العدد السابع والعشرون - تشرين الاول

حوار بين نخب أميركية وإسرائيلية حول لبنان...والتعليقات عليه

الياس سالم
الخميس 1 تشرين الثاني (نوفمبر) 2007.
 

أجرت وزارة الخارجية الأميركية - برنامج المعلومات الدولي ومكتب العلاقات العامة في السفارة الأميركية في إسرائيل والمركز العالمي لأبحاث الشؤون الدولية في تل أبيب حلقة عبر الفيديو والأقمار الاصطناعية تركزت على الشؤون الداخلية اللبنانية والتأثيرات الخارجية حيث عرض خبراء أميركيون وإسرائيليون موازين القوى والصراع على السلطة والعوامل الخارجية والتطلعات نحو المستقبل في لبنان شارك في هذه الحلقة كل من:

  الدكتور بول جريديني وهو مستشار لعدد من الشركات الأميركية الكبرى ومدير مؤسسة جريديني ومكلورين.

  الدكتور أومري نير أستاذ في جامعة تل أبيب والجامعة العبرية وجامعة بن غوريون في النقب مؤلف كتاب الشيعة خلال أحداث 1958 في لبنان.

  البروفسور باري روبين مدير المركز العالمي لأبحاث الشؤون الدولية (غلوريا) في إسرائيل ورئيس تحرير مجلة أبحاث الشرق الأوسط ومجلة ودراسات تركية.

  لي سميث أستاذ زائر في مؤسسة هدسون في واشنطن.

  الدكتور جوناثان سباير زميل باحث في مركز غلوريا الإسرائيلي.

أهم ما جاء في هذه الحلقة:

بول جريديني على حزب الله أن يقرر ما إذا كان سيبقى في الإطار الوطني أو يقوم بحركة أخرى مثل حماس للسيطرة على السلطة وإنشاء دويلة كجزء من وضع تكون فيه حكومتان في لبنان. ويضيف أن الجميع في لبنان ينظرون إلى حزب الله كميليشيا شيعية تهتم بحماية المصالح الإيرانية ولم يعد حركة تحرير فهو لا يحرر شيئاً. يمكن لحزب الله أن ينتظر 17 سنة حيث يضاعف عدد الشيعة.

القرار لا يعود لحزب الله تماماً بل لإيران ولسوريا دور.

أومري نير:

لا يبدو أن هناك احتمالاً بوجود قيادة شيعية بديلة لحزب الله في المستقبل القريب.

باري لوبين: آمل أن لا نقلل من تقدير حجم القوى المعارضة لحزب الله في لبنان. الائتلاف الحكومي لم يرتدع بالاغتيالات وتمثل من 60 إلى 65 % من السكان وهم لن يستسلموا ويصح ذلك إذا تلقت الحكومة دعماً خارجياً كافياً يمكن أن يوازن مع الدعم الإيراني والسوري لحزب الله.

لي سميث:

هناك أغلبية في لبنان وقفت بوجه حزب الله وتبدو راغبة بالاستمرار حتى لو أدى ذلك إلى حرب أهلية.

روبين: سرد بعض أخطاء ارتكبها حزب الله.

أولاً: ضيع الفرصة لبناء تحالف مع السنة وذلك بوقوفه إلى جانب الجيش السوري ومنفذاً لدمشق في وقت بدت فيه سوريا متورطة بمقتل رفيق الحريري وهو أهم زعيم سني، وبذلك وضع حزب الله نفسه عدواً للسنة. وبقضائه على فرصة قيام جبهة إسلامية دفع السنة ومعظم المسيحيين والدروز بعيداً عنه ما جعل من الصعب عليه أن يسيطر على الحكومة اللبنانية.

ثانياً: إن حرب 2006 هي اقل الحروب شعبية في لبنان والعالم العربي. وهناك اشمئزاز من ضعف حزب الله في برنامج إعادة الإعمار بحيث انه إذا نشبت حرب جديدة مع إسرائيل فإنها سوف تضعف موقف حزب الله الداخلي.

ثالثاً: حزب الله يظهر ولاء لإيران ولسوريا أكثر من ولائه للبنان، إنه لا يطالب الحكومة بتحسين مستوى المعيشة بل يسعى لايقاف المحكمة الدولية انقاذاً لسوريا.

