العدد السابع والعشرون - تشرين الاول

الإعلام وفلسفة الهيمنة

د. مهى رسلان باحثة من لبنان
الخميس 1 تشرين الثاني (نوفمبر) 2007.
 

لا ينفكّ الساعون إلى الفرادة الأميركية، عن ابتعاث مروحة من الأفكار، لا يقصد منها سوى منح السيطرة مشروعية الاستمرار والتراكم لتأخذ صعيدها المعرفي والثقافي. ويتحدث معظم هؤلاء بلغة اليقين، ودائماً عبر آليات الإعلام، بهدف خلق اعتقادات في المجتمعات الدولية، وخصوصاً الأوروبية فضلاً عن"مجتمعات الأطراف" مؤداها التسليم بنمط الحياة الأميركية كقدر لا مناص منه.

ها هو دانيال بيرتون أحد البارزين في قطاع الاتصالات يرى "أن الولايات المتحدة. بصفتها رائداً في اقتصاد الشبكات سوف ترسم تطور هذا الاقتصاد. ذلك أنه ليس هناك أي دولة أخرى في العالم تملك المؤهلات اللازمة لتوجّه تطوره، فهناك وجود برمجي هائل، ومصنّعو مواد على مستوى دولي وصناعة ديناميكية ذات محتوى جيد، وقطاع اتصالات كامل الخصخصة. وقاعدة صلبة لرأسمال جسور، وسوق عمل مرن، ونظام جامعي لا نظير له".

يضيف بيرتون أننا في النهاية نتجه نحو عالم للشبكات يتكون من مجتمعات إليكترونية تجارياً وثقافياً، عالم يعمل على تدعيم مكانة الولايات المتحدة كأمة من بين الأمم الأخرى، ولكنها في نفس الوقت، وعلى النقيض من ذلك، أمة تعمل على تفكيك نظام الدولة
-  
الأمة.()

يكشف هذا الكلام عن أحد الوجوه الأكثر عناية بالاهتمام في الخطاب الثقافي الأميركي وهو ذاك المتّصل بالرغبة في تخليع الرابطة القيمية التي نشأ عليها مبدأ الدولة
-  
الأمة، تريد الطبقة السياسية الحاكمة في الولايات المتحدة أن تقيم عالماً يشبهها في الغرب وفي العالم أجمع، أي دولة عالمية سمّاها أحد الخبراء الأميركيين وهو جيمس كورث بـ"المؤسسة الأميركية"، التي ذهبت ابتداء من نصف القرن المنصرم إلى جعل مصلحة الدول
-  
الأمم، مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان تتفق مع تجاوز مفهوم الدولة
-  
الأمة، عن طريق العضوية في عدة منظمات دولية كالأمم المتحدة ومنظمة الدول الأميركية وحلف الأطلسي والغات وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي وسواها. وخلاصة القول إن الدولة الأميركية مثلها مثل تلك الدولة التي قامت في أوروبا واليابان. نفّذت مشاريع كبرى في الأبعاد الثقافية والأمنية والاقتصادية للحياة الاجتماعية. لكن على خلاف الدول
-  
الأمم الأخرى، فإنها فعلت ذلك على نطاق قاري هائل الحجم حقاً. بل إنها حتى وهي تفعل ذلك كانت تنشئ أيضاً عالم ما بعد العالم الحديث، وبذلك مهّدت الطريق لزوالها كدولة أمة.

كانت بداية التسعينات ذروة ما وصلت إليه التجربة الأميركية لجهة نزع القيم التي تقوم عليها مبادئ الدولة
-  
الأمة. لتنتقل بعد ذلك إلى زمن الهيمنة على العالم؛ وهو زمن يتّسم بتخطي الاتكاء على جيوش تقليدية كبيرة، تقوم على التجنيد الإجباري الجماهيري وتوفر الدفاع القومي. وذلك باتجاه تشييد ما يسمى بـ"مجتمع ما بعد العصر الحديث" الذي يقوم أساساً على وجود الأسلحة النووية، التي توفر الردع الموسع، والأحلاف الدولية الدائمة (مثل ما حدث مع الحلف الأطلسي) وعلى التكنولوجيا الراقية, والأسلحة الموجهة بدقة والأسلحة الشبح، مما يوفر القوة العسكرية لتحالفات دولية مؤقتة كاّلتي حصلت في حرب الخليج الثانية والتي حصلت على نحو مدوًّ في الحرب على يوغوسلافيا، وصولاً إلى المثال الأفغاني والذي عدّه كثيرون من الاستراتيجيين الغربيين مثالاً قابلاً للتكرار في غير منطقة من العالم. وبطبيعة الحال, فستأتي حرب غزو العراق في العام 2003، لتمنح مساراً كهذا، درجته القصوى في حقول التطبيق.

