العدد السابع والعشرون - تشرين الاول

حوار جامعة كولومبيا :الأميركيون أمام وقائع الشرق الأوسط. نجاد مثلاً

سالم موسى
الخميس 1 تشرين الثاني (نوفمبر) 2007.
 

بقدر ما يعجب المرء بالبراغماتية الأميركية وبالمنظومة التي تجذب إليها نخب العالم العلمية والفكرية والأدبية، وبقدر ما بات الحلم الأميركي حلماً لدى مثقفي دول العالم الثالث يهربون إليه من جراء ظلم الأنظمة التي لا تعطي الفرص للمبدعين ولا تتيح ممارسة القناعات وتكبت الحريات، إلا أننا نتعجب من وقوف هذه البراغماتية أمام وقائع الشرق الأوسط وتجردها من كل نزاهتها وصدقها وديموقراطيتها والأخطر هو تجردها من إنسانيتها. يمكنك أن تحاور الأميركي النخبوي في مسائل التنمية والعلاقات مع أوروبا ومع أميركا اللاتينية ومع الصين وروسيا بكل منهجية ومنطق، لكن عندما يصل الأمر إلى الشرق الأوسط تتعطل كل هذه القيم وترى نفسك مشدوهاً أمام ذلك النخبوي الأميركي وقد استحال غريزي التفكير، عصبيا، عشائريا بمعنى التعصب للعشيرة متشبثاً برأيه خارقاً حدود الحوار الحر واضعاً مسلمات لا يرضى بمناقشتها أبداً. تتعجب فعلاً كيف هذا النخبوي يكون براغماتياً في مكان ومتعصباً عنصرياً في مكان آخر.

لعل أبرز مثال هو ما جرى مع الرئيس الإيراني أحمدي نجاد أثناء إلقائه محاضرة في جامعة كولومبيا في نيويورك في 24 أيلول 2007، فقد تعرضت الجامعة لضغط شديد من اللوبي الصهيوني لعدم السماح لنجاد بإلقاء المحاضرة، لكن عنوان حرية الرأي الذي تمسك به رئيسها لي بولنيغر جعله يصر على استضافته من جهة ويمارس أبشع أنواع قلة اللياقة غير المعهودة في التعامل البشري من جهة أخرى. إذ ما قال في تقديمه لنجاد أنه دكتاتور وحشي "وأنت إما مستفز على نحو صارخ وإما جاهل على نحو مدهش". ومن المعلوم أن متحاربين وأعداء جلسوا للحوار والتفاوض في كل فترات التاريخ الإنساني ولم يشهد ذلك أي إهانة. تخيل لو حصل الأمر معكوساً لقامت حتماً قيامة الأميركيين ولم تقعد. صحيح أن بعض المسؤولين يستقبلون في دول تحتوي معارضين لهم بالتظاهرات والرشق، لكن في مكان الحوار لم نشهد مثل هذا التقريع. إنها دون شك جواب على أسئلة قد توجه لرئيس الجامعة بعد المحاضرة.

بدت الأسئلة التي وجهت إلى نجاد غير متناسبة مع المضمون الحضاري والسياسي لكلامه. كان يمكن مناقشته في أمور كثيرة واستيضاحه الكثير عن النظام السياسي والإجتماعي والإقتصادي في إيران. لكن ويا للعجب إنزلقت الأسئلة نحو "زقاقية" في مستواها وبن لادنية في مضمونها من مثل أجب بنعم أم لا (يذكر ذلك بتقسيم بن لادن العالم إلى فسطاطين).

بدأ الرئيس نجاد محاضرته بالتركيز على البعد الديني الأخلاقي في السياسة الإيرانية وأسهب الكلام عن الأنبياء ورسائلهم السماوية وعن تعاليم الله خالق السموات والأرض في محاولة واضحة لإفهام مستمعيه أن الإيرانيين يؤمنون بالله وبرسائل إبراهيم واسحق ويعقوب وموسى وعيسى ومحمد عليهم السلام. ربما رجح نجاد وهو محق في ذلك، أن معظم الأميركيين لا يتصورون أن إيران ورجال الدين فيها يؤمنون بالله الإله الواحد وذلك جراء كثافة الضخ الإعلامي والثقافي اليومي ضد إيران. كانت مقاربة ناجحة تهرب منها الجمهور المتعصب.