جريديني:

هذا يؤدي بنا إلى تطور متعدد الوجوه، فالعديد من الجهاديين والإرهابيين تسللوا إلى لبنان ليس فقط في نهر البارد بل في بيروت وصيدا والشمال ومن المفترض أنهم مدعومون من منظمات غير حكومية وأموال من الخليج. لم يكن للسنة ميليشيا وهذا ما يقلقني لأنه إذا استمر هذا التهديد فإن المتطرفين الأصوليين سوف يسيطرون على الشارع ويسحبونه من الحريري والسنيورة. أنا متأكد أن حزب الله يدرك ذلك ولهذا فإن المفتاح موجود بين أيديهم. إما أن يتوقفوا عن إضعاف الحكومة أو سوف نصل إلى حكومتين أي بداية التقسيم.

نير:

إن المنظمة البديلة عن حزب الله هي حركة أمل والتي يبدو أنها ضعيفة في المدى القريب، تحتل حركة أمل 15 مقعداً في مجلس النواب فيما يحتل حزب الله 14 كما تسيطر في الجنوب على 84 بلدية فيما يسيطر حزب الله على 87.

ما الذي يمنع نبيه بري أن يكون البديل؟ الجواب هو أن الأزمة السياسية الحالية تخدم حزب الله. إنها منعت امكانية قيام الحكومة التي تشارك فيها حركة أمل تقليدياً، من قيادة حركة الإعمار وتركت ذلك لحزب الله بتمويل إيراني. حزب الله أيضاً هو ثاني أكبر رب عمل بعد الدولة إذ تعيش 35.000 عائلة من رواتب من حزب الله. يضاف إلى ذلك أن بري أخذ دور الوسيط بين مختلف الفرقاء وهذا الوضع يريح حزب الله.

سباير:

من المعروف أن عمليات تهريب واسعة النطاق للأسلحة بدأت منذ وقف إطلاق النار عام 2006 وذلك وفقاً لتقرير دولي. واستناداً لهذا التقرير، الجيش اللبناني يفتقر إلى الخبرة والتجهيزات والتوحد اللازم. أما القوات الدولية فإنها فشلت في الانتشار على الحدود اللبنانية - السورية وبذلك أعاد حزب الله تسليحه خلافاً لمضمون القرار 1701.

إسرائيل تريد القوات الدولية منتشرة على الحدود اللبنانية - السورية وتريد أن يكون لها حق التفتيش والمداهمة وتعديل قواعد الاشتباك للسماح لها بالتعامل مع حزب الله بقوة أكثر. أما القوات الدولية فيبدو أنها ارتضت لنفسها دوراً محدوداً ويا للسخرية يمكن وصفها أنها تقع تحت حماية حزب الله. قال أحد المسؤولين الإيطاليين: "ليست لدينا الإرادة السياسية في إيطاليا من أجل مشاهدة أكياس الجثث تعود إلى الوطن".

وإذا كان لا بد من حرب فإن احتمال توغل إسرائيلي عميق هو احتمال واقعي وهذا يعني اشتباك مع القوات السورية.

سميث:

لاحظ الفرق بين أداء الحكومة اللبنانية اليوم وأدائها في السبعينات في تلك الأيام رفض السنة التدخل ضد المجموعات الراديكالية، أما اليوم ففي تعاملها مع فتح الإسلام قامت الحكومة مدعومة من دول الخليج والأردن ومصر بمهاجمة المخيمات الفلسطينية وذلك في نهر البارد.

روبين:

أرى أن أولوية سوريا هي التخلص من المحكمة ثم استعادة السيطرة على لبنان. لسوريا أدوات في لبنان من ضمنها حزب الله - عون وعدد من السياسيين القدامى. وهناك مجموعات للقيام بأعمال العنف من ضمنها حزب الله، الحزب القومي السوري وفتح الإسلام والمخابرات السورية نفسها. يمكننا أن نقول للبنانيين "طالما أن سوريا تلعب دوراً كبيراً في لبنان لن تعرفوا السلم".

