العدد السابع والعشرون - تشرين الاول

المسيحيون العراقيون ودورهم في بناء العراق الحديث

الاب سهيل قاشا
الخميس 1 تشرين الثاني (نوفمبر) 2007.
 

المسيحيون، ضحية التاريخ، وصورة الواقع في كل عصر وكل مصر. فقد حملوا في أعناقهم ذنوب الآخرين، فكانوا كبش الفداء بمحرقة حقد الشعوب.

عاش المسيحيون العراقيون مع اخوتهم المسلمين فترة الحكم العثماني (1534- 1918) محتملين صعوبات العهد وشقائه وعراقيل الحياة الاجتماعية والاقتصادية في تخلف مدقع، محرومين من كل سبل التطور والتقدم، منغمسين في حمأة الظلم والفساد، بعيدين عن ميادين الفكر والنهضة وذلك بسبب النظرة الشوفينية الفوقية. فكان العراقيون جميعاً والحالة هذه مضطهدين ينتشر بينهم الجهل والفقر والمرض.

ومع كل الضغوطات، فإن بعضاً من المسيحيين استطاعوا ان يبرزوا على المسرح الاجتماعي والثقافي والاقتصادي، واظهروا كفاءة عالية من الحرص على النهوض، فساهموا عميقاً في حركة اليقظة العربية، سيما في النطاق الفكري وعلى قدم المساواة مع اخوانهم العرب المسلمين والمسيحيين في لبنان والشام.

قبل اي معالجة للموضوع، لا بد من ملاحظات مهمة يجب الأخذ بها قبل الولوج فيه سيما بهذا الزمن الصعب الذي يمر بالعراق الحبيب، والعراقيون جميعاً يكتوون بنار الاحتلال الغاشم والأصولية العنيفة، علماً أنهم مدعوون اليوم لافتتاح صفحات تاريخ جديد في مطلع الألف الثالث.

لا شك، أنني اعالج موضوعاً حساساً، ولكني أجده واجباً ولازماً لأن أخوضه وانا بعيد عن أرض وطني في الاغتراب -والغربة قاتلة- والموضوع هذا، لا بد من إدراك جوانبه ودواخله من قبل ابناء العراق جميعاً دون تمييز قومياً ودينياً ومذهبياً. فالأمر يخص الجميع خصوصية خاصة، اذ هو، - ان صح التعبير- خلق عراق جديد في كل الميادين السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية.

من الأمور المهمة الواجب ادراكها والتأكد عليها هو ان المسيحيين في العراق ليسوا أقلية بما تعنيه الكلمة، لأن هذه (الأقلية) كانت يوم دخول الجيوش الاسلامية لفتح العراق تسعة ملايين نسمة، ماذا بقي منهم؟ ولماذا؟ ثم ان هذه الأقلية لعبت دوراً مهماً وصادقاً في حضارة الدولة الاسلامية في العهدين الأموي والعباسي -وخاصة العباسي- وكتب الحضارة مع جميع مصادرها ومراجعها تؤكد هذا الدور الجليل الذي لعبه المسيحيون في حضارة العراق على كافة الأصعدة الحياتية، وجميع ميادين نشاطها الحضاري، ولست هنا بمعرض الاستعراض ودراسة هذه الفترة فشهادات المؤرخين تؤكد هذا الدور الحضاري العظيم.

ما أجده ضرورياً ومهمّاً هنا هو التأكيد على دراسة فترة مائتي السنوات الماضيات، لما لهذه الفترة من مكانة في نهضة العراق الحديث، وما أنجزه المسيحيون بالذات في هذين القرنين (1800-2000).

المسيحيون العراقيون اليوم، هم، هم، كأجدادهم الأولينٍ في حبهم وموالاتهم لأرضهم العزيزة، وعزمهم على بناء العراق ورفع رايته على جميع أرضه يظلل جميع ابنائه كأمة واحدة هي الأمة العراقية، فالمسلم السني والشيعي عراقي، والمسيحي الآشوري والكلداني والسرياني عراقي، والكردي والتركماني عراقي، اليزيدي والصابئي عراقي، فهيا وقد حان الوقت لرفع شعار "الأمة العراقية الواحدة والمتوحدة، في عراق واحد متوحد" فقد آن الأوان للانصهار في وطن واحد عزيز حبيب.

المسيحيون العراقيون معروفون بوطنيتهم الخالصة والصادقة على مد التاريخ. لهذا كان ثقلهم التاريخي والحضاري، ومكانتهم الواسعة والعالية في العراق الحديث والمعاصر، ووجودهم الحي واجب ولازم عبر مؤسساتهم الدينية والاجتماعية بأديرتهم، وكنائسهم، ومدارسهم، ومطرانيتهم، وخورانيتهم، وخاصة في الموصل الحدباء، وبغداد الزوراء، والبصرة الفيحاء.