شرح نجاد مطولاً موقفه من المحرقة اليهودية المعروفة بالهولوكست. بعد تصريحاته في مؤتمر القمة الإسلامية في مكة عام 2005، وما نقل عنه من إنكاره لحصول المحرقة، شنت وسائل الإعلام الأميركية بمختلف إتجاهاتها حملة شعواء عليه وعلى إيران لكنه في جامعة كولومبيا تسنى له أن يوضح حقيقة تفكيره حول الهولوكوست. دعا إلى البحث في الهولوكوست ووقف التدابير التي تمنع وتجرم كل من يفكر في إجراء بحث أو دراسة عنه. الغرب يطلب التسليم بما هو شائع عن هذه الجريمة الكبرى. تساءل نجاد لماذا هناك مائتا باحث أوروبي يقبعون في السجون لأنهم حاولوا البحث في هذه القضية، وهل هذا يتماشى مع حرية الرأي حتى انه قارن بين البحث في موضوع فيزيائي طبيعي وهو مسموح وبين البحث في الهولوكوست لماذا يجري التشجيع هنا والتجريم هناك؟

نذكر هنا أن محطة ديسكوفري الفضائية بثت شريطاً حول تحقيق في وفاة الإسكندر المقدوني أجراه رائد متقاعد في الشرطة البريطانية واستغرق التحقيق سنتين توجه فيها المحقق إلى مقدونيا وبلاد فارس ومصر وسوريا والعراق حيث بحث وقرأ المخطوطات وقابل أشخاصاً واطلع على الظروف الطبيعية والمناخية والعادات والأمراض السائدة حتى توصل إلى قناعة أن الإسكندر مات بلدغة بعوضة أصغر من الذبابة.

إذا كان مسموحاً التحقيق بمقتل قائد كبير حصل منذ 2300 عاماً، فلماذا يمنع البحث في جريمة قتل فيها على حسب ما هو شائع 6 ملايين منذ ستين سنة، وهناك الكثير من المساعدات للتوصل إلى الحقيقة التي يسعى إليها الباحث.

طرح نجاد مقاربة أخرى: لنفترض أن الهولوكوست حصل فإنه حكماً ولا خلاف على ذلك حصل في أوروبا وليس في منطقة الشرق الأوسط، فلماذا يدفع الفلسطينيون الثمن. إذا كان قد حصل ذلك فعلى الأوروبيين دفع الثمن وليس على عاتق الشعب الفلسطيني يقع ذلك.

في عرضه للملف النووي الإيراني كان نجاد واضحاً لجهة إلتزامه بقوانين وكالة الطاقة النووية الدولية والسماح لها بإجراء تفتيشات منوهاً بأن أكثر التفتيشات تجريها في إيران وطارحاً تساؤلات حول جدوى السلاح النووي الذي لم يمنع الإتحاد السوفياتي من الإنهيار ولم ينقذ الولايات المتحدة في العراق. تحدث نجاد عن احتكار الطاقة النووية وطلب دول الغرب (حدد دولتين أو ثلاثة) من إيران وقف إنتاج الوقود النووي للطاقة السلمية والإكتفاء بشرائها منها ومشيراً إلى تجربة مع دول الغرب التي تنصلت مرة من اتفاقاتها النووية مع طهران والحقت بها خسائر تقارب خمسة مليارات دولار.

أوضح أن تخصيب اليورانيوم هو لدرجة 5 التي لا تكفي لإنتاج سلاح وتبقى تحت المراقبة وأن إيران تريد أن تنتج وقودها بنفسها وهو بذلك وضع المشكلة في منع الغرب لإيران من التقدم وتنمية اقتصادها ورفع مستوى معيشة شعبها.