السوريون يذهبون إلى الأوروبيين والأميركيين ويقولون: نريد أن نتحدث حول استعادة الجولان ولكن إذا امتنعتم وإذا لم تكن تريدون حرباً جديدة مع إسرائيل وقيامنا بأعمال العنف في العراق أو تقويض استقرار لبنان، أعطونا دوراً كبيراً في لبنان مقابل الغاء المحكمة. لكن أنا لا أعتقد أن الولايات المتحدة سوف تسلم لبنان لسوريا.

السوريون توجهوا إلى السعوديين وطلبوا الكثير في لبنان لكن السعوديين رفضوا إعطاءهم أي شيء.

أما إيران فإنها أقل أهمية من سوريا، إن دعم حزب الله بالمال والسلاح مهم، لكن المصالح الإيرانية تبقى عامة. إنهم يريدون حزب الله قوياً يستطيع ضرب إسرائيل إذا ما ضرب أحد ما المشروع النووي الإيراني.

الحكومة اللبنانية هي أوثق حليف للولايات المتحدة في العالم العربي. وعلى الرغم مما يقول السعوديون والمصريون فإنهم غير مستعدين لمواجهة النفوذ الإيراني. ولكن نظراً لطبيعة الوضع، الحكومة اللبنانية ليس أمامها خيار. إنها على خط الجبهة، عليها أن تحاربهم من أجل أن تبقى. إن الحكومة اللبنانية هي الأكثر أهمية لسياسة الولايات المتحدة الأميركية.


 

جريديني:

هناك فرق بين أمل وحزب الله، الشيعة ينظرون إلى حزب الله كصلة وصل دينية مع إيران وله نوع من الشرعية. أما أمل فينظر إليها كأداة سورية ليس إلا. ولا شك أن نبيه بري استعمل نفوذه من أجل توظيف الشيعة في الحكومة والأعمال التجارية الكبرى.

لا يوجد أي فندق أو شركة طيران أو كازينو إلا ويوظف عدداً من الشيعة. الشيعة بشكل عام لا يقدرون نبيه بري.

لكن السوريين يثقون به ثقة عمياء، وهم خلقوه وهو رجلهم، ويستمرون بدعمه وهم هندسوا التحالف الانتخابي بين أمل وحزب الله، السوريون لا يثقون بحزب الله ويرون أن ولاءه لإيران أكثر من سوريا.

بالنسبة للجيش اللبناني فإنه بقي موحداً لأن الجميع أراد ذلك. وفي اللحظة التي يقرر فيها حزب مثل حزب الله تفكيكه فإنه سوف يتفكك وبكل بساطة. ليس للجيش التجهيزات ولا التدريب الذي يضبط الحدود ويوقف تهريب السلاح. إن وحداته ممتدة من نهر البارد إلى الجنوب وبيروت. ليس هناك من مجال أن يقوم الجيش بنـزع سلاح حزب الله. الجيش اللبناني لا يجيد محاربة الثورات وقد تطلب أكثر من شهر لمقاتلة 300 جهادي في نهر البارد، وهو ليس قادراً على الاقتراب من معاقل حزب الله.

فيما يتعلق بإسرائيل وحزب الله، فأنا مقتنع أن إسرائيل لا يمكنها القضاء على حزب الله قبل توجيه ضربة إلى سوريا. الطريقة الوحيدة لتغيير المعادلة في لبنان هي تغيير المعادلة في سوريا وبدون ذلك فإن أي حرب مع حزب الله هي حرب خاسرة يمكن أن تحقق نتائج مؤقتة لكنها لن تؤدي إلى وضع جديد.

الجميع مقتنع أنه إذا حصل انقلاب في سوريا فإن الإسلاميين سوف يستلمون السلطة. لكن أنا مقتنع أنه إذا حصلت محاولة انقلاب فإنها سوف تؤدي إلى حرب أهلية بين العلويين والسنة تستمر من 10 إلى 20 سنة وتعطي المنطقة فرصة لإحلال نوع من السلام. لا يمكن أن يربح أحد في لبنان قبل أن يهاجم سوريا أولاً. أنا لا أرى أن السوريين يتغيرون وطالما أن جورج بوش في البيت الأبيض وطالما أن هناك 160 ألف جندي في العراق فإنهم يشعرون دائماً بالخطر.

