العدد السابع والعشرون - تشرين الاول

مستقبل العراق ... بين تقريرين

منال الربيعي/كاتبة عراقية
الخميس 1 تشرين الثاني (نوفمبر) 2007.
 

تمخض الجبل فولد فأرا"، هذا هو حال التقرير الأمريكي و المفروض أنه " إستراتيجي"، و الذي شغل بال الناس، الا وهو تقرير " كروكر - بترايوس ". وقد جاء رماديا" بلا طعم ولا رائحة ولا فائدة، حيث فصّل على مقاس الرئيس بوش ورؤيته العسكرية و السياسية في العراق.

المتابع للزيارة المفاجئة التي قام بها الرئيس بوش الى الأنبار- قبيل صدور التقرير
-  يستطيع أن يتوقع الصورة التي سيكون عليها التقرير - سيستطيع أن يتوقع الصورة التي سيكون عليها التقرير في تواطؤ فاضح بين كتّابه وبين الرئيس بوش.

وبالرغم من التقرير المهزلة الذي لم يطرح اي رؤية إستراتجية مهمة لمستقبل وجود الاحتلال الأميركي في العراق، كما كان قد وعد به و الرئيس بوش سابقا" الشعب الشعب الأميركي و العالم، فإن ملاحظات هامة حول هذا التقرير يمكن أن تفند بالشكل التالي:

أولا" :  هذا التقرير كان بمثابة محاسبة لسوريا و إيران أكثر منه تقييم الاستراتجية الأميركية، وذلك في الإشارة للدور الإيراني و السوري في العراق.

حيث إتهم إيران بأنها تقوم بدور سلبي في تقويض الأمن و تعمل على تسليح المليشيات  الشيعية. وهذا الكويت بثنا بلحظية قبل انعقاد أي جولة حوار بين الطرفين في محاولة لفرض الإبتراز ولمزيد من الضغوط وتحقيق المكاسب السياسية على طاولة المفاوضات.

أما فيما يتعلق بسوريا فقد اتهمت باستمرار السماح بتدفق الأسلحة عبر حدودها مما يؤدي الى استمرار التقاتل الدائر في العراق - حسب التقرير - ولعل الفارة الإسرائلية التي شنّت مؤخرا" على دير الزور و التي لم يعرف أسبابها أو أهدافها لغاية الأن، تأتي في سياق تضييق الخناق و الضغوط على الجانب الإيراني السوري دفعة واحدة.

ثانياً: في التقرير هو إلقاء اللوم على الحكومة و المجتمع العراقي في فشلهما بتحقيق المصالحة الوطنية، حيث لا يستطيعون تدبر أمورهم، فالمجتمع قبلي و الحكومة فاسدة تنخرها الطائفية بالإضافة الى اختراق الميلشيات للقوات العراقيّة.

ثالثا" : نجاح الأميركيين في مواجهة الإرهاب ومحاربة القاعدة في محافظة الأنبار، و الذي بلي بضربة قاسية من خلال اغتيال رئيس مجلس صحوة الأنبار، الشيخ عبد الستار أبو ريشة - و الذي زاد "وللمفارقة" من تصميم العشائر على محاربة القاعدة، لا بل إنتقال هذه التجربة الى مناطق وعشائر أخرى، و إن كانت المخاوف من ظاهرة تسليح العشائر و التي تهدد بافتعال حروب أهلية بذورها صالحة وجاهزة.

وعند قراءة هذه النقاط نجد أن مأساة الشعب العراقي غائبة عن الموضوع، و الهمّ الأساس هوهل بإمكان تحقيق النصر الأميركي و لماذا لم يتحقق حتى الأن، وفي هذا السياق تبرز بعض الرسائل الموجهة الى الناخب الأميركي و الخصم الديمقراطي اللدود ومنها :


-  الإقرار بأن مشاكل العراق تتطلب وقتاً طويلاً وجهداً عظيماً، و التخلي عن استعمال كلمة تحقيق النصر حيث قال كروكر بأنه لن تكون هنالك لحظة معيّنة نستطيع أن نعلن النصر فيها.


