل أخطر مظاهر أو مضامين هذه "التركة" ما يتعلق منها بمناهج التفكير لدينا وما يتفرع منها من سلوكيات...

هذا الكلام ليس جديداً، لقد وضعت مجلدات وكتب ودراسات وأبحاث تناولت مسألة "الاستعمار" والتأثيرات المباشرة وغير المباشرة للأمم المستعمرة (بكسر الميم) على "الأمم المستعمرة" (بفتح الميم).

المفارقة، أننا - والى حد بعيد- ما زلنا نتحرك في دائرة من " الانفعال" و "التأثر" بالمراحل السابقة بالرغم من "لمعات مضيئة " و " زوايا حرة" متناثرة على مساحة "الوطن"...

في "الفلسفة" مازالت مشروعية العديد من "الأسئلة الوجودية" قائمة وخاصةً الأسئلة التي تتناول  اشكالية العلاقة بين " المادة والروح"، مسألة "الخلق"، "الخير والشر"، الجدل حول "نسبية القيم" أو "اطلاقها"، لغز "الموت" ، "مصير النفس الانسانية"، كلها أسئلة  مازالت قابلة للنقاش ولاعمال "الفكر الانساني "فيها بالرغم من "مسافة الزمن" الهائلة التي تفصل ظهور أول نظرية فلسفية حول "الوجود" الى يومنا هذا.

 هذه الأسئلة التي طرحها جهابذة "الفكر الانساني" وفلاسفته القدماء منذ غابر الزمان ما زالت قائمة حتى الساعة في "أجندة العقل" الانساني.

هذا في "الفلسفة" أما أن نطرح في "الاجتماع" الأسئلة ذاتها التي طرحها "الأسبقون" من علماء اجتماع ومفكرين منذ عقود و نبقى نطرحها دونما نتيجة، فهذا أمر لافت وله مدلولات خطيرة.

هل هذا نتيجة "قصور بنيوي" في "العقل الاجتماعي" أم هو قصور يستند الى أسباب موضوعية تعطيه "اسباباً تخفيفية"...

واقع الحال، أننا نطرح منذ عقود وحتى قرون أسئلة من "العيار الثقيل" حول الهوية وحول الانتماء، ونبقى ندور في "حلقة مفرغة" تقوض كل الجهود للانطلاق نحو المستقبل بثقة أكبر بالذات، وبنظرة يقينية تؤسس لبناء المستقبل الذي نطمح بالوصول اليه...

هل يجوز أن نراوح في المكان ذاته الذي تركه مؤرخون ومفكرون وقادة وكأن شيئاً ما انقطع في مسيرة الزمن الفاصل بين الماضي والحاضر ؟ 

هل يعقل أن لا نتقدم قيد أنملة في حل مشكلات "الواقع الاجتماعي" المتراكمة كماً ونوعاً؟

هل كتب "لنا" أو "علينا" أن نشهد "نهاية التاريخ" لأمة بدأ "التاريخ الانساني" منها؟

هل نخضع لمشيئة "الأقدار" التي تحيكها الأفلاك (بين هلالين) لنا؟ أم ننسف والى الأبد نظرية "الأقدار المحتومة" وننتفض لنصنع قدراً من "صنعنا" نحن، ومن نتاج "عقلنا" نحن، ومن نتيجة "فعلنا" نحن.

هل نرضى بعد اليوم أن يتحكم بحاضرنا ومستقبلنا "أناسٌ" مثلنا من لحم ودم، مع فارق أنهم جهدوا وجاهدوا، واشتغلوا على أنفسهم وعلى عقولهم وعلى "ذرات ادمغتهم" حتى أنتجت علماً وتكنولوجيا وأدوات معرفية جعلتهم في مصاف "صانعي الأقدار"...

هل نخجل من واقعنا؟ ونشعر بالهوان لما صار اليه حالنا أو كما "باللغة العامية" هل نحس على دمنا ونثور أيما ثورة في عالم العقل والوجدان، وتكون ثورتنا هذه المرة - وعلى خلاف كل المرات- ثورة عقلية أو عقلانية تبتعد قدر الامكان عن "البهلوانيات" وتقودنا الى مكان أكثر تقدماً من المكان الذي نحن فيه...

قال لي أحدهم  منذ فترة لقدر احباطه أنه أصبح على يقين أن عطباً ما في "التركيبة الجينية" لانساننا يعطل عقله ويجعله خارج اطار النفع أو الفعل أو الحراك...

كلام يحمل في طياته كل "الانهزامية" بمعزل عن الأسباب الموجبة لهذا القدر من "الانهزام"...

من الواضح، أن تكثيف الأسئلة من النوع الذي يهز العقل قد يكون مدخلاً لشحذه باتجاه الفعل والانشغال في حل كل ألغاز واشكاليات الواقع المأزوم...

كل قضايا التخلف، وقضايا الانقسامات العمودية منها والأفقية التي نعاني منها، غياب الهوية، عدم وضوح الانتماء، كل هذه المسائل قابلة للمقاربة على ضوء "العقل" الذي هو بحق "الشرع الأعلى في الحياة"...

ورهاننا في كل زمان ومكان هو في تحرير هذا العقل باتجاه الفعل، هذا هو دورنا وهذه هي رسالتنا، ونحن مؤمنون بقدرتنا على اجتراح الحلول والمضي قدماً الى الأمام، فليس هناك أي شيء مستحيل أمام "فعل العقل" وأمام اصرار" الارادة الانسانية" على الحراك.