أنا أقدر تماماً الجهود الأميركية لدعم الحكومة اللبنانية وذلك يساعد كثيراً ولكن في النهاية لا أعتقد أن للولايات المتحدة سياسة مثل كيف يكون للبنان رئيس ليس تابعاً لسوريا.

نحن نأمل أن يقوم بذلك فريق 14 آذار، إنهم يرسلون لنا رسائل حول هذه المسألة ويكررون القول: انتظروا حتى منتصف تشرين الثاني عندها سوف يستسلم تحالف 8 آذار وسوف ننتخب الشخص الذي نريد. لكني لا أرى حزب الله يستسلم ولماذا يستسلم.

نير:

أرى أن الشيعة ينظرون إلى حزب الله كمنصة من أجل تحسين أوضاعهم الاجتماعية وطموحاتهم السياسية.

انتقل الشيعي في السبعينات من دعم الشيوعيين إلى دعم أمل وبعد سنوات قليلة انتقلوا لدعم حزب الله الذي يتعارض ايديولوجياً مع الحزب الشيوعي.

كان على حزب الله أن يخفف من إيديولوجيته الإسلامية.

لا يوجد فرق بين الخطاب الرسمي لحزب الله أو حركة أمل. لقد انتقل حزب الله إلى اللبنانية وتبنى معظم ايديولوجيات حركة أمل في وقت انتقل معظم الجمهور الشيعي من أمل إلى حزب الله، إن التوازن السياسي يجعل من لبنان بلداً تضعف فيه السلطة المركزية. ولأنها ضعيفة فإنها تبدو أنها تدعو إلى تدخل أجنبي.

سميث:

لبنان مهم لسوريا وللسعودية وإيران ولكنه ليس لأي منها.

روبين:

أعتقد أن النقطة المركزية في هذا النقاش قد ظهرت ما يجب أن نركز عليه هو ما إذا كان سقوط الحكومة الحالية واستبدالها بحكومة حليفة لحزب الله قد يحصل. أنا لا أعتقد أن ذلك سوف يحصل وأنا لا أعتقد أن انتصارهم مستحيل، لكن إذا حصل وكان حزب الله العامل الأساسي في الحكومة سوف يعتبر ذلك نصراً عظيماً للقوى الراديكالية الإسلامية وسوريا وإيران.

جريديني:

هناك سؤال إذا أراد حزب الله أن يسيطر على بيروت، فإنه يستطيع أن يقوم بذلك غداً. هناك 60 % من الجيش اللبناني من الشيعة ونصفهم يوالون حزب الله، إن محاولة السيطرة على السلطة والاحتفاظ بها تعني حرباً أهلية مع السنة والمسيحيين والدروز. حتى ميشال عون سوف يترك حزب الله.

أعتقد أن الشيعة يريدون معادلة سياسية جديدة. الثلث شيعة والثلث سنة ودروز وثلث مسيحيون.

أنا قلق من أن يكون تكتيك سوريا وحزب الله هو التقسيم حيث يكون الجيش القوة المحايدة التي تمنع الفرقاء من التقاتل.


 

تعليق:

هذا الحوار جرى بين نخب سياسية في الولايات المتحدة وإسرائيل وهي من دون شك على تواصل مع مراكز صنع القرار في البلدين ولهذا فإنه يحمل أسلوب تفكير المسؤولين ويعبر عن نظرتهم إلى الوضع في لبنان وخصوصاً من ناحية الأولويات والمخاطر والأدوار لكل من فرقاء النـزاع اللبنانيين. كذلك يكشف هذا الحوار الأسس التي يبني عليها الإعلام الأميركي والغربي وبعض العربي وقائع التغطية للأحداث الجارية في لبنان والمنطقة والمسلمات الجديدة التي تحاول هذه القوى إرساءها وفرضها على الجمهور العربي والإسلامي.