إن الوجه الإعلامي للتطور الأميركي شكل الآلية المتقدمة لظهور الإمبريالية المفتوحة. وكان بديهياً أن تؤدي الشبكة الإعلامية الهائلة مهمتها الكبرى باتجاه تفكيك أنظمة القيم في العالم. وإذا كانت مجتمعات الأطراف أو ما يصطلح عليها بالدول النامية آثرت خيار التلقي والامتثال عموماً للهيمنة الإعلامية والثقافية
-  
الأميركية، فذلك لم يحصل على الإجمال في المجتمعات الغربية. فكان أن انفجرت في وجه الزحف الإعلامي الأميركي تيارات وازنة في المجتمع المدني الأوروبي، تطالب بضرورة الممانعة والمواجهة. حتى إن الحكومة الكندية استشعرت هذا الخطر وأعلنت على لسان السيدة شيلاكوبس النائبة السابقة لرئيس الوزراء ووزيرة المالية لعام 1997, وجوب مواجهة ما أسمته بـ"الإمبريالية الثقافية" وأكدت أنه إذا أصرّ الأميركيون على فرض هيمنتهم على المجتمع الثقافي العالمي باستخدام الأدوات المتاحة لهم، فإن عليهم أن يتوقعوا إجراءات مضادة.

المسألة بالنسبة للمؤسسة السياسية الأميركية لا تتعلق بالأخلاقيات المجردة، وإنما أساساً وقبل أي شيء بملاءمة النشاط الإعلامي والثقافات المنتجة في سياقه مع الدرجة التي بلغها تطور شبكات المصالح والنفوذ في العالم، لذا فإن الآليات الإعلامية تقصد بشكل منهجي ومعمق إعادة تشكيل الوعي الجماعي العالمي, وتكييفه على نحو يناسب حاجات الإمبريالية المفتوحة، فثورة التكنولوجيا الإعلامية كما يؤكد الكاتب الفرنسي إيناسيو رامونيه تتطلع لإحلال الحاسوب محل العقل البشري، وتتسارع هذه العقلنة العامة لأدوات الإنتاج بفعل التوسع الكبير في الشبكة الجديدة للاتصالات، وبذلك ينشط الإنتاج وتختفي بعض المواد وتتفجر موجة البطالة والعمل الموقت (...) أما في الميدان الاقتصادي فالسائد هو ظاهرة العولمة أي الارتباط المتزايد والوثيق بين اقتصادات بلدان متعددة، وتهم هذه العولمة أساساً القطاع المالي الذي يهيمن من بعيد على الأجواء الاقتصادية وتعمل الأسواق المالية طبقاً لقواعد وضعتها لنفسها بنفسها وباتت من الآن فصاعداً تفرض قوانينها الخاصة على الدول ذاتها، في حين على صعيد العلاقات الاجتماعية أحدثت ثورتا الإعلام والاقتصاد أزمة في مفهوم السلطة، فبعد أن كانت هذه حتى عهد قريب عمودية أبوية مهيمنة، باتت الآن تزداد أفقيةً وفق تركيب شبكي
-  
بفضل تقنيات الاستقلال الإعلامي
-  
والتوافقي. وفي ذلك تغيير جذري لهوية السلطة السياسية وممارساتها.

لم تكن التكنولوجيا التي أنجبتها العقلانية الغربية في أي يوم بريئة من غاياتها السياسية, وكذلك لن تكون ثورة المعلومات التي اختتمت قرناً واستهلت قرناً آخر بريئة من داء التسييس.

وحين يذهب الإعلام المسيطر ليسوّغ ثورته المدهشة فلا يفعل هذا إلاّ لخدمة طبقة سياسية تتصدر عرش العولمة وشركاتها الكبرى.

وعلى امتداد هذه الملحمة الفظيعة للعولمة الجديدة تلقي إمبريالية الصورة والصوت بظلالها فوق عالم يترنح, وإنسان يواجه مصيره بعقلانية صارمة.

 

باتجاه إعلام مسدَّد بالأخلاق

لسنا نزعم، أن بمقدور أي كان جهة أو شخصاً، أو حتى دولة، أن يؤسس لخطاب إعلامي أخلاقي من دون مشقة. الإشكالية، بالطبع غير مستحيلة، لكن تفكيكها وإعادة تشكيلها على أسس جديدة يتطلب التعامل معها والنظر إليها بوصفها إشكالية تتجاوز النطاق المحلي وحدود السيادات القومية، أي بوصفها إشكالية عالمية بامتياز. تتعلق أولاً وأساساً بضرورة تشييد نظام قيم عالمي جديد يقوم بطبيعته على توازن ما في مجالات السياسة والأمن والاقتصاد والاجتماع الإنساني.