فالموصل بما يحيط بها من مدن وقرى: باخديدا، كرمليس، برطلي، تكليف، تل أسقف، باطنايا، وباقوفا، والقوش، وغيرها الكثير المبثوثة في شمال العراق كنجوم السماء. فمنذ عشرين قرناً وهم يعطون بسخاء من روحهم، وافكارهم، واقتصادهم ما يعتزون به لخدمة وطنهم العراق ونهضته مجاراة للعالم الناهض والمتقدم، يسقونه بدمائهم وعرق جبينهم يدافعون عنه في كل سبيل سلماً وحرباً.

لم اكن افكر يوماً ان اكون بموقفي هذا، أن أكتب مدافعاً عن المسيحيين العراقيين، لأنني كنت اعتبرهم واحداً مع الشعب العراقي المتوحد فكراً وثقافة وآمالاً. لا تميزهم، ولا تفرقهم اية قوة، واي دخيل. الا انه اليوم حدث ما لم يكن متوقعاً، فأجد من الضرورة الكلام ورصد الأحداث.

كلنا يعلم ان الشعب العراقي بكافة قومياته وعناصره، ومذاهبه وتياراته واحداً، قد تجانس وتناغم، فقد مرّت عليه ذات الأحداث وذات الأيام، حلوها ومرها، عتيّها وخفيفها، وعملوا يداً واحدة لتقدمه ونهوضه باسم العراق وللعراق، ومن العراق.

اليوم هناك موجات عاتية، ورياح عاصفة، تحاول قلع العراق والعراقيين وخاصة المسيحيين من اصولهم التاريخية وجذورهم الحضارية، فيجب الانتباه والحذر كل الحذر، من الأصابع الخفية التي تعمل بالظلام، والخونة الذين يعملون وراء الكواليس.

أجل، من يقرع الأجراس لاستئصال المسيحيين؟

من يقرع النواقيس لتقرير المصير؟

من يؤذّن بالناس للقتل والسلب والخطف والتهجير؟

آلاف السنين مرّت على وجود المسيحيين في العراق. فهم سكانه الأصليون، منذ وجود أجدادهم البابليين والكلدانيين والآشوريين والعرب المسيحيين المتمثلين بقبائل تغلب وأياد وخضر وربيعة وسليم وطي...

فلا بد من وقفة تأمل،

لا بد من وقفة تمييز وتمحيص وتحقيق.

اليوم كنائسهم تفجّر، وأديرتهم تدمّر، ومتاجرهم تخرّب ويتعرضون لشتى الاعتداءات الارهابية بين التهديد والوعيد، والطرد والتشريد. يتعرضون كل يوم للشتم والاستهزاء بمقدساتهم: الصليب والمسيح والانجيل...

لماذا؟ ماذا جرى في العراق وللعراقيين الذين لم يعرفوا يوماً العنصرية والطائفية والمذهبية. أكيد هم من وراء الحدود القريبة والبعيدة، يرغبون في تشويه وجه العراق الصافي النجيب، ووجوه العراقيين الشريفة ذوي الغيرة والشهامة، وقطع ايدي المواطنين المسلمين والمسيحيين المتحايلة دوماً للحق والحقيقة.

إذن، لا بد من التعريف بأولوياتنا الأمنية والوطنية قبل كل شيء. فنحن عراقيون قبل اي مرجعية قومية او دينية وسأبقى مدافعاً عن حقوق كل العراقيين بكافة انتماءاتهم الدينية والعرقية والمذهبية، من اجل استعادة مجد العراق وازدهاره، وعودته ثانية فيصب قدراته الحضارية في العلم والمعرفة في بحر الحضارة العالمية عبر رافديه دجلة والفرات معطائين، انهيار الجنة الأرضية والفردوس المفقود من خلال الوطن الواحد والشعب الواحد.

 

روّاد النهضة:

من أجلّ الصور لهذه اليقظة والنهضة هو ظهور رجالات سياسية وثقافية واجتماعية عملوا معاً يداً بيد مع إخواتهم العرب المسلمين، سيما تلك المواقف الوطنية التي امتازوا بها تذكر وتشكر، فلا بد من الوقوف على جملة الحقائق المهمة التي تكاد ان تكون مجهولة عند المثقفين العرب، حتى عند العراقيين أنفسهم، علاوة على الغبن والجفاء والتعتيم الذي قاسوه ويقاسونه من التاريخ، عندما يشار الى غيرهم من مصر ولبنان وبلاد الشام. وهم اعلام نهضويون مرموقون قدموا خدمات كبيرة لنهضة العراق ولم يزل تأثيرها البالغ في الحياة العراقية والعربية الحديثة. ومن المؤسف حقاً ان يقدّر ويثمّن هؤلاء في بلدان اوروبية، ولا يعرفهم العرب ابداً وهم ابناء الرافدين الأقحاح.

 

الأب سهيل قاشا