نستعرض فيما يلي أهم الملاحظات:

أولاً: لم يعد النـزاع العربي الإسرائيلي أساسياً في التغطيات الإعلامية ولا في الدراسات السياسية ولا في أداء صناع القرار ومستشاريهم، لقد جرى تغييب هذا النـزاع بل الصراع الأساسي في منطقة الشرق الأوسط لمصلحة نزاعات متفرقة يجري تجميعها وتشكيلها في مراحل حسب المصلحة الأميركية - الإسرائيلية والمثال الحالي هو الحديث عن التهديد الإيراني والمغالاة في ذلك وربط حزب الله بهذا التهديد المفترض للدول العربية ومعاملته بالسياسة والبحث والإعلام من هذه الزاوية حصراً دون النظر إلى الدور المقاوم أو الدور السياسي والاجتماعي للحزب.

ثانياً: أما باقي الأزمات الأساسية وهي الاحتلال الإسرائيلي للأراضي اللبنانية والأسرى اللبنانيين في المعتقلات الإسرائيلية واللاجئين الفلسطينيين وما يستتبع قضيتهم من صراع بين التوطين وتكريس حق العودة، إضافة إلى قضية المشاركة في الحكم بين الطوائف والقوى السياسية ومشاكل الفساد والهدر والمديونية والركود الاقتصادي دون أن ننسى مشكلة المهجرين التي لم تصل إلى حلول ناضجة ومشكلة هجرة الشباب وكذلك العلاقات اللبنانية السورية وهي بند أساسي في مصالح لبنان الاقتصادية والسياسية.

بين كل هذه المشاكل وغيرها لا يجد هؤلاء الباحثين ومن يمثلون من مراكز دراسات ومراكز قرار مشكلة غير حزب الله.

رغم أن حزب الله والحكومة اللبنانية أعلنا مراراً أنه حزب لبناني أنشأ مقاومة للإحتلال الإسرائيلي وللدفاع عن البلاد ضد أي عدوان إسرائيلي معتمداً صيغة المقاومة الأهلية التي تتكامل مع الجيش والدولة والمؤسسات الأمنية ورغم أنه أعلن أن ليس له فروع خارجية ولا اهتمامات بالعمل خارج لبنان ولا تاريخ بالقيام بأي عمليات خارجية إلا أنه ما زال محط الإهتمام الرئيسي لأنه يقاوم إسرائيل بالسلاح، ولسبب آخر، ربما أكثر وجاهة لأنه يبقى فكرة المقاومة حية بعدما تعرضت لمحاولات اغتيال في مختلف أقطار العرب.

إن جذوة نار المقاومة هي الخطر الأساسي على إسرائيل، ونور المقاومة الذي يشع على العالمين العربي والإسلامي يكاد يخترق الظلمة الثقافية والسياسية السائدة.

وهنا نلاحظ كيف أن المتحاورين يفتشون عن طريقة للتخلص من حزب الله ويصل بهم إلى طرح استبداله بحركة أمل، ثم النقاش على أن هذا الطرح لن يؤدي إلى نتيجة بعد الإقرار بالتعاون بين التنظيمين الشيعيين الأساسيين. وصل بهم أيضاً إلى التفكير بضرب سوريا واحداث التغيير فيها لأن الحاق الهزيمة بحزب الله بات متعذراً ولهذا يجري التعويل على نجاح الضربة العسكرية لسوريا بغية احداث آثار سلبية على حزب الله في لبنان.

ثالثاً: التهرب من مسؤولية نشر الأصولية الإرهابية في لبنان والتي حاربها الجيش اللبناني بشراسة عام 2000 في الضنية وعام 2007 في نهر البارد. لقد قدم الجيش تضحيات كبيرة في سبيل القضاء على هذه الحركات التي أجمع اللبنانيون وجميع القوى الخارجية أنها الخطر الأساسي على الأمن والإستقرار والتي ثبت ضلوعها بجريمتين من أصل أكثر من عشر جرائم تحقق بها لجنة التحقيق الدولية أنها لا تحوز على الاهتمام الكافي من الباحثين رغم أنها ترتبط بتنظيم القاعدة رأس الإرهاب حسب السياسة الأميركية الرسمية والإعلام الأميركي. هذا الإرهاب الموصوف لا يحضر أبداً في أحاديث هؤلاء الباحثين واقرانهم من صناع القرار في العالم، هل صدفة أن أول تصريح لمسؤول أميركي كبير هو مدير وكالة المخابرات المركزية بعد احداث نهر البارد هو الكلام عن نية حزب الله بمهاجمة أهداف داخل أميركا والتي أضيف إليها اعتقال الأميركي اللبناني حسين زرقط الذي يدرس الطب بتهمة حيازته صورة له أمام صورة كبيرة للسيد حسن نصر الله؟ دون أي إشارة إلى جهود الجيش اللبناني في مكافحة الإرهاب.