لا ندري ما إذا كانت الدبلوماسية أم اللياقات منعت الرئيس نجاد من مقارنة ملف إيران النووي بالملف الإسرائيلي حيث ان إسرائيل لم توقع على معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية ولا تسمح لمراقبي وكالة الطاقة النووية الدولية بمراقبة منشآتها وتصرح علناً أنها تملك رؤوساً حربية نووية. لكن اللافت أيضاً أنه يجري مقارنة مع باكستان التي أنتجت سلاحها النووي وحاولت تهريب التقنية النووية الى ليبيا دون اي رد فعل غربي على ذلك.

في موضوع الديمقراطية أوضح نجاد أن نظام بلاده جاء إثر ثورة شعبية أطاحت بنظام ملكي استبدادي ظلم الناس وقمعهم وبدّد ثرواتهم. وأن الديمقراطية سائدة في ايران ( الطريف ان رئيس الجامعة وصفه بالدكتاتور وهو رئيس منتخب بأغلبية 61% لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة!)، كيف يكون دكتاتوراً وهو منتخب ومن المسلم به أنه سوف يغادر فور إنتهاء ولايته كما فعل قبله رؤساء مثل خاتمي ورفسنجاني وخامنئي.

هل نظام الشاه ديمقراطي عند هؤلاء النخبة والنظام الحالي الذي يتداول السلطة فيه إصلاحيون ومحافظون وفقاً لانتخابات ديموقراطية هو دكتاتوري ؟

في الإرهاب كان نجاد حاسماً في ان بلاده ضحية للإرهاب وذكّر باغتيال رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء وبعض المسؤولين في تفجير لمقرهم وكذلك اغتيال رئيس مجلس النواب وعدد كبير منهم في تفجير آخر على يد منظمة إرهابية تلقى حماية من القوات الأميركية المحتلة في العراق (نذكر هنا أن مجاهدي خلق مصنفة في الولايات المتحدة منظمة إرهابية وهي تعمل في العراق بحماية القوات الأميركية!).

وعرض نجاد للحرب التي شنها صدام حسين بدعم من الاميركيين والأوروبيين ضد إيران واستمرت لنحو ثماني سنوات وأدت إلى مقتل 200 ألف إيراني و 600 الف عراقي واستعمال الأسلحة الكيماوية. هذا العرض الواقعي لم يحرك مسامع الباحثين ولم يتكبد اي منهم عناء توجيه سؤال عن سبب دعمهم صدام حسين فترة طويلة ثم مهاجمة العراق لعزله.

عن حقوق المرأة أوضح نجاد أن هناك اثنتين من النساء من أبرز معاونيه وأن هناك نسوة وزراء ونواب وأن المرأة تشارك بالإقتراع في الانتخابات بنسب عالية. ربما كان نجاد يلمح الى الطلاب أن بعض حلفاء الولايات المتحدة ممن تصنفهم ديمقراطيين او معتدلين لا يقرون بمثل هذه الحقوق للمرأة في بلادهم لكنه تجنب اي اشارة فلو كان هناك من يعتبر نفسه لبيباً لفهم من غير اشارة.

في جواب حول مسألة الإعدامات في ايران كان نجاد موفقاً في الحديث عن إعدام مروجي ومهربي المخدرات التي تفسد الشباب في العالم (لا شك ان الطلاب يدركون ذلك ويعرفون المروجين في جامعتهم) وتساءل ألا تنفذ أحكام الإعدام في الولايات المتحدة.

يبدو أن نجاد لم يكن يتوقع ان تحظى المثلية الجنسية مكان في محاضرته فاكتفى بالقول انه لا يوجد مثليون في ايران ومن قال لكم ذلك؟

وجه نجاد دعوة الى طلاب الجامعة لاختيار جامعة في إيران وزيارتها ومحاورة تلامذتها.

