العدد السابع والعشرون - تشرين الاول

السؤال الدامي من نحن اليوم؟ فتات من طوائف ام قبائل من خناجر؟

منصور عازار
الخميس 1 تشرين الثاني (نوفمبر) 2007.
 

أحياناً أقول: ليتني ما عشت الى هذا الزمن الذي ارى فيه أمتي وشعبي في محنة غير مسبوقة، بل في مذبحة لا يتوقف فيها النزف .

أحياناً اقول، ليتني كنت اقصر عمراً، فمضيت الى عالمي، مطمئنا الى الانتصار الذي سجلته امتي في جنوب لبنان على الاحتلال الاسرائيلي.

أحيانا اقول ليتني مضيت قبل الأوان، عندما كانت قبضات اطفال الحجارة، تهز الكيان الاسرائيلي.

لكن تشبثي بالأمل، وبالفكرة، ربما اعطاني فرصة الحياة معكم، لفترة اطول.

هاأنذا اليوم، ازيل الستارة الحزينة عن الماضي. أعود الى ازمنة، كان فيها الوضوح سمة النضال، والفكرة بطاقة عبور الى العقل. هاأنذا اليوم اتذكر السؤال الخطير: ما الذي جلب على شعبي هذا الويل ، والسؤال الأخطر من نحن.

ثلاثة ارباع قرن ونحن نتدرج في الويلات الى الهاوية، ثلاثة ارباع قرن، والنحن، فتات من قبائل ونباح وسيوف.

في ذلك الزمن الصعب، كانت الفكرة ضوءنا، والارادة خطواتنا.

وككل المؤمنين، كنا بحاجة الى دليل نظري، يساعدنا في ممارسة حياتنا القومية.

دعوني ايها الأحفاد ويا اصدقاءهم ايضاً، استعيد لكم ما انتم بحاجة اليه اليوم: الوعي بالقيم الانسانية، اذ، من هنا المنطلق، انتم اليوم تعيشون في عالم، يزداد فيه حجم التدمير الانساني، الحروب البربرية، تجتاح العالم. العدوان صفة ملازمة للأقوى، الاقتصاد تحوّل الى كتل مالية عملاقة ساحقة للفقراء، والمظلومين، الدين جعلوه سيفاً فتاكاً واداة للتكفير، العقائد جيروها للمصالح والسلطة. انه عالم يختنق انسانياً.

لا شك انكم قرأتم مثلي، ان العولمة المتوحشة، أفضت الى هولوكوست انساني، حيث يموت كل ثلاث ثواني طفلاً من الجوع او من سوء التغذية، تصوروا ايضاً الجشع الاجرامي: ان ثروة ثلاثة اثرياء في العالم، تبلغ حجم ثلاث واربعين دولة فقيرة من دول العالم الثالث.

انه لعالم متوحش هذا العالم الذي نعيش فيه.

في ذلك الزمن، كنا بحاجة الى صفاء انساني، الى من ينزع منا جذور التمييز. لنبحث في هذا المدى، على ما يربطني بالانسان، لم نشعر ان الرابطة الدينية تلبي، اذ غالباً ما تتحول هذه الرابطة الى عصبية نابذة، الى شوفينية استعلائية، الى التمييز بين ابناء الأمة الواحدة، حيث يصير الفرز البشري على قاعدة نحن وانتم مؤمنون وكفرة. مؤمنون ومحرفون.

كانت الأمة آنذاك، قد دخلت حلبة الصراعات الطائفية والمذهبية، وهي صراعات مفتوحة على الرياح المتناقضة.

كان سؤالنا، وهو اليوم اكثر الحاحاً عليكم، ما الذي يجمع بيننا؟ نص ديني يفسر وفق اهواء ومصالح وافكار ومواقع، او وفق حياة مشتركة يتفاعل فيها الناس بينهم، فكراً ثرياً، انتاجاً خصباً، مونة متداولة، قوة مبدعة، في امة او وطن، يحتضن ما كان منا وما سيكون ايضاً.

رأينا ان الفرقة التي تمزق نسيج المجتمع، صراع على السماء، في ظاهر، وصراع على السلطة، ومكاسبها في باطنه. كانوا يخوضون حرباً حول جنس الملائكة السياسيين، فيما هم يربون شياطين الفتنة، ويفتحمون ابواب المدينة المنيعة، للوصاية والانتداب والاحتلال... وكل تيار طائفي يبرر ما يقدم عليه من اثم قومي بعدد من الشعارات، كالخصوصية (اي خصوصية) والتعددية (اي تخريف هذا) والمشاركة (في الحصص طبعاً)، الى ان بات الوطن مائدة لأكلة الجبنة فيما الناس يعلفون عجول الطوائف ويسنون قرونهم لحلبة القتل.

كان المشهد يؤسس، لما وصلكم اليوم. انتم عندما ترون ما حل بأمتنا، فنتذكر نحن ذلك السؤال الرهيب الذي اطلقه سعاده في الثلاثينات من القرن الفائت، ما الذي جلب على امتي هذا الويل؟

وفيما هو يبحث عن اسباب الانزلاق الى الهاوية، رأى ان يحدد شرطنا الانساني بالسؤال: من نحن؟

هل نحن نتحدد في الأساس، كوجود روحي؟ يتأطر في معتقدات دينية،فتصبح هوية الفردالانسانية ،هوية دينية او ان هويته الانسانية مشروطة بمعتقداته الدينية؟

هل نحن انطلاقاً مما تقدم، تتحدد هويتنا الانسانية بالدين الذي ولدنا من بطنه، عبر تسلسل تناسلي لا ارادة لنا فيه؟ وبالتالي، هل نحن مسلمون ومسيحيون والمسلمون هم سنة وشيعة ودروز وعلويون و... والمسيحيون هم موارنة، واورثوذكس وكاثوليك وسريان وآشوريين؟

رفض سعاده ان يكون مبدأ الهوية مؤسساً على قاعدة الانتماء، وفق ما يقتضيه المجتمع البطريركي، الأبوي، العائلي، اي الانتماء الى سلالة دينية، لا خيار للفرد في اعتناقها، فهو يدخلها بالطبيعة ويستمر فيها بالتقليد. يرثها كما يرث اسم عائلته، ويخضع لشرطيتها المنطقية.

رفض سعاده هذا التحديد للهوية، فإن يصح لدى البعض، تحديد هوية الروح، بالايمان الديني، فلا يصح تحديد الهوية الاجتماعية والقومية والانسانية والسياسية بالايمان او بالمعتقد الديني، وفق ما آلت اليه التفسيرات المختلفة، للنص الواحد.

اذاً، نحن مسلمون ومسيحيون و.... ايمانياً، ان شاء الفرد ذلك. لكننا على المستوى الاجتماعي، نحن نرتبط بعلاقات انسانية اساسية، تقوم على الاعتراف بالمساواة في حقوق المواطنية. فما يحق لي يحق لغيري.

ومثل هذا الانتماء، يحتاج الى ثقافة، والى وعي ثقافي، يؤسس الهوية على وجود صلب، هو وجود الأمة والوطن، بما تكتنزه الأمة من ثقافة وفكر وتراث وحضارة ولغة وتقاليد وثروات وبشر وجهد وعمل وابداع وأديان.

ليست النحن الا الشعور بالانتماء الى جماعة في وطن وهي. نحن، لا نتشابه فيها قدرة وموهبة وعملاً، بل نتشابه فيها، من حيث اننا كائنات مختلفة القدرات والمواهب والأفعال والأفكار في مجتمع يحتضن هذه العقول لتحقيق غايات انسانية، في الاطار الوطني والقومي.

وعليه، فإن انسانية سعاده، شرطها التجسد في الوطن والأمة، ليس بالمعنى السياسي بل بالمعنى الحياتي وبالغايات التي من اجلها كانت هذه الحياة، وهي اسمى ما نتوق اليه ونتشبث به.

النحن القومية تجمع، النحن الدينية والطائفية تغرق وها قد اصبحت الانتماءات الدينية والطائفية ، والعرقية والمناطقية سيفاً يسفك رقاب الناس، في العراق، في لبنان. وكلي ألم وقلبي الضعيف لا يقوى على احتمال هذا العنف البربري الذي يجتاح الأمة والعالم.