أدى الإرهاب المتمثل بفتح الإسلام إلى استشهاد نحو 170 عسكرياً لبنانياً ونحو مائة مدني وتدمير مخيم نهر البارد وتهجير سكانه البالغ عددهم نحو أربعين ألفاً وضرب الحركة الاقتصادية في الشمال اللبناني وتسميم الأجواء في لبنان ووقف حركة السياحة في لبنان التي يعول عليها في دعم اقتصاده. لقد سمعنا وشاهدنا عام 2006 بكاء داخلياً وانتقاداً أميركياً وأوروبياً لحزب الله للتسبب بضرب الموسم السياحي، أما عام 2007 فلم نسمع أي كلمة عن انهيار الموسم رغم فداحة الخسارة للسنة الثانية. هذه الأحداث الخطيرة والتي أضرت بالوضع اللبناني ولم تحظ باهتمام المتحاورين.

رابعاً: النظرة الغريبة إلى حلفاء أميركا في لبنان، فحكومة السنيورة أهم من مصر والسعودية، وتحتل الموقع الأول لدى الولايات المتحدة، أما تحالف 14 آذار الذي ورد ذكره بشبه سخرية من أنه وعد "أن 8 آذار سوف تستسلم في منتصف تشرين الثاني وبعدها ينتخبون رئيساً للجمهورية من صفوفهم" علق بعدها المحاور أن حزب الله لن يستسلم وبسؤال معبّر لماذا يستسلم؟

والأخطر هو الحديث عن استعداد القوى المناوئة لحزب الله والتي قدرها باري لويين بـ 60 إلى 65 % من اللبنانيين بأنهم لن يستسلموا وكلام لي سميث أن هذه الأغلبية وقفت بوجه حزب الله وسوف تستمر ولو أدى ذلك إلى نشوب حرب أهلية. هذه النظرات تنم عن تمنيات غيبية وترويجات إنذارية إلى العرب عن الحرب المذهبية المطلوبة في لبنان والتي يبدو أنهم يطمحون لنشوبها كونها تحقق أهدافهم. لكن هذه الطموحات تفتقر إلى الأرضية اللازمة لنشوب مثل هذه الحرب. بعد تفاهم 5 شباط بين التيار الوطني الحر وحزب الله لم يعد هناك خطوط تماس تصلح لإشعال حرب مثل تلك التي دامت نحو عشرين عاماً. وهذا يفسر كثافة الحملة من قوى 14 آذار على التيار الوطني الحر والتكتل المسعور في انتخابات المتن ضده، إن القضاء على التيار الوطني الحر لمصلحة جماعة 14 شباط يسهل نشوب الحرب الأهلية وهذا التفاهم عطل إمكانية نشوب حرب وإحياء خطوط التماس القديمة. أما مسألة استحداث خطوط جديدة فتبدو أنها صعبة المنال نظراً لتشابك المواقع السكانية. وهناك عنصر هام هو عدم الرغبة بحرب أهلية من الفرقاء الأساسيين القادرين على خوض مثل هذه الحرب، ففي أحداث كانون الثاني/يناير 2007 في جامعة بيروت العربية التي قتل فيها أربعة من أنصار أمل وحزب الله، بدأ أحد قادة 14 آذار مزهواً ببدء الحرب المذهبية بين السنة والشيعة والتي يريد أن يقتصر دوره فيها على التحريض والقيام بدور الوسيط المالي دون اشتراك فعلي. إن اطفاء النار المعدة لنشوب الحرب في لحظتها ووعي الجمهور السني والشيعي معاً لخطورتها وصعوبتها أوقفا احتمال نشوبها رغم كل حملات التحريض، لا يبدو أن السنة مستعدون كطائفة أو كشعب لمثل هذه الحرب والغالبية الشيعية تعارض تماماً أي تفكير فيما بدا كلام السيد حسن نصر الله واضحاً حين قال: لو قتلتم ألفاً منا فلن نرد، وكان ذلك إشارة إلى قوى الخارج أنه لا يريد الانجرار إلى أزمة داخلية.