لم ينس نجاد ان يطلب حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني عبر استفتاء وذكر انه يحترم الدين اليهودي وأن في بلاده يهوداً يعيشون بحرية وهم ممثلون في مجلس النواب بعضو واحد ودعا الى التعايش بين المسلمين واليهود والمسيحيين.

قابل الإعلام الأميركي هذه الطروحات بعصبية وبعدائية واضحة ومنظمة. إضافة الى التظاهرات والاحتجاجات وارتداء Tshirts عليها شعارات ضد أحمدي نجاد. بدا واضحاً تجاهل المحطات التلفزيونية للمضمون السياسي والثقافي للخطاب وكلما كان نجاد يتحدث عن موضوع معين في النقل المباشر انتقلت المحطات لاجراء مقابلات مع معارضين مع الاكتفاء بصورة له على زاوية الشاشة.

في صحيفة نيويورك تايمز بدأت هيلين كوبر مقالها بأن نجاد قال انه لا يوجد مثليون في ايران وأن المجزرة النازية لستة ملايين يهودي لا يمكن التعامل معها كحقيقة بل هي بحاجة الى مزيد من البحث.

غاب الكلام عن الديمقراطية والإرهاب وقانونية الملف النووي وسيطر الكلام على الهولوكوست على الخبر كما ابرزت إهانات لي بولينغر وأغفلت ردود نجاد فيما عرضت الصحافية أشر فوغل لأغاني وأناشيد المحتجين ضد زيارة نجاد وإلى تقديم لي بولينغر وإهانته لنجاد ثم لردود فعل هيئات معارضة وحاخام يهودي على الزيارة.

لم تلتقط وسائل الاعلام عمداً مضمون الكلام وكان هناك الكثير لمناقشته إلا أنه جرى التركيز على الهولوكست والمثلية الجنسية من أجل التهرب من المواضيع السياسية الثقافية المطروحة للنقاش.

يمكننا عند البحث ان نجد فقرات متقطعة من كلام نجاد السياسي مثلاً: "شدد على السماح للمسلمين والمسيحيين واليهود بحق تقرير المصير وتساءل لماذا يدفع الشعب الفلسطيني ثمن حادثة لا شأن له بها"، لكنها مبعثرة في الأخبار وتوزعت كفتات في الصحف ويصعب تجميعها وتكوين رأي فيها.

لا ريب أن العصبية التي سادت وسائل الإعلام سوف تلفت نظر العديد من الباحثين الأميركيين وسوف تؤدي بهم إلى طرح الأسئلة في الموضوع الإيراني، في وقت يجري الإستعداد الإعلامي والسياسي والعسكري لشن حرب ضد إيران، من المقدر أن تدفع الولايات المتحدة تكاليف باهظة فيها ومن المؤكد أن تدفع المنطقة تكاليف أكثر بكثير ثمناً لها.

هل أحدثت محاضرة نجاد ثغرة في الجدار الأميركي الذي تعرض سابقاً لثغرات.

أطرف تعليق هو مقارنة زيارة نجاد إلى جامعة كولومبيا بزيارة وزير من المانيا النازية عام 1933 إلى الجامعة نفسها. لا ندري وقتها ما إذا كان ذلك الوزير تعرض للإهانة أو جرى استنفار إعلامي لإغفال مضمون محاضرته وإجاباته كما حصل اليوم.

يبقى سؤال يطرح أمام الشباب العربي الذي يظهر نقمة على الأنظمة في بلاده. هل هذا النظام الأميركي هو الحلم الذي يراودكم؟ وهل تقبلون بطريقة التفكير هذه؟ وسؤال آخر إلى النخب العربية والإسلامية المتعامية ثقافياً على الأقل، عن هذه الهجمة العنصرية ضد العرب والمسلمين. هل من أعداد لمواجهة مثل هذه الأفكار والسياسات التي تتناقض مع مصالح الأنظمة والحكومات والشعوب التي تمثلون؟

محاضرة نجاد في جامعة كولومبيا يجب التعامل معها كمحطة مراجعة وتأمل في العلاقات الثقافية والسياسية مع النخب الأميركية.

 

سالم موسى