هل يمكن ذلك؟ لو قلنا بإمكان النظام العالمي المتوازن فلسوف نقع في تجريد ساذج؛ ذلك أن عالماً تضبطه معايير القوة وشهوة الاستحواذ لا يمكن أن يؤمل منه ما يحتويه وما لا طاقة له به.

إن الشرط البدئي لقيامة نظام قيم راسخ على النطاق العالمي، هو شرط يؤسسه توازن بين قوى المجتمع الدولي وأقطابه وعوالمه المتعددة. وحتى يصير هذا الشرط واقعياً فلا بد أن يسبق التوازن حدوث تحولات ضرورية في نسبة القوى الدولية، بما يؤدي إلى ضرب من ديمقراطية أممية أساسها الاعتراف بمبادئ العدالة والسيادة وحقوق الإنسان اعترافاً عملياً.

إن كان هذا الشرط طوباوياً وغير قابل للتحقق بالنظر إلى منطق وطبيعة التطور العالمي بعد الحرب الباردة, فإن الشرط نفسه قابل للنفاذ على نطاق المجتمعات المحلية.

في الغرب وصل النقاش إلى مراحل مهمة حول ضرورة إعادة بناء نظام جديد لقيم. أما عناصر هذا النقاش فتجري انطلاقاً من وجوب إجراء مصالحة بين الممارسة السياسية والممارسة الأخلاقية، واستطراداً بين الغاية والوسيلة بحيث لا يؤدي طغيان شعار المصلحة العامة للأمة على ضرورات الاجتهاد والاختلاف، وتعدد الأفهام في التعاطي، ومقولة المصلحة العليا، والأمن القومي الخ.. إذ غالباً ما يجري الاضطهاد باسم الديمقراطية ومن أجلها أو باسم الدفاع عن حقوق الإنسان ومصيره.

أما في بلادنا، وتحديداً في المجتمعات الشرقية والعربية والإسلامية فالنقاش مع الآخر الغربي
-  
هو نقاش سلبي في أغلب الأحوال
-  
لا يخلي المساحة الضرورية التي تكفي لتفعيل حوار الاختلاف والإبداع بين أبناء الوطن الواحد والأمة الواحدة.

بعد هذا نعتقد أن الأخلاق الفطرية التي توفرها الطبيعة البشرية المجردة، وبالتالي الأخلاق الدينية الأساسية التي تحكم الأفراد والقوانين المدنية التي تنتظم فيها المجتمعات، ستشكل أساساً لحفظ القيم في مجتمعاتنا، ومن ثمة لتأليف نظام للقيم في كل ما يتصل بتدبير الشأن العام والعلاقات بين أفراد المجتمع.

إن هذا يقتضي منا أن ندرس أخلاقنا السياسية والثقافية دراسة تفكيكية نقدية، دراسة تحكمها روح التسامح بين الدولة ومؤسسات المجتمع المدني. وفي هذا المعنى يمكن أن ينشأ الخطاب الذي طالما فقدناه، ذاك القائم على رحمانية العلاقة بين قوى المجتمع واختلافاته وتنوعاته الفكرية والسياسية والثقافية والاجتماعية. إنه الخطاب الحر؛ هذا الذي تكون الحرية فيه مفهومة على أنها التحرر من كل إكراه، أو قسوة تحول دون الإنسان وإيمانه أو دون فعله وما يود فعله. إن الخداع الإعلامي هو أخطر أنواع الخداع، لأنه يقلب الحقائق رأساً على عقب ثم يعود ليبثها من جديد كحقائق لا تقبل الشك ولا تجد فيها محلاً للسؤال.

الخطاب المخادع هو ما يصور للناس ما ليس لهم به منفعة، على أنه خير صافٍ لهم. وهو الذي ينبئ بأخبار لا قصد لها سوى جعل الناس يؤمنون بآلهة أرضيين من دون الله الواحد الأحد.

إن نقد العقلانية الاقتصادية باعتبارها قلب العقلانية لا أكثر، يؤدي بدوره
-  
كما يبيَّن سيرج لاتوش- إلى بعث الاعتراف بما هو معقول. فالتحرر من الإرهاب العقلي، لا يحرر الخطابة فحسب, بوصفها قاعدة السياسة والديمقراطية, وإنما يحرر أيضاً التعبير الشعري. ويعتبر الهزال مسؤولاً أيضاً تبعاً لـ "بيار تويليه" عن (التضجر الجواني الكبير) حيث تحطمت الحضارة الغربية. ثم إن إعادة بناء الأخلاق باتت ضرورة لأن القيم المؤسسة للاجتماع الإنساني في عالم القرن الجاري تستنبت الوحشية والاستلاب في كل مكان من العالم.