خامساً: تكاد العلاقات السورية اللبنانية تنحصر فقط في منع تهريب الأسلحة، فسوريا هي المنفذ البري الوحيد على العالم وعبرها تنتقل مئات الشاحنات يومياً من لبنان إلى دول الخليج والمصالح السورية اللبنانية المشتركة كثيرة جداً وخصوصاً في مجال الأمن والدفاع والاقتصاد، يتجاهل المتحاورون تماماً كل تلك المصالح إضافة لتجاهلهم للعلاقات الاجتماعية بين الشعبين في سوريا ولبنان ويحصرون اهتمامهم بتهريب الأسلحة فقط كونه يعزز في حال حصوله قوة حزب الله وتالياً قوة الدفاع والردع في لبنان ضد الإعتداءات والتهديدات الإسرائيلية.

سادساً: لا يبدو دور القوات الدولية في وقف إطلاق النار وانسحاب القوات الإسرائيلية وتأمين عودة المواطنين إلى منازلهم وخصوصاً المهدمة منها وخلق المناخ اللازم لإعادة الإعمار، دوراً مشكوراً بالنسبة للمتحاورين.

يوجه لهذه القوات النقد بسبب عدم انتشارها على الحدود اللبنانية - السورية وكأن الحرب كانت تجري على تلك الحدود ويشتد النقد بسبب عدم قيامها بالمداهمات داخل القرى اللبنانية وجوارها بحثاً عن السلاح أي بمعنى آخر يطلب منها أن تسلك سلوك قوات الإحتلال. ثم أن هذه الإنتقادات لا تتوافق مع مضمون قرار مجلس الأمن رقم 1701.

إن إعـادة إعمار ما تهدم وإصلاح ما تعطل وعودة من نزح لا تهم هؤلاء بل جل اهتمامهم هو سلاح حزب الله.

سابعاً: لوحظ توجيه انتقاد لاذع للجيش اللبناني ووصفه أنه غير مجهز ولا مدرب من أجل منع تهريب الأسلحة عبر الحدود اللبنانية - السورية كما يلفت الإنتقاص من إنجاز الجيش الكبير وهو إنجاز وطني ودولي في مكافحة الإرهاب وذلك بقضائه على تنظيم كبير مدرب وممول ومجهز لأعمال إرهابية في كل أنحاء العالم. هذا التنظيم المتعدد الجنسيات لم يحصل أن تعرض لمثل هذه الضربة التي وجهها له الجيش اللبناني وكانت فعلاً ضربة قاضية. قدم الجيش تضحيات كبيرة وأظهر عن عزم وإرادة لمكافحة الإرهاب وهو بذلك أنقذ لبنان والعالم بأسره من مشاريع أعمال إرهابية كان يمكن أن يقوم بها عناصر التنظيم في سائر أنحاء العالم لو قدر لهم إقامة قاعدة أو ملاذ في نهر البارد. إن السخرية من الجيش لأنه أمضى ما يزيد عن الشهر لمقاتلة 300 جهادي في غير محلها إذا قلنا أن الولايات المتحدة وجبروتها لم تنجز، قياساً، مثل ما قام به الجيش اللبناني.

غالب الظن أن هذه الإساءة للجيش اللبناني قد وجهت بعدما ثبت للمتحاورين ومن يمثلون أن أي رهان على صدام بين الجيش اللبناني والمقاومة هو رهان خاسر وهذا الموضوع غير مطروح على ما يبدو من الجيش لأسباب عقيدية وليس لعدم توافر القدرات.

ثامناً وأخيراً: يمكننا أن نطرح سؤالاً في زمن الديمقراطية والحرية، أين الرأي الآخر؟.