-  الحديث عن امكانية تخفيض عدد القوات الذي تمّ اعتمادها في عملية الدفق من خلال الأشهر القليلة المقبلة وذلك بعدما تحقق الهدف من استخدامها الا وهو انخفاض مستويات العنف في بعض المناطق في إشارة الى تجربة الأنبار و أي تخفيض دون هذا المستوى لا يمكن اتخاذه قبل اذار المقبل.


-  ما ورد عن تسليح القوات العراقية لتمكينها من استلام الملف الأمني في بعض المناطق
-  وهذا ما حصل بالفعل - وعندها يكون الأمن قد انتقل من القيادة الى الشراكة فالمراقبة وذلك في إشارة الى أهمية توفير الأمن للسكان وواجب نقل المسؤوليات الى المؤسسات العراقية بأقصى سرعة ممكنة من دون الاستعجال بما يؤدي الى الفشل.


-  التذكير الدائم بأن أي قرار مستعجل بالإنسحاب بأن يرسل إشارات خاطئة الى الإرهابيين أعداء أميركا في الخارج ليملأ الفراغ مما سيكون له نتائج كارثية على الوجود الأميركي في الشرق الأوسط.

من الطبيعي أن يشكل هذا التقرير صدفة للدمقراطيين و للعالم لأنه لم يوفر أي رؤية واضحة لمستقبل القوات الأمريكية في العراق لا بل اتهم التقرير بأنه محاولة لتضليل الرأي العام الأميركي و العالمي على حدّ سواء.

و الجدير بالذكر أن هذه التوصيات و التقرير الصادر عنها ليست الوحيدة ، بل تأتي ضمن سياق 3 تقارير أمر الكونغرس باعتمادها رفعها تقرير للبنتاغون و آخر لمكبث محاسبة الحكومة.

وفي معرض حديث الرئيس بوش لتقييمه للتقرير يأتي اعترافه بعدم القدرة على حسم الملف العراقي خلال ولايته لا بل ترحيل هذا الملف الشائك الى مكتب الرئيس الجديد في كانون الثاني (2009). ولغاية ذلك التاريخ فإن جميع الاحتمالات تبقى مفتوحة داخل وخارج العراق.

وعند مقارنة هذا التقرير بتقرير آخر كان مفصلياً و أكثر مصداقية وموضوعية بالنسبة للواقع الاميركي في العراق الا وهو تقرير - بايكرهاملتون - و الذي اعتبر تقريراً إسترتيجياً طرح جميع مشاكل المنطقة الساخنة ليس فقط في العراق إنما ايضا" في فلسطين، حيث اعتبره البعض بمثابة خارطة طريق حقيقية لحل الأزمة في العراق لا بل الصراع العربي الإسرائيلي! ولعل أهم التوصيات التي طرحها التقرير هي في الدعوة الى تحديد وتعزيزالجهود الدبلوماسية في العراق و المنطقة و تغيير المهمة الأساسية للقوات الأميركية في العراق الأمر الذي سيسمح للولايات المتحدة ببدء نقل قواتها المقاتلة خارج العراق.

أما على صعيد المقاربة الخارجية : التشديد على اجراء حوار شامل و موسع مع الدول المجاورة للعراق و التي يمكن ان

تشكل جماعة دعم لتعزيز الامن و المصالحة الوطنية في العراق و هما امران لا يستطيع العراق تحقيقهما وحده .

و خص بالذكر سوريا و ايران لقدرتهما على التأثير في الاحداث في العراق و مصالحهما في تفادي الفوضى .

ولا تستطيع الولايات المتحدة الاميريكية تحقيق اهدافها في الشرق الاوسط و منها في العراق الا اذا تعاملت بشكل مباشر مع الصراع العربي الاسرائيلي و الاستقرار في المنطقة.

 

وفيما يخص المقاربة الداخلية في العراق فتكون من خلال تطوير و دعم الجيش العراقي الذي سيتولى مهمة اساسية في العمليات القتالية عبر تاهيله و تدريبه و بهذا يمكن للقوات الاميريكية ان تنسحب من العراق خلال الربع الاول من عام (2007) .

و على امل مناقشة استراتيجية "دفق بوش" على الاقل حتى آذار المقبل وهو موعد آخر لكتابة تقرير آخر , يبقى مصير العراق و العراقيين تحت رحمة شركات الامن الخاصة و وحشية المسلحين المرتزقة