لذا، اطلق سعاده مبدأه بضرورة فصل الدين عن الدولة، وهو مبدأ أخذت به دول كثيرة، سبقتنا في وضع حد فاصل، بين المدى الايماني الديني، حيث للأفراد، حرية الايمان والمعتقد والسلوك، وبين المدى الاجتماعي، حيث يمارس فيه المواطن واجباته، ويصل الى حقوقه، بدون تمييز طائفي او ديني.

ومثل هذا المبدأ، يوفر للدين نقاء، وللمجتمع سلامه الداخلي، على مستوى المعتقدات.

فالذي جلب على شعبي هذا الويل، هو التحزب الديني، وليس الدين، الدين رسالة. اما التحزب فهو ضد التعصب، والتعصب آلة تدمير للدين وللآخر معاً.

يومذاك، اتضح لنا، اننا نخوض معركة قاسية، ثقافية وسياسية وفكرية واجتماعية. فالمجتمع القديم، يتمسك بسيوفه وتقاليد التعصب، وفكر التمييز، ونحن و انتم. وما لنا هو لنا و مالكم هو لنا ولكم . تقف في صفوف المجتمع القديم، اقطاعيات عاتية، وجدت في الطائفة دعامة وحماية وسلاماً، وعائلات سياسية وارثة لسلطتها من فضل العثمانيين، وفتات الانتداب، واحزاب طائفية، تعمل ما وسعها، لتكريس منطق الانقسام والتمزيق وتشيع ثقافة لبنان بجناحيه: جناح مسيحي وجناح اسلامي. الأول يرغب في التحليق في سماء غربية مسيحية والآخر يرغب في الطيران في فضاءات عربية اسلامية... وغالباً ما كان يسقط البلد، عندما يحلق الجناحين في الاتجاهات المعاكسة.

يومذاك، اتضح لنا من خلال مقالات سعاده وفكره، ثم من خلال الاسلام في رسالتيه، ان لا خطر على الدين ابداً، من وحدة الاجتماع الانساني في الأمة، على قاعدة الولاء القومي وريعية الأخاء القومي. فيما الخطر كل الخطر، على الدين والمجتمع، اذا تشتت المواطنون، في ولاءات دينية مذهبية طائفية، وحاولوا ممارستها، اما بالقسر واما بالتوافق، واما بالتراضي، سياسياً.

ألا ترون يا احفادي، ان الذي غلب ثقافة الوحدة القومية هي الثقافات التجزيئية الطائفية؟ الا ترون ما آلت اليه اوضاعنا، فبتنا شعوباً وقبائل واحزاباً وتيارات ترتكز قواعدها على جماهير من طائفة او مذهب تتصدى لها جماهير من طائفة او مذهب آخر فيقف قلب الوطن منتظراً ساعة الانفجار.

ألا نرى معاً، التعصب الطائفي والعرقي والمذهبي. كيف حوّل العراق الى مذبحة، تحت الرعاية الأميركية والوصاية الدولية والاعتدال العربي الرث؟ ألا نرى ان لبنان يعيش دائماعلى الحافة، وان الخوف هو الخبز اليومي للبنانيين؟

قال لنا سعاده بضرورة فصل الدين عن الدولة وضرورة منع رجال الدين من التدخل في الشؤون السياسية، لما لرجال الدين من تأثير في مجتمع لم يخرج بعد من الموروث الديني المتصل. ألا ترون معي، ان احداث لبنان اعادت اللبنانيين بعد اغتيال الحريري، الى ايام الفتنة الكبرى في زمن الخليفة عثمان بن عفان وقتله، والى ايام كربلاء ومقتل الحسين؟ ألا ترون ان العنف يخرج من هذا التاريخ السحيق، فيما المسألة لا تحتاج الى استدراج هذا التاريخ، ليصفنا في صفتين اثنين، كأننا في معركة الحسم في ضفتي بين علي ومعاوية.

ما علاقة ذاك بهذا؟ ما علاقة ذاك التاريخ بواقعنا؟