وماذا بعد..؟

العدد 4 - تشرين أول 2005 : زيد قطريب
الاربعاء 19 تشرين الأول (أكتوبر) 2005.
 
بينما يبدو العالم، بمختلف تلويناته الفكرية والسياسية والاجتماعية، منهمكاً بوضع الاستراتيجيات القادمة، وكلّ طرف فيه يجهد لضبط وتوجيه التغيرات المتلاحقة بما ينسجم مع مصالحه ووجوده كعضو فعال وندّ قوي، في منظومة لا تخلو من الانقسامات والتكتلات المتسابقة أو المتصارعة... لايبدو الواقع العربي قادراً على تجاوز خلافاته مع ماضيه، فنظرية نهاية التاريخ التي أطلقها فوكوياما، وكذبة صراع الحضارات الذي بشّر به هنتنغتون، لا تعدو كونها هراءً فارغاً اقتصرت قراءته على نخب ظلّت معزولةً عن محيطها الذي يهرول باتجاه القرون الهجرية الأولى ليبحث في اللاهوت والشريعة وآراء فقهاء المذاهب!!.

لقد طبعت الحيادية سلوك المؤسسات العربية من ناحية تعاملها مع الأحداث التي عصفت في العالم، ودلّ ذلك على الكثير من العجز والتخلف وعدم المواكبة، فمنذ بداية التسعينيات مرّ سقوط الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية، كحدث عابر اكتفى العرب بمتابعته على شاشات التلفزة، وكأنهم يشاهدون خبر سقوط طائرة،أو حدوث زلزال مدمر في إحدى مناطق العالم... وكرّروا الشيء ذاته في 11 أيلول 2001 عندما ضربت الطائرات برجي التجارة العالمية في نيويورك في عملية قيل إن القاعدة وزعيمها أسامة بن لادن هم من يقفون وراءها!.

وبينما تسمّرت الملايين، ومنهم العرب طبعاً، تحدّق باندهاش في شاشات الفضائيات، وراح القادة يرسلون برقيات التضامن والعزاء.. كانت الادارة الأميركية تضع السيناريو اللاحق في أفغانستان والعراق، طبقاً لمئات الدراسات والخطط التي سبق أن أعدتها مراكز الأبحاث الاستراتيجية طيلة فترة التسعينيات ومارافقها من أفلام سينمائية وحملات إعلامية كانت تكشف بوضوح رؤية المخيلة الأميركية للامبراطورية القادمة، التي سنتحول بموجبها من عالم عربي إلى (شرق أوسط جديد) مقسّم إلى أعراق وإتنيات وطوائف ضعيفة ومتناحرة يمكن اختزالها في كلمة تسحر عقول الشرقيين هي (الديموقراطية).

حينها، أدرك العالم كله، إلا العرب، أن عصراً جديداً قد بدأ. عصر اصطلحوا على تسميته بالقطب الأميركي الواحد، واختزلوه في مقولة نهاية التاريخ، حين أجهزوا على جميع الحقب السابقة، مبشّرين بسطوة من نوع جديد، سطوة لن تفوّت فرصة لا تعوض على صعيد العلاقات الدولية، حيث انعدمت القوى المتكافئة في العالم.

كان يكفي أن نعود إلى التاريخ القريب عندما حصلت حادثة السفينة الأميركية الشهيرة (لونغ لايف) التي فجرتها طائرة حربية أميركية في عرض المحيط، ليقوم البيت الأبيض باتهام فيتنام وليتخذ ذلك ذريعةً لاجتياحها.

لقد أهدر العرب ما يقارب المئة عام المنصرمة، دون تحقيق أية انجازات تذكر على جميع الصعد، حتى إنهم صُنّفوا كشعوب تعيش في الماضي ولا تمارس أي دور في الحاضر أو المستقبل. وكأننا الآن أمام معادلة شديدة الخطورة تقول: بما أننا سبق وأن خرجنا من التاريخ - طوعاً أم قسراً - ولم نفعل شيئاً كي نعود إليه.. هناك من يطالبنا الآن بالخروج من الجغرافيا